نشطاء سياسيون يحذّرون: التطرّف في مرحلة ما بعد الحرب يهدّد الوحدة الوطنية ويقوّض الدبلوماسية

Ad 4nxe6w9np3rm190jz il1g9pm2m3xud4e9zhhcuohvo6otq5obgexjtjqvz1acix8pdltb3ylhgeirmxgtitps27tdo wuii4ojqcoaxbaktrndjs5lvofensuecxzvt7qkyw0daajakeyzduk bzljayarqsybabbmg

ترجمة: دنيا ياسر نور الدين 

أجرت صحيفة «اعتماد» الإيرانية، السبت 12 يوليو/تموز 2025، حوارا مع الناشطة السياسية والحقوقية مينو خالقي والنائب السابق والمحلل السياسي حشمت‌الله فلاحت‌بيشه، حول مخاطر التطرّف في المرحلة السياسية ما بعد الحرب وأثره على الوحدة الوطنية ومسار الدبلوماسية الإيرانية.

ضرورة الإصلاح السياسي والمدني في مرحلة ما بعد الحرب

أوضحت مينو خالقي، الناشطة السياسية والحقوقية، أن إيران اليوم تحتاج بشكل مُلحٍّ إلى إصلاحات جوهرية، خصوصا في المرحلة الوطنية التي أعقبت الحرب الأخيرة.

وقالت خالقي إن “إيران بحاجة إلى إصلاحات ضرورية، تبدأ بالإصلاحات السياسية والمدنية في مجالات الفكر والعقيدة، وقبول التعددية والتنوع في الآراء. ويتجلى ذلك بوضوح من خلال احترام حرية التعبير في الصحافة، حرية تشكيل الأحزاب، وتحقيق الحقوق المدنية للمواطنين”.

تابعت مضيفة: “كنت قبل قليل أستمع إلى بودكاست عن جهود أمير كبير، رائد الإصلاحات السياسية والتعليمية في تاريخ إيران الحديث، والتطورات الإيجابية التي حدثت حينها بعد تأسيس دارالفنون وصحيفة وقايع‌الاتفاقيه، وهو ما يؤكد أن التنمية الاقتصادية ترتبط بشكل وثيق ومستمر بالإصلاحات السياسية، والمدنية، والإعلامية”.

وأضافت أنه “إلى جانب ما سبق، فإن حقوق النساء، ورفع التمييز الوظيفي، وضمان الأجور والمزايا، وحضور المرأة باعتبارها نصف المجتمع  في الحياة السياسية والاجتماعية، وكذلك تحسين الأوضاع المعيشية، جميعها تمثل أولويات أساسية في هذه المرحلة الجديدة. المواطنون في إيران بحاجة إلى دخول شهرية تكفيهم حتى نهايته، لا أن تنفد رواتبهم في أول عشرة أيام. كما أن العفو عن العديد من السجناء، خصوصا من تم اعتقالهم بسبب قضايا سياسية، ضرورة لا بد منها”.

الإعلام الرسمي بحاجة إلى تحول هيكلي

أوضحت خالقي أن “كل ما من شأنه تعزيز الوحدة الوطنية يجب أن يُوضع على رأس الأولويات. ومن أبرز رموز هذا التغيير هو الإصلاح الجذري في التوجهات والإدارة داخل هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية. هذه المؤسسة يجب أن تكون منبرا وطنيا بحق، لا أن تكتفي أحيانا بدعوة شخصيات إصلاحية على نحو مؤقت لتدّعي بذلك أنها حيادية. أؤمن بأن إدارة هذه المؤسسة تحتاج إلى تغيير هيكلي وليس شكليا فقط”.

وتابعت ردا على سؤال صحيفة “اعتماد” حول أسباب تصاعد تحركات المتطرفين وتبعاتها على البلاد والمجتمع، أنه “من المؤكد أن هذا المسار سيؤدي إلى خلق فجوة بين النظام وأبناء الوطن من المثقفين والوطنيين. لقد أشرت مؤخرا في تغريدة إلى أن من يسلك طريق التطرف إنما هو ضحية للحرب النفسية التي يشنّها العدو”.

وأردفت خالقي محذّرةً من أنه “حين نتحدث عن النفوذ، فإن أخطر تجلياته هو ما يؤدي إلى التوتر داخل المجتمع، ويقوّض استقراره، ويزرع الانقسامات الزائفة. كان المتوقع أن نشهد في مرحلة ما بعد الحرب تغييرا في الخطاب الإعلامي الرسمي نحو مزيد من الشعبوية والتلاحم الوطني، لكن ما رأيناه كان عكس ذلك للأسف”.

إلقاء اللوم على الدبلوماسية خيانة للعقلانية الوطنية

في ختام حديثها، أكدت مينو خالقي أن “بعض التيارات المتشددة بدأت منذ فترة تحميل الحكومة والمفاوضين مسؤولية الحرب التي استمرت 12 يوما، ووصفت ذلك بأنه ظلم كبير بحق إيران وشعبها”.

وشددت على أن الدبلوماسية لا يمكن تعطيلها في أي ظرف، محذّرة من أن من يروّجون لهذا الخطاب يغلقون أبواب العقلانية ويحاولون جرّ المجتمع إلى أجواء التوتر والصدام. واعتبرت أن إغلاق مسار الحوار يخدم أعداء البلاد ودعاة الحرب، لا مصلحة المواطنين.

المتشددون جعلوا الدبلوماسية مكلفة

أوضح حشمت‌الله فلاحت‌بيشه، ردا على التحركات الغريبة للتيارات المتطرفة، قائلا: “من المدهش أن يرفع بعض الأشخاص اليوم راية الإهانة لرئيس الجمهورية والحكومة، ويطلقون ادعاءات تتعارض تماما مع المصالح الوطنية للبلاد. وإن كنا بصدد توجيه انتقاد لأداء حكومة بزشكيان، فالأولى أن ننتقد عدم مواجهتها الحاسمة لهذه التيارات المتشددة”. 

وتابع أنه “في حين جاء رئيس الجمهورية إلى السلطة بشعار خفض التوتر وتوسيع العلاقات الخارجية، قام المتشددون بوضع العديد من العراقيل أمامه، مما اضطر الحكومة إلى إنفاق وقتها وطاقتها في صراعات داخلية بدلا من حل القضايا الخارجية. ومثال على هذه السلوكيات المتطرفة، السعي لاستجواب وزير الاقتصاد بعد مرور أربعة أشهر فقط على تعيينه”.

وأضاف أنه “من ضمن ما قامت به هذه الشخصيات والتيارات المتشددة، محاولاتهم لجعل مسار التفاوض والدبلوماسية مسارا مكلفا سياسيا. ولا يزالون على هذا النهج حتى اليوم. أحد هؤلاء الأشخاص، وهو نائب حالي في البرلمان، ادّعى زورا أن الاتفاق النووي (برجام) يتضمن ملحقا يُلزم الحكومة بتسليم قادة الحرس الثوري إلى العدو!”.

وذكر أن الشخص السابع في هذه القائمة هو قاسم سليماني، زاعما أن حكومة روحاني وافقت على تسليمه لأمريكا! بينما الحقيقة أن هؤلاء القادة استشهدوا في ميادين المعارك وليس في غرف التفاوض.

ضرب المساعي الدبلوماسية بالتوازي مع مصالح الأعداء

أضاف فلاحت‌بيشه أن “التيارات المتشددة، من خلال أكاذيبهم، جعلوا من التفاوض والدبلوماسية عبئا على الدولة. واليوم، في الوقت الذي يسعى فيه  بزشكيان إلى استخدام صلاحياته في السياسة الخارجية لإرسال رسائل سلام وتفاوض، تتناغم التيارات المتطرفة داخليا مع أعداء الخارج، وتقرع طبول الحرب والتوتر. يوما يبدؤون حملة لعزل رئيس الجمهورية سياسيا، ويوما آخر يرسلون رسائل تحريض لاغتياله”. 

وتابع أن “الشخص نفيه الذي كذب بشأن (برجام)، وصحبه، التزموا الصمت طَوال فترة الحرب التي استمرت 12 يوما، ولم يصدر عنهم أي موقف إدانة. لم يُسمع لهم صوت حتى إعلان وقف إطلاق النار، لكنهم عادوا للظهور بعدها مجددا بخطابهم المتطرف”.

وردا على سؤال صحيفة «اعتماد» بشأن استراتيجية التيارات المتشددة في مرحلة ما بعد الحرب، أوضح حشمت‌الله فلاحت‌بيشه أن هذه التيارات وضعت نصب أعينها عدة أهداف، إلا أن أبرزها هو التصدي لأي تحرك دبلوماسي قد يسهم في تهدئة الأوضاع وتحسين صورة البلاد خارجيا. وأشار إلى أن هذه الجهات سارعت إلى مهاجمة رئيس الجمهورية فور إجرائه مقابلة مع صحفي أمريكي عبّر خلالها عن رسائل سلام وخفض للتوتر، في موقف وصفه فلاحت‌بيشه بأنه عدائي تجاه الحوار والانفتاح.

وأضاف أن المتشددين انتقلوا لاحقا إلى الترويج لجمع تبرعات من أجل اغتيال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مدّعين امتلاكهم “قائمة رؤوس” تشمل شخصيات مثل سلمان رشدي وترامب، في استعراض خطاب تهديدي لا يعود بأي نفع، بل يرتب كُلفة باهظة سياسيا وأمنيا على إيران وشعبها.

ولفت إلى أن مثل هذه الخطابات تعزز من محاولات ربط إيران بأي محاولة داخلية في الولايات المتحدة للمساس بترامب، رغم أن هناك اتهامات صادرة من داخل الأجهزة الأمنية الأميركية نفسها بشأن تلك التهديدات.

وأكد فلاحت‌بيشه أن هذه التيارات تسعى إلى تحميل الشعب الإيراني تبعات مواقف لا تعكس السياسة الرسمية للدولة، بل تتعارض مع جهود الرئيس الحالية الرامية إلى التهدئة وبناء مسار دبلوماسي عقلاني.

تحذير من استغلال اسم إيران لصراعات لا تخدمها

أوضح فلاحت‌بيشه أن ترامب لا يفتقر إلى الأعداء في الولايات المتحدة الأمريكية، من ضحايا سياساته المعادية للهجرة، إلى العصابات المنظمة، والمافيا، وفئات الشعب التي تضررت من سياساته التقشفية. من الممكن أن تُقدِم جهة ما في الداخل الأمريكي على استهدافه، لكن المتشددين في إيران يصرّون على الزج باسم إيران في هذه القصة، مما يؤدي إلى أعباء سياسية وأمنية على الوطن والمواطنين. هم يعرقلون بوضوح سياسات الرئيس المعتدلة تجاه الحوار والتفاوض.

واختتم فلاحت‌بيشه حديثه قائلا: “إذا لم تتصدَّ حكومة بزشيكان لهذه التيارات، فإن الأضرار التي ستُلحق بالبلاد ستكون أعظم بكثير”.