وزير التربية والتعليم الإيراني: انخفاض التحصيل الدراسي نتيجة عوامل متعددة وليس تقصير المعلمين

Image

ترجمة: دنيا ياسر نور الدين 

أجرت وكالة أنباء «إيلنا» الإيرانية، الثلاثاء 2 سبتمبر/أيلول 2025، حوارا مع علي رضا كاظمي، وزير التربية والتعليم في حكومة مسعود بزشكيان، حول أسباب تراجع التحصيل الدراسي للطلاب وسبل تحسين جودة التعليم، إضافة إلى توضيحه لأرقام المتسربين من المدارس ودحض الإحصائيات غير الدقيقة المتداولة.

أرجع كاظمي، تراجع التحصيل الدراسي بين الطلاب إلى عوامل متعددة، مؤكدا أن انخفاض جودة التعليم لا يمكن تحميل مسؤوليته للوزارة وحدها. وأوضح أن الحديث عن تقصير المعلمين ليس منصفا، إذ إنهم يعملون بكل جهد وإخلاص، لكنهم يواجهون ظروفا صعبة، مشيرا إلى أن وضع معلم واحد أمام خمسين طالبا من دون أي معايير لا يمكن أن يؤدي إلى نتائج تعليمية مرضية.

دور الأسرة والمجتمع في التعليم

أشار كاظمي إلى أن انخفاض المعدلات الدراسية على مستوى البلاد يجب أن يُفهم على أنه نتيجة عوامل متعددة، موضحا أن جزء من المشكلة يعود إلى الأسر، ففي ظل الانشغالات والظروف الخاصة التي تسود البيئة العائلية اليوم، إضافة إلى الفجوة والتباعد بين الأهل والطلاب وانتشار العزلة الفردية بين الطلاب، حيث أصبح لدى الأسر وقت محدود للمتابعة التربوية والتعليمية لأبنائها، باستثناء عدد قليل من الأسر التي تلتزم بذلك.

وأوضح أن جزءا من تراجع التحصيل الدراسي مرتبط بالنظام التربوي داخل الأسرة والمجتمع، مشيرا إلى أن الأجهزة الذكية اليوم لا تؤثر على الطلاب فقط، بل تحد أيضا من قدرة الجميع على التركيز في القضايا الجوهرية للحياة، وأن العديد من المشكلات الزوجية تنبع من هذا العامل وأضاف أن هذا التباعد أسهم بشكل مباشر في ضعف التواصل والانتباه، مما انعكس على التحصيل الدراسي للطلاب.

وتابع أن جانبا آخر من المشكلة يعود إلى البنية الكلية لنظام التعليم، والتي قد تكون خارج نطاق سيطرة الوزارة، وذكر مثالا على ذلك، موضحا أن هناك طلابا ينشأون منذ مرحلة الروضة الأولى في بيئة تعليمية متكاملة، في حين يدخل آخرون النظام التعليمي فجأة، خاصة في المناطق ثنائية اللغة، وقد لا يكونون قادرين على القراءة، ما يصعب على المعلم اكتشاف ذلك، مؤكدا أن هذه الفروقات تلعب دورا كبيرا في انخفاض جودة التعليم.

وأكد  أن جزءا من الانخفاض في جودة التحصيل الدراسي يعود إلى الوزارة نفسها، وأوضح أن التغطية في مرحلة ما قبل المدرسة تشهد تغيرا مستمرا، ومع اعتماد برامج جديدة لتعليم الطفولة المبكرة، لا تزال الوزارة في مرحلة البداية، مشيرا إلى أن جزءا من المشكلة مرتبط بهذا الجانب، فيما يعود الجزء الآخر بالتأكيد إلى مسؤوليات الوزارة المباشرة في إدارة العملية التعليمية.

وأضاف أن جودة التعليم تتأثر أيضا بالمعايير المتاحة في البيئة الدراسية، إلى جانب الموارد البشرية والمعدات، وأشار إلى أن الفروقات بين الصفوف الصغيرة والكبيرة واضحة جدا، حيث يمكن للمعلم في صف يضم عشرة طلاب مراجعة الدروس خمس مرات والعمل مع كل طالب على حدة.

بينما في صف يضم خمسين طالبا، يضطر المعلم إلى تقديم الدروس بشكل جماعي، ما يمنعه من متابعة الواجبات الفردية لكل طالب، ويؤثر بالتالي على مستوى التحصيل الدراسي وجودته.

Image

استراتيجيات تحسين جودة التعليم 

أوضح كاظمي، أن “المعايير التعليمية لها أهمية كبيرة، فلو كانت المعدات حديثة والتكنولوجيا متوافرة للمعلمين والطلاب، ستختلف ظروف التعليم بشكل كبير، مؤكدا أن جزءا من تحسين جودة التعليم يتعلق بتدريب المعلمين وتعزيز قدراتهم، مشيرا إلى أن الوزارة تعمل في هذا المجال”.

وأشار إلى أن تمكين المعلمين وتطوير بيئة الصف الدراسي يعدان من الأمور الجوهرية لرفع مستوى التحصيل والجودة التعليمية بين الطلاب، وأوضح أن تحسين الجودة التعليمية يعد أحد البرامج الرئيسية المدرجة على جدول الحكومة بقيادة الرئيس الإيراني مسعود بزشکیان، 

التعلم النشط ومشاركة الطلاب

أضاف كاظمي أن تحقيق التغيير يتم عبر خطوتين رئيسيتين: الأولى تكمن في تعزيز قدرات المعلمين وتمكينهم من إدارة الصفوف بفاعلية أكبر، والثانية عبر اعتماد أساليب التعلم النشط التي تشرك الطلاب مباشرة في عملية التعليم، بدلا من أن يقتصر دورهم على الاستماع فقط. 

وأوضح أن من بين هذه الأساليب تقسيم الطلاب إلى مجموعات صغيرة، وإعطاءهم فرصة للتحضير المسبق للدرس ليقدموه بأنفسهم في اليوم التالي، بما يعزز مهاراتهم التفاعلية ويجعلهم مشاركين فاعلين في العملية التعليمية.

وأكد أهمية تحويل بيئة الصف الدراسي من جو جامد وروتيني إلى بيئة مرنة وحيوية تشجع الطلاب على التعلم والمشاركة الفعّالة، وأوضح أن هذا يشمل إمكانية ترتيب الصفوف بشكل دائري أو مجموعات حسب ما يراه المعلمون والطلاب مناسبا، مع جعل الصف مساحة ممتعة ومحفزة للتعلم، بمشاركة الطلاب والأسر في تصميم البيئة التعليمية.

وتابع موضحا أن توزيع الأدوار بين الطلاب داخل الصف يسهم بشكل كبير في تعزيز التفاعل والمشاركة، حيث يمكن تعيين أحد الطلاب مساعدا للمعلم، وآخر ممثلا للصف، وآخر مسؤول الحضور والانصراف، وآخر مسؤولا عن نظافة الصف، ليشعر الطلاب بمسؤوليتهم تجاه إدارة البيئة التعليمية والمشاركة الفعلية في سير العملية الدراسية.

وأشار أيضا إلى جانب تجهيز الصفوف من حيث المعدات والبرمجيات، مؤكدا أن الطلاب لا يشعرون بالراحة عند الجلوس على مقاعد مشتركة لثلاثة أو أربعة طلاب، لذا يجب توفير مقاعد فردية تسمح بحرية الحركة وتحسن من شعور الطلاب بالراحة. 

وأضاف أن تزويد الصفوف بأدوات تقنية حديثة وبرمجيات تعليمية متطورة يسهم في تعزيز التفاعل السريع والنشط للطلاب، ويتيح لهم المشاركة الفاعلة في العملية التعليمية، ما يعزز جودة التعلم ويحفزهم على الاستمرار في الدراسة بفعالية أكبر.

وتابع أن تحسين بيئة المدرسة له أثر بالغ على جودة التعلم، مشيرا إلى أنه عند تفقد المدارس، كان يبدأ بزيارة المراحيض، موضحا أن النظافة تلعب دورا رئيسيا في شعور الطلاب بالراحة وأكد أن الطالب الذي يضطر للتعامل مع مراحيض غير نظيفة لن يكون قادرا على التركيز في الدروس، حيث تتشتت انتباهاته بسبب عدم توفر بيئة مدرسية مناسبة.

وأكد أن المدير الناجح للمدرسة يجب أن يتميز بالحب للعمل، والإخلاص، والفاعلية، وأن يكون قادرا على التعرف على إمكانيات المجتمع المحلي لتطبيق التغييرات اللازمة داخل المدرسة.

وأضاف أن ذلك يشمل تنظيم الأنشطة التربوية والرياضية، وتجهيز المرافق الأساسية مثل المراحيض والمساحات الرياضية، فضلا عن منح الطلاب أدوارا ومسؤوليات تشعرهم بالانتماء والمشاركة الفاعلة في إدارة المدرسة.

وأشار إلى أن تنفيذ هذه الإجراءات لا يتطلب ميزانية كبيرة، بل يعتمد على الدافع والحافز الشخصي، مؤكّدا أن العائلات متاحة للمشاركة، وأن البيئة المجتمعية المحيطة بالمدرسة يمكن الاستفادة منها لتحقيق هذه التغييرات بسهولة، بما يسهم في تحسين جودة التعليم وتعزيز شعور الطلاب بالانتماء والمسؤولية.

Image

تأثير جائحة كورونا على التحصيل الدراسي

ذكر كاظمي أن جائحة كورونا خلال عامين 2020 و2021 أسهمت بشكل كبير في ابتعاد الطلاب عن البيئة التعليمية، مشيرا إلى أن هذا العامل كان له تأثير مباشر على تراجع جودة التعليم. 

وأكد أن العديد من العوامل التي تؤثر على مستوى التحصيل الدراسي تقع خارج نطاق سيطرة المعلمين، موضحا أنه لا يمكن تحميل وزارة التربية وحدها المسؤولية، ففي الصفوف الكبيرة التي تضم خمسين طالبا دون أي معايير مناسبة، يبذل المعلمون قصارى جهدهم، لكن الظروف المحيطة تحد من قدرتهم على تحقيق أفضل النتائج التعليمية.

وأضاف أن جزءا من تراجع جودة التعليم مرتبط بالتأثيرات العميقة للجائحة، إلى جانب عوامل اجتماعية وثقافية معقدة، لافتا إلى أنه لم يتمكن من تناول هذه القضايا بتفصيل كامل بسبب ضيق الوقت، لكنه أعرب عن استعداده لمناقشتها بشكل موسع إذا سنحت الظروف مستقبلا، مؤكّدا تقديره للصحفيين الذين تناولوا الموضوع بجدية ولم يقتصروا على التناول السطحي.

أسباب تسرب الطلاب المتنوعة

أكد كاظمي أن نحو 950 ألف طالب مسجلين رسميا كمتسربين من التعليم وفق المستندات والبيانات الرسمية، مشيرا إلى أن أفضل الإحصاءات المتوفرة تتعلق بالمتسربين من التعليم مباشرة، وليس مجرد إدعاءات حول رغبة الطلاب في دخول سوق العمل.

وأوضح أن البيانات المسجلة دقيقة ويتم تتبع كل متسرب بشكل فردي، محذرا من الأرقام غير الصحيحة المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي، مثل الادعاء بوجود مليوني متسرب، مؤكدا أن هذه الأرقام غير دقيقة ويدعو إلى مراجعة الإحصاءات الرسمية للتحقق من صحتها.

وأضاف أن هذه المشكلة لا تقتصر على الإحصاءات فقط، بل هناك من ينشر أرقاما مغلوطة عن الآثار الاجتماعية لأهداف غير واضحة، واعتبر أن هذه الممارسات الإعلامية تضليلية وغير مقبولة، مشددا على ضرورة أن تتحقق جهة رسمية من صحة أي بيانات يتم تداول

وأوضح كاظمي، أن أسباب تسرب الطلاب من المدارس متعددة وتتراوح بين عشرة إلى عشرين سببا، مشيرا إلى أن من أبرز هذه الأسباب الهجرة، حيث يغادر بعض الطلاب مع أسرهم إلى الخارج، دون توفر بيانات رسمية عنهم.

وأكد أن عددا كبيرا من المتسربين يعود إلى حالات الإعاقة أو الظروف البدنية التي تمنع الطلاب من الدراسة في المدارس العادية، بالإضافة إلى طلاب ينتقلون إلى مدارس دينية للعلوم الدينية، وهذه الحالات لم تُسجَّل في أي نظام شامل.

ولفت  إلى أن نسبة ضئيلة جدا من المتسربين، تبلغ حوالي ثلاثة في المئة، مرتبطة مباشرة بالبيئة التعليمية نفسها، مثل عدم توفر المدارس في القرى، أو رفض الأسر لإلحاق الفتيات بالصفوف المختلطة، أو بعد المسافة عن المدرسة. 

واختتم كاظمي تصريحاته، بأن إنشاء ثانوية في كل قرية غير ممكن، نظرا إلى أن المدرسة تحتاج إلى خمسة أو ستة معلمين متخصصين على الأقل، لذا تقدم الوزارة خدمة النقل للطلاب للذهاب إلى مدارس في قرى مجاورة، لكن بعض الطلاب يرفضون ذلك. 

وأشار  إلى وجود نحو 17 إلى 18 عاملا رئيسيا وراء ظاهرة التسرب، وضمن ذلك الفقر الاقتصادي، مؤكدا أن البيانات المتعلقة بهذه العوامل موثقة ومفصلة في جداول رسمية.