- زاد إيران - المحرر
- 43 Views
في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يبرز أحد أهم الممرات البحرية في العالم كعنصر حاسم في معادلات القوة والتأثير، ليس فقط على المستوى الإقليمي، بل على الصعيد الدولي أيضا. فقد أعادت التطورات الأخيرة تسليط الضوء على دور هذا الممر الحيوي باعتباره نقطة تقاطع بين السياسة والاقتصاد والأمن، وكمجال تتشابك فيه حسابات الردع والمصالح الاستراتيجية. وفي خضم هذه المعطيات، تتجدد النقاشات حول كيفية توظيف أدوات النفوذ المتاحة، وحدود استخدامها، وتداعيات ذلك على موازين القوى القائمة والمستقبلية في النظام الدولي.
كيهان ومضيق هرمز…سردية الفرصة الضائعة ودعوة لاستخدام القوة الاستراتيجية
يقدم تقرير صحيفة كيهان الأصولية، الثلاثاء 5 مايو/ آيار 2026، طرحا حادا ومباشرا يقوم على فكرة مركزية مفادها أن إيران أضاعت فرصة استراتيجية كبرى بعدم إقدامها على إغلاق مضيق هرمز في وقت مبكر، وتحديدا قبل نحو عشرة أعوام، معتبرا أن هذا القرار، لو اتخذ حينها، كان من شأنه أن يغير موازين القوى في منطقة غرب آسيا، بل وربما في العالم بأسره، وينطلق التقرير من فرضية أن مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي حيوي لتجارة الطاقة العالمية، بل هو أداة ضغط جيوسياسي ذات تأثير بالغ، وأن التحكم فيه يمنح إيران قدرة استثنائية على التأثير في الاقتصاد العالمي، وبالتالي على مواقف القوى الكبرى.

يستند التقرير إلى قراءة نقدية لسياسات سابقة، حيث يرى أن تأخر استخدام هذا الرافعة الاستراتيجية لم يكن نتيجة ضعف في القدرة العسكرية أو اللوجستية، بل بسبب غياب الإرادة السياسية الكافية لدى صناع القرار التنفيذيين، وتأثير تيارات داخلية يصفها بالموالية للغرب التي فضلت خيار التفاوض والمساومة بدلا من استخدام أدوات القوة. وفي هذا السياق، يشير التقرير إلى أن إيران كانت تمتلك طوال العقود الماضية القدرة الكاملة على التأثير في حركة الملاحة عبر المضيق، لكن هذه القدرة لم تستخدم بالشكل الذي يتناسب مع حجم الضغوط التي تعرضت لها البلاد، خاصة في ظل العقوبات الاقتصادية المستمرة.
ويستحضر التقرير أمثلة تاريخية لدعم طرحه، منها فترة ما بعد عام 2009، حين يرى أن العقوبات الدولية والأمريكية على إيران كانت في ذروتها، وكان بالإمكان—وفق رؤيته—الرد عبر استخدام ورقة مضيق هرمز لإحداث توازن في الضغوط. كما يربط بين هذه المرحلة وما يصفه بدور بعض الأطراف الداخلية التي شجعت على فرض عقوبات أشد، أو على الأقل لم تعارضها بالشكل الكافي، ما ساهم في تضييق الخناق الاقتصادي على البلاد دون تفعيل أدوات الرد المقابلة.
ومن النقاط اللافتة في التقرير استحضاره لشهادات وتصريحات من شخصيات أمريكية أو غربية، بهدف إظهار أن خصوم إيران أنفسهم كانوا يدركون خطورة ورقة مضيق هرمز، بل ويخشون استخدامها، ويعرض مثالا لمستخدم أجنبي على وسائل التواصل الاجتماعي اعتبر أن عدم استخدام إيران لهذه الورقة طوال سنوات طويلة يعكس أخلاقية مفرطة، في إشارة إلى أن إيران، بحسب هذا الطرح، كانت تمتلك أداة ضغط هائلة لكنها لم توظفها في الوقت المناسب.

كما يركز على دور القيادات العسكرية، مشيرا إلى تصريحات سابقة لمسؤولين في الحرس الثوري حول القدرة على إغلاق المضيق ومنع مرور النفط، ويعتبر أن هذه التصريحات كانت تعكس جاهزية حقيقية، لكنها لم تترجم إلى قرارات تنفيذية. ويبرز كذلك مواقف سياسية لاحقة، مثل تصريحات الرئيس الإيراني الأسبق حول استحالة استمرار تصدير نفط المنطقة إذا منعت إيران من تصدير نفطها، معتبرا أن هذه المواقف كانت تحمل دلالات قوية لكنها بقيت في إطار الخطاب السياسي ولم تتحول إلى سياسة عملية.
وفي تحليله للبيئة الداخلية، ينتقد بشدة ما يسميه التأثير الإعلامي للتيار الموالي للغرب، الذي، بحسب رأيه، سعى إلى التقليل من أهمية مضيق هرمز أو المبالغة في المخاطر المرتبطة بإغلاقه، مثل احتمال تشكل إجماع دولي ضد إيران أو اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة. ويرى التقرير أن هذا الخطاب ساهم في تقييد صانع القرار وإضعاف إرادته في استخدام هذه الورقة.
ويصل التقرير إلى خلاصة مفادها أن ما شهدته الفترة الأخيرة من استخدام فعلي أو جزئي لأداة مضيق هرمز يثبت صحة الطرح الذي دعت إليه كيهان منذ سنوات، ويؤكد أن استخدام أدوات القوة يمكن أن يكون أكثر فعالية من التفاوض في مواجهة الضغوط الخارجية. ويشدد على أن التجربة الحالية أظهرت أن القرارات الجريئة، حتى لو كانت محفوفة بالمخاطر، يمكن أن تؤدي إلى نتائج ملموسة في تغيير سلوك الخصوم.
وفي خاتمته، يحذر التقرير من تكرار ما يصفه بإضاعة الفرص التاريخية، مشيرا إلى أن التردد في اتخاذ قرارات حاسمة قد يؤدي في المستقبل إلى الندم، سواء فيما يتعلق بمضيق هرمز أو بملفات استراتيجية أخرى. ويدعو إلى تبني نهج أكثر جرأة في السياسة الخارجية، قائم على استخدام أدوات القوة بشكل مدروس لتحقيق مصالح الدولة.
لماذا لم تغلق إيران المضيق سابقا؟ …تحول النظرة الاستراتيجية بعد الحرب
لفهم سبب عدم إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز في السابق، لا بد من النظر إلى مجموعة معقدة من العوامل السياسية والاقتصادية والقانونية والاستراتيجية التي شكلت بيئة اتخاذ القرار على مدى العقود الماضية. فعلى الرغم من امتلاك إيران القدرة العسكرية على تهديد الملاحة في المضيق، فإن استخدام هذه القدرة كان محفوفا بتداعيات كبيرة قد تتجاوز المكاسب المتوقعة.
أحد أبرز هذه العوامل يتمثل في الاعتبارات الاقتصادية الداخلية، إذ تعتمد إيران نفسها، ولو بدرجات متفاوتة، على تصدير النفط عبر هذا الممر الحيوي. وبالتالي، فإن إغلاق المضيق بشكل كامل كان سيؤدي إلى تعطيل صادراتها، وهو ما يتعارض مع حاجتها إلى العملة الصعبة، خاصة في ظل العقوبات. لذلك، كان هناك دائما نوع من التوازن الدقيق بين الرغبة في استخدام المضيق كورقة ضغط، والحاجة إلى الحفاظ على استمرارية الصادرات.

إلى جانب ذلك، لعبت الاعتبارات القانونية الدولية دورا مهما، فمضيق هرمز يعد من المضائق الدولية التي تخضع لقواعد قانونية تنظم حرية الملاحة، مثل مبدأ المرور البريء، وعلى الرغم من أن إيران لم تنضم إلى بعض الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، فإنها كانت حريصة على عدم الظهور بمظهر الدولة التي تنتهك قواعد الملاحة الدولية بشكل صارخ، لما قد يترتب على ذلك من عزلة دولية أو إجراءات عقابية جماعية.
كما أن الخشية من التصعيد العسكري كانت عاملا حاسما. فإغلاق مضيق هرمز كان سيعتبر، من وجهة نظر العديد من الدول، عملا عدائيا قد يبرر ردا عسكريا واسع النطاق، خاصة من قبل الولايات المتحدة وحلفائها. وفي ظل التفوق العسكري الغربي، كان صانع القرار الإيراني يوازن بين المكاسب المحتملة من استخدام هذه الورقة، والمخاطر المرتبطة بردود الفعل العسكرية.
ولا يمكن إغفال البعد السياسي الداخلي، حيث كان هناك انقسام نسبي بين تيارات تدعو إلى التشدد واستخدام أدوات القوة، وأخرى تفضل الانخراط في الدبلوماسية والتفاوض. وقد انعكس هذا الانقسام على السياسات المتبعة، بحيث لم يكن هناك إجماع كامل على خيار إغلاق المضيق، بل كان يستخدم غالبا كأداة تهديد أو ردع دون الوصول إلى التنفيذ الفعلي.

غير أن التطورات الأخيرة، وخاصة في أعقاب الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران، كما يرد في طرح كيهان، أدت إلى إعادة تقييم شاملة لهذه المعادلة. فقد أظهرت هذه الحرب، وفق هذا المنظور، أن الضغوط العسكرية والاقتصادية يمكن أن تصل إلى مستويات غير مسبوقة، وأن الاعتماد على التفاوض وحده قد لا يكون كافيا لحماية المصالح الوطنية. ومن هنا، برزت الحاجة إلى تفعيل أدوات الردع بشكل أكثر وضوحا.
في هذا السياق، تغيرت النظرة إلى مضيق هرمز من كونه خيارا أخيرا إلى أداة يمكن استخدامها بشكل أكثر مرونة ضمن استراتيجية أوسع. لم يعد الهدف بالضرورة إغلاقه بشكل كامل ودائم، بل استخدامه بطريقة انتقائية ومدروسة، مثل تقييد حركة بعض السفن أو فرض شروط معينة، بما يحقق الضغط المطلوب دون الوصول إلى نقطة الانفجار الشامل.
كما أن التجربة الأخيرة، بحسب هذا التحليل، أظهرت أن استخدام المضيق يمكن أن يكون له تأثير نفسي وسياسي كبير، حتى دون إغلاقه بالكامل. فمجرد التهديد الجدي أو الإجراءات الجزئية يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، وزيادة الضغوط على الاقتصادات الغربية، وبالتالي تعزيز موقف إيران التفاوضي.

ومع ذلك، فإن هذا التحول لا يخلو من التحديات. فكما تشير بعض التحليلات، فإن استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط لفترة طويلة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، مثل تشكل إجماع دولي ضد إيران، أو تسريع الجهود لإيجاد بدائل لنقل الطاقة، أو حتى اتخاذ إجراءات عسكرية لضمان حرية الملاحة. لذلك، فإن التحدي الأساسي يكمن في كيفية استخدام هذه الأداة دون الإفراط في توظيفها.
في المحصلة، يمكن القول إن عدم إغلاق مضيق هرمز في السابق لم يكن نتيجة تردد بسيط، بل كان نتاج حسابات معقدة شملت اعتبارات اقتصادية، وقانونية، وعسكرية، وسياسية. أما اليوم، فإن التحولات الإقليمية والدولية دفعت إلى إعادة النظر في هذه الحسابات، وفتحت الباب أمام استخدام أكثر جرأة، ولكن أيضا أكثر حذرا، لهذه الورقة الاستراتيجية.

