- زاد إيران - المحرر
- 802 Views
في كل عام، لا تكون الموازنة العامة مجرد وثيقة مالية تعرض على البرلمان، بل تتحول إلى مرآة سياسية واجتماعية تعكس بوضوح طبيعة الدولة، مخاوفها، أولوياتها، ومن تعتبره في قلب مشروعها ومن تضعه على الهامش. وفي الحالة الإيرانية، تكتسب الموازنة بعدا أعمق وأكثر حساسية، لأنها تكتب في سياق استثنائي تتقاطع فيه العقوبات، والضغوط الأمنية، والتحولات الإقليمية، والأزمات الاجتماعية المتراكمة، مع طموحات الدولة في الحفاظ على تماسكها الداخلي ودورها الإقليمي.
موازنة العام الإيراني 1405 (21 مارس/آذار 2026 – 20 مارس/آذار 2027)، جاءت بعد عام بالغ القسوة، شهدت فيه البلاد توترا أمنيا غير مسبوق، وحربا قصيرة، ولكن مكلفة، واستمرارا في العقوبات الغربية، وتآكلا واضحا في القدرة الشرائية للمواطن، مقابل توسّع متواصل في التزامات الدولة الأمنية والعسكرية. وفي هذا السياق، لم يكن من غير العادي أن تتحول أرقام الموازنة إلى مادة جدل داخلي واسع، سواء في البرلمان، أو في الإعلام، أو بين الخبراء الاقتصاديين، بل وحتى في الشارع الإيراني الذي بات يقرأ الموازنة بوصفها مؤشرا مباشرا على موقعه في معادلة الدولة.
اللافت في هذه الموازنة ليس فقط حجمها الإجمالي، بل كيفية توزيعها، ومن يحصل على النصيب الأكبر منها، ومن يطلب منه مجددا الصبر والتحمل، فبينما تتحدث الحكومة عن العدالة الاجتماعية وكبح التضخم وتحسين معيشة المواطنين، تكشف الجداول التفصيلية عن واقع أكثر تعقيدا، حيث تتصدر النفقات العسكرية والأمنية، والمؤسسات الأيديولوجية، والإعلام الرسمي، المشهد المالي، في مقابل إنفاق اجتماعي يبدو في كثير من بنوده غير قادر على ملاحقة التضخم الحقيقي أو معالجة الفجوات البنيوية.
هذه السلسلة من التقارير التي تقدمها زاد إيران لقرائها لا تكتفي بإعادة عرض الأرقام، بل تسعى إلى تفكيك منطق الموازنة لماذا صيغت بهذه الطريقة؟ ما الرسالة السياسية التي تحملها؟ كيف تترجم أولويات الدولة الفعلية بعيدا عن الخطاب الرسمي؟ وأين يقف المواطن الإيراني، العامل، المتقاعد، الطالب، المريض، داخل هذه المعادلة الرقمية الضخمة؟
كما يتوقف زاد إيران عند مسألة جوهرية كثيرا ما تغفل في النقاش العام، وهي التوزيع الجغرافي للموازنة، حيث تكشف الأرقام عن دولة مركزية ما زالت تراكم الموارد في محافظات بعينها، لأسباب أمنية أو سياسية أو تتعلق بالطاقة، مقابل محافظات أخرى تعاني التهميش المزمن، ما يطرح أسئلة حقيقية حول مفهوم التنمية المتوازنة الذي تتبناه الخطط الرسمية.
كما سنخصص مساحة واسعة لتحليل الإنفاق الثقافي والإعلامي، ولا سيما ميزانية الإذاعة والتلفزيون والمؤسسات الدينية والثقافية، باعتبارها أدوات الدولة الناعمة في إدارة الرأي العام وصياغة الهوية، في وقت تتقلص فيه مساحات التعبير المستقل وتتراجع الثقة الشعبية بالإعلام الرسمي.
أما في الجانب العسكري والأمني، فسنتناول الأرقام بعيدا عن الشعارات، محاولين الإجابة عن سؤال مركزي، هل تعكس هذه الموازنة عقلية دفاعية كما تقول الحكومة، أم أنها تؤكد أن الأمن ما زال هو البوصلة الأساسية للدولة، حتى لو جاء ذلك على حساب التنمية الاجتماعية؟
في المحصلة، فإن هذه النظرة لا تعد اتهاما ولا تبريرا، بل قراءة استقصائية تحاول الإجابة عن سؤال واحد كبير، ماذا تقول موازنة 2026 عن إيران اليوم… وعن إيران التي تريد الدولة بناءها غدا؟، كذلك فقد وجب التنبيه أن التحويلات إلى الدولار الواردة في المادة قامت كلها على معدل صرف مليون و300 ألف ريال مقابل الدولار، وهو السعر المتداول في سوق الصرف الإيرانية وقت كتابة التحليل.
السياق العام للموازنة… حجم ضخم ومنطق سياسي حاكم

تأتي الموازنة الإيرانية لهذا العام بوصفها وثيقة سياسية اقتصادية كاشفة، لا مجرد جدول أرقام، إذ تعكس بوضوح كيفية إدارة الدولة لأزمة ممتدة تتقاطع فيها الضغوط الداخلية مع القيود الخارجية، فبين حجم مالي ضخم يناهز 104 مليارات دولار، وخطاب رسمي يَعِد بكبح التضخم والانضباط المالي، تكشف تفاصيل الموازنة عن إعادة ترتيب عميقة للأولويات، تقوم على تقليص الدور الاجتماعي للدولة، وتوسيع الاعتماد على الضرائب والدّين، مقابل حماية الإنفاق الذي تعتبره السلطة وجوديا.
فوفقا للبيانات الرسمية التي أعلنتها الحكومة وقدّمها رئيس الجمهورية ورئيس منظمة التخطيط والموازنة، يبلغ إجمالي موازنة الدولة الإيرانية نحو 144 ألفا و410 تريليون ريال، أي ما يعادل تقريبا 103.8مليارات دولار أميركي، هذا الرقم يضع موازنة إيران ضمن نطاق متوسط عالميا من حيث الحجم، لكنه يكتسب دلالته الحقيقية عند تفكيكه إلى مكوّناته الأساسية، وهي الموازنة العامة للحكومة، وموازنات الشركات والبنوك والمؤسسات الحكومية التابعة لها.

هذا وتشكل الموازنة العامة للحكومة وحدها نحو 59 ألفا و540 تريليون ريال، أي ما يعادل قرابة 42.8 مليار دولار، ويتوزع هذا الجزء بين الموارد العامة، التي تبلغ حوالي 52 ألفا و200 تريليون ريال، نحو 37.6 مليار دولار، والإيرادات الخاصة للوزارات والمؤسسات الحكومية، البالغة 7 آلاف و340 تريليون ريال، أي ما يقارب 5.3 مليارات دولار. هذه الأرقام تعكس بوضوح محدودية هامش الحركة لدى الحكومة في إدارة شؤونها اليومية، مقارنة بحجم الدولة والتزاماتها.
أما القسم الأكبر من الموازنة، فيكمن في موازنات الشركات الحكومية والبنوك والمؤسسات الاقتصادية التابعة للدولة، التي تبلغ نحو 88 ألفا و960 تريليون ريال، أي ما يعادل 64 مليار دولار تقريبا، وهو رقم يوازي وحده أكثر من 60% من إجمالي موازنة البلاد، ما يعكس الطبيعة الريعية، شبه الحكومية، للاقتصاد الإيراني، حيث لا تزال الدولة لاعبا اقتصاديا مركزيا عبر شركاتها العملاقة، خصوصا في قطاعات الطاقة، والمصارف، والصناعات الثقيلة.
لكن قراءة هذه الأرقام بمعزل عن السياق السياسي ستكون قراءة قاصرة، فموازنة 2026 صيغت، بحسب الحكومة، على أساس ثلاثة عناوين كبرى، كبح التضخم، والانضباط المالي، ومنع العجز. غير أن هذا الطرح الرسمي يحتاج إلى تفكيك دقيق، لأن الأرقام تكشف أن كبح التضخم لا يجري عبر توسيع الإنفاق الاجتماعي أو تحفيز الطلب الداخلي، بل عبر تقليص دور الدولة في بعض القطاعات المدنية، مقابل الإبقاء على مستويات مرتفعة من الإنفاق في القطاعات التي تعتبرها السلطة وجودية.

وتؤكد الحكومة الإيرانية أن موازنة 2026 هي موازنة انكماشية من حيث زيادة الإنفاق، إذ لم يزد حجم الموازنة العامة سوى بنحو 2% اسميا فقط مقارنة بالعام السابق، في بيئة تضخمية تقدر فيها الحكومة نفسها معدل التضخم بأكثر من 40%. وباللغة الاقتصادية الصرفة، يعني ذلك أن الإنفاق الحكومي الحقيقي يتراجع فعليا، حتى وإن بقي اسميا قريبا من مستواه السابق. هذا التراجع لا يشمل كل القطاعات، بل يطال بشكل أساسي المجالات الاجتماعية والخدمية، في حين تستثنى القطاعات الأمنية والعسكرية والمؤسسات الاستراتيجية.
المنطق السياسي الحاكم لهذه الموازنة يمكن تلخيصه في معادلة بسيطة، وهو تقليص الضغط على السياسة النقدية مقابل تحميل المجتمع كلفة الاستقرار، فالحكومة ترى أن العجز المالي هو أحد المحركات الرئيسية للتضخم، ولذلك سعت إلى تجنب توسيع العجز، حتى لو جاء ذلك على حساب تحسين الأجور أو توسيع الإنفاق الاجتماعي. وفي هذا الإطار، تم حذف أو دمج 136 بندا انفاقيا كانت تتلقى تمويلا من الموازنة العامة، بحجة أنها لا تسهم بشكل مباشر في تحسين معيشة المواطنين.
في المقابل، لم تتردد الحكومة في رفع الاعتماد على أدوات تمويل بديلة، وعلى رأسها إصدار أوراق الدين، فقد ارتفع حجم إصدار السندات الحكومية من 8 آلاف و100 تريليون ريال إلى 9 آلاف و400 تريليون ريال، أي ما يعادل نحو 6.76 مليارات دولار، فيما تشكل هذه السندات وحدها قرابة 18% من إجمالي موارد الموازنة العامة، وهي نسبة مرتفعة تعكس اعتمادا متزايدا على الاقتراض الداخلي لتغطية الاحتياجات المالية، بدلا من زيادة الضرائب المباشرة أو تقليص الإنفاق العسكري.

كذلك، تشير بيانات مركز أبحاث البرلمان إلى أن هذه الزيادة في إصدار السندات تهدف، من وجهة نظر الحكومة، إلى تقليص الفجوة التاريخية بين الأرقام المصادق عليها في الموازنة، والأرقام التي تتحقق فعليا خلال السنة المالية، لكن هذا الخيار يحمل في طياته مخاطر مستقبلية، أبرزها تضخم كلفة خدمة الدين العام، حيث قفزت مخصصات فوائد السندات وعمولاتها إلى ما يعادل 3 آلاف و340 تريليون ريال، أي نحو 2.4 مليار دولار، بزيادة تقارب 74% عن العام السابق.
على مستوى الإيرادات، تكشف الموازنة عن انخفاض حاد في الاعتماد على النفط مقارنة بالسنوات السابقة. فإيرادات النفط والغاز قدرت بنحو آلفان و630 تريليون ريال، أي ما يعادل 1.89 مليار دولار فقط، مع تراجع نسبته 56% مقارنة بالعام السابق، هذا الرقم يعكس مزيجا من الحذر الحكومي إزاء تقلبات السوق العالمية، واستمرار العقوبات، والرغبة في عدم تضخيم أرقام يصعب تحقيقها.

في المقابل، تعول الحكومة بشكل متزايد على الإيرادات الضريبية، التي قدرت بنحو 27 ألفا و300 تريليون ريال، أي ما يعادل 19.6 مليار دولار، بزيادة تقارب 50% مقارنة بالعام السابق، ورغم هذا الارتفاع الكبير، لا تزال نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالي أقل بكثير من الهدف المنصوص عليه في الخطة التنموية السابعة، الخطة التي تهدف الحكومة إلى تنفيذها، والمحدد عند 10%.، هذا يعني أن الدولة ترفع الضرائب، لكنها لا تزال عاجزة عن تحويلها إلى أداة فعالة لإعادة توزيع الثروة أو تحقيق العدالة الاجتماعية.

إلى جانب الضرائب والسندات، برزت سياسة تفعيل الأصول كمصدر إيرادات إضافي، حيث تمتلك الدولة وفق المعطيات الرسمية نحو 18 مليار متر مربع من الأراضي داخل نطاق المدن وحرمها، ورغم إدراج هذه السياسة كمصدر مالي محتمل، فإن أرقامها في الموازنة بقيت محدودة نسبيا، بما يعكس إما صعوبة التنفيذ، أو الحذر من الرهان على موارد غير مضمونة.
في المحصلة، تكشف موازنة 2026 عن دولة تحاول الحفاظ على توازن دقيق بين الاستقرار المالي والسياسي، لكنها تفعل ذلك عبر إعادة ترتيب الأولويات لا عبر إعادة توزيع الأعباء، فهي موازنة تدار بعقلية إدارة أزمة طويلة الأمد، لا بعقلية إطلاق مسار تنموي شامل. ومن هنا، يصبح فهم السياق العام للموازنة مدخلا أساسيا لفهم ما سيأتي لاحقا، لماذا يتضخم الإنفاق العسكري؟ لماذا يتراجع الإنفاق الاجتماعي فعليا؟ ولماذا تبدو العدالة في الخطاب أكثر حضورا منها في الأرقام؟

