- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 1232 Views
لم يكن الهجوم الذي استهدف العاصمة الإيرانية طهران في 13 يونيو/حزيران 2025، مجرّد حادث أمني عابر، بل شكل منعطفا بالغ الدلالة في مسيرة الشرق الأوسط، فلأول مرة منذ ثورة 1979، تتعرض إيران لهجوم مباشر بهذا المستوى، لتُكشف فجأة أمام الخارج عن طبقات خفية من منظومة حكمها، وبينما اتجهت أنظار العالم نحو الضحايا أو المواقع المستهدفة، تركزت أيضا على سؤال محوري مفاده كيف سترد إيران، ومن سيتخذ القرار؟
وفي خضم الترقب، برزت أمام الرأي العام العالمي مؤسسات وهيئات لم تكن مألوفة، وأسماء لا تظهر في الخطاب الرسمي اليومي، لتتكشف تدريجيا ملامح نظام سياسي معقد لا يشبه الأنظمة الجمهورية الكلاسيكية ولا الملكيات الدينية التقليدية. نظام يتقاطع فيه الديني مع الأمني، ويتداخل فيه الظاهر الدستوري مع الخفي العقائدي، حيث لا تمرّ القرارات الكبرى عبر المؤسسات المنتخبة فحسب، بل من خلال شبكة عميقة من الهيئات المرتبطة.
ولفهم كيفية صناعة القرار في إيران، لا يكفي تتبع أنشطة الحكومة أو البرلمان، بل يجب الغوص في البنية المؤسسية التي تدير البلاد، مؤسسات دينية تراكمت وتوسعت منذ عام 1979، لم تشكل فقط دعائم النظام، بل أصبحت جزءا من آلية اتخاذ القرار في السياسة الداخلية والخارجية، وفاعلا حاسما في توجيه المسارات الاستراتيجية للدولة.
فإيران، التي اختارت مبدأ ولاية الفقيه كأساس لنظامها السياسي، لم تضع رجال الدين على الهامش كمستشارين أو رموز، بل جعلتهم في قلب القرار، يتحكمون بالمفاصل الحاسمة للدولة. وفهم سلوك إيران في المحافل الدولية، وتفسير تحركاتها الداخلية، لا يمكن أن يتم بمعزل عن تفكيك هذه البنية الدينية السياسية.
هذا التقرير الاستقصائي يسعى إلى تتبع نشأة هذه المؤسسات الدينية داخل النظام، وتحليل طبيعة سلطتها، وآلية تفاعلها مع الحكومة والبرلمان، ودورها في صياغة السياسات العليا، ولا يكتفي بعرض الأسماء والمهام، بل يكشف خريطة السلطة الفعلية كما هي، لا كما تُعرض في الدستور أو الإعلام الرسمي، وهو بذلك يمنح القارئ أداة تحليلية لفهم حاضر إيران، واستشراف مساراتها المحتملة في زمن بالغ التعقيد.
كيف ظهرت المؤسسات بعد الثورة؟
منذ سقوط نظام الشاه محمد رضا بهلوي في 11 فبراير/شباط 1979، وقيام الجمهورية بصفتها الإسلامية بعد استفتاء مارس/آذار 1979، دخلت إيران مرحلة جديدة اتسمت بإعادة صياغة الدولة على أسس دينية شيعية واضحة، تمثل أبرز ملامحها في إدماج المؤسسات الدينية في جوهر الحكم،فقد حرصت القيادة الثورية منذ اللحظة الأولى على ألا تكون الدولة مجرد نظام جمهوري تقليدي، بل كيانا يعكس رؤية الخميني، قائد الثورة، في ولاية الفقيه، تلك النظرية التي تمنح رجل الدين الجامع للشرائط الشرعية ولاية مطلقة على شؤون الأمة.

وولاية الفقيه هي نظرية دينية بالمذهب الشيعي، تقف بوصفها الأساس الفقهي والدستوري الذي قام عليه النظام الإيراني الحالي، والنقطة التي التقت عندها العقيدة الدينية بمؤسسات الدولة الحديثة، وتعود جذور هذه النظرية إلى الفقه الشيعي الاثني عشري، لكن التحول الجوهري الذي أحدثه الخميني تمثل في نقلها من حيز التنظير الديني إلى واقع الحكم والسلطة، لتصبح المرجعية العليا في إدارة شؤون الدولة والمجتمع.

من الناحية الفقهية، تطورت ولاية الفقيه عبر قرون من الكتابات الفقهية الشيعية، لكنها بقيت في الغالب محصورة في ما يُعرف بالولاية على الأمور الحسبية، أي الأمور التي لا يمكن أن تُترك بلا ولي شرعي، كالإشراف على أموال القُصر أو شؤون الأوقاف، غير أن قلة من الفقهاء، وفي مقدمتهم أحمد النراقي في القرن التاسع عشر، بدأوا يوسعون من مفهوم هذه الولاية، لتشمل ما يعرف بالولاية العامة، وهو الاتجاه الذي بلغ ذروته في فكر الخميني.

ففي منفاه في النجف، ألقى الخميني سلسلة دروس بين عامي 1970 و1971، جمعت لاحقا في كتابه الشهير الحكومة الإسلامية، والذي يعد البيان التأسيسي لنظرية ولاية الفقيه كما تطبق اليوم في إيران، وقدم الخميني في هذا الكتاب تصورا صريحا عن ضرورة أن يتولى الفقيه الجامع للشرائط ، أي الذي يمتلك العلم والعدالة والكفاءة، قيادة الدولة والمجتمع، باعتباره نائبا عن الإمام المهدي الغائب، حسب المعتقد الشيعي الاثنى عشري، ورأى أن غياب المعصوم لا يعني تعطيل الشريعة، بل يفرض أن تدار شؤون المسلمين من قبل الفقيه العادل الذي يجسد الإرادة الشرعية في عصر الغيبة.

هذا التصور تجسد في المادة الخامسة من الدستور الإيراني، الذي نص على أن ولاية الأمر وإمامة الأمة في غيبة الإمام المهدي تقع على عاتق الفقيه العادل، كما منحت المادة 110 من الدستور المرشد الأعلى، باعتباره الولي الفقيه، صلاحيات تنفيذية واسعة، تشمل تعيين قادة الجيش، ورئيس السلطة القضائية، ورئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون، والمصادقة على نتائج الانتخابات، وحل الخلافات بين السلطات الثلاث، وتحديد السياسات العليا للنظام.

على أن التركيز الشديد للسلطة في يد الفقيه لم يخل من جدل، فبينما يرى أنصار النظام أن ولاية الفقيه تضمن وحدة الأمة واستقامة الحكم وفق الشريعة، يعتبر منتقديها أنها تعطل الإرادة الشعبية، وتحوّل مؤسسات الدولة إلى أدوات تنفيذية لا تملك استقلالا حقيقيا، ويُظهر الواقع الإيراني أن ولاية الفقيه ليست مجرد نظرية دينية، بل هي الإطار السياسي الحاكم الذي يُعيد إنتاج النظام، ويُحدد حدود اللعبة السياسية، ويُقصي من يشذّ عن خطها.
وعلى كل حال، فقد أُدرج هذا المبدأ في الدستور الجديد بعد الثورة، لیشکل العمود الفقري للنظام السياسي، وتبعه تأسيس مؤسسات دينية سياسية تتجاوز دور الإفتاء أو الإرشاد إلى ممارسة فعلية للسلطة والرقابة والتوجيه، وإلى جانب هذه المؤسسات السيادية، برز مكتب المرشد الأعلى باعتباره المركز التنفيذي الفعلي لإدارة الدولة، حيث يتقاطع فيه النفوذ الديني بالسياسي، ويشرف من خلاله المرشد على جميع السلطات الثلاث، إلى جانب الأجهزة الأمنية والإعلامية والخيرية. كما لعبت الحوزات الدينية، ولا سيما في قم ومشهد، دورا مزدوجا في تأطير النخبة الدينية الحاكمة، وضمان استمرارية الخطاب الثوري في الشارع.
هذه المؤسسات لم تكن موازية للدولة، بل شكلت بنيتها العميقة، إذ تغلغلت في كل مفصل من مفاصل الحكم، واحتفظت لنفسها بموقع فوق السلطتين التشريعية والتنفيذية. فهي لا تخضع لمحاسبة انتخابية، لكنها تتحكم فيمن يُنتخب ومن يُقصى، وفيما يشرع وما يُرفض، مما خلق نموذجا هجينا بين الجمهورية والدولة الثيوقراطية.
ومع مرور العقود، لم تتراجع هذه المؤسسات، بل ازدادت رسوخا وتوسعا، مدعومة بنصوص دستورية، وشرعية دينية، وشبكة ولاءات داخل الدولة والمجتمع. وبذلك، تحوّلت إيران إلى دولة محكومة ليس فقط بالدستور الجمهوري، بل أيضا بشبكة مؤسسات دينية ذات سلطة سيادية، تشكل العمود الفقري للنظام، وتحكم قبضتها على القرار السياسي والديني على حد سواء.
المؤسسات الدينية في قلب النظام السياسي
مجلس خبراء القيادة

تأسس مجلس خبراء القيادة عام 1983 بموجب المادة 107 من الدستور، وهو الهيئة المنوطة نظريا بمهمة انتخاب المرشد الأعلى ومراقبة أدائه وعزله إذا تطلب الأمر، يتكون المجلس من 88 فقيها يُنتخبون كل ثماني سنوات عبر اقتراع شعبي، إلا أن الترشيح يخضع لموافقة مجلس صيانة الدستور، ما يجعل تركيبة المجلس محافظة وتابعة للسلطة الدينية العليا.

ورغم أن وظيفته الأساسية هي مراقبة أعلى سلطة في النظام، فإن دوره في الواقع ظل محدودا، ولم يشهد أي محاولة جدية لمساءلة المرشد، بل ظل أداة تأييد وتثبيت، ومن أشهر رؤساء المجلس على مر السنين رجال دين بارزون مثل: علي مشكيني، ثم محمد علي موحدي كرماني، ولاحقا أحمد جنتي، الذي يُعرف بقربه الشديد من التيار الأصولي وأجهزة الدولة العميقة. ويُنظر إلى المجلس اليوم على أنه مغلق أمام التيارات الإصلاحية، ويديره تحالف قوي بين رجال الدين والأجهزة الأمنية.



مجلس صيانة الدستور

أُنشئ مجلس صيانة الدستور بموجب المادة 91 من الدستور، وهو أحد أكثر المؤسسات تأثيرا في الحياة السياسية الإيرانية، ويضم المجلس 12 عضوا، 6 فقهاء يعينهم المرشد مباشرة، و6 حقوقيين يتم ترشيحهم من قبل رئيس السلطة القضائية، والذي يعينه أيضا المرشد، ثم يصادق عليهم البرلمان.

كذلك، فإن وظيفة المجلس مزدوجة، فمن جهة، يقوم بمراجعة القوانين التي يقرها البرلمان، للتأكد من توافقها مع الشريعة الإسلامية والدستور، ومن جهة أخرى، يملك سلطة البت في أهلية المرشحين للانتخابات الرئاسية والتشريعية والخبراء، ما يجعله أداة قوية في التحكم بالعملية الديمقراطية.
وقد قاد المجلس لفترة طويلة أحمد جنتي، الذي لعب دورا محوريا كذلك في استبعاد العديد من المرشحين الإصلاحيين، أما اليوم، فيرأسه صادق آملي لاريجاني، وهو شخصية محافظة وأحد أعضاء مجمع تشخيص مصلحة النظام، ما يدل على تداخل المواقع والنفوذ بين المؤسسات.

مجمع تشخيص مصلحة النظام

تأسس مجمع تشخيص مصلحة النظام عام 1988 بأمر من الإمام الخميني، وذلك لحل النزاعات المتكررة بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور، وبعد وفاة الخميني في يونيو/حزيران 1989، تحول المجمع وفقا للمادة 112 من الدستور إلى هيئة ذات دور أكبر بكثير من وظيفته الأصلية، فأصبح مستشارا أعلى للمرشد، ومركزا لتجميع النخبة السياسية الدينية بمختلف تياراتها.

يتكون المجمع في إيران من نحو 45 عضوا، يتم تعيينهم جميعا بقرار مباشر من المرشد الأعلى، لمدة خمس سنوات، ويضم مزيجا من كبار رجال الدين، ومسؤولين سياسيين سابقين، وقادة عسكريين متقاعدين، وشخصيات تنفيذية وتشريعية وقضائية بارزة، إلى جانب رؤساء السلطات الثلاث بصفتهم الرسمية، وهم رئيس الجمهورية، رئيس البرلمان، رئيس السلطة القضائية، كما يشارك فيه ممثلون عن مجلس صيانة الدستور عند مناقشة الخلافات مع البرلمان، ويُعد المجمع هيئة استشارية عليا تتولى حل النزاعات بين مؤسسات النظام، وتقديم المشورة للمرشد، والمساهمة في رسم السياسات العامة للبلاد.
رأس المجمع علي أكبر هاشمي رفسنجاني لفترة طويلة، وكان له دور بارز في تعزيز وظيفته الاستراتيجية، خاصة في فترة ما بعد الحرب الإيرانية العراقية، ومنذ عام 2017، أصبح صادق لاريجاني رئيسا للمجمع، وهو أيضا عضو في مجلس صيانة الدستور وشقيق رئيس البرلمان السابق علي لاريجاني، ما يؤكد على تشابك العائلات السياسية في هرم السلطة، ويضم المجمع شخصيات من التيار الأصولي والإصلاحي، لكنه يبقى في النهاية أقرب إلى دائرة المرشد.


مكتب المرشد الأعلى (بيت القيادة)

يُعد مكتب المرشد الأعلى، أو بيت القيادة كما هو متداول في وسائل الإعلام الإيرانية، الجهاز التنفيذي والتنظيمي للمرشد، والمركز الفعلي لصنع القرار السياسي والديني في إيران، يُشرف على المكتب منذ سنوات طويلة محمد محمدي جلبايجاني، وهو رجل دين مقرب من المرشد الأعلى، وذو خلفية في الإدارة الدينية والأمنية.
يتكون المكتب من دوائر متخصصة بالشؤون السياسية، والأمنية، والدينية، والإعلامية، والعلاقات الخارجية، هذه الدوائر تعمل على تنسيق علاقة المرشد مع مؤسسات الدولة، وتلعب دورا أساسيا في رسم السياسات العامة، وتوجيه خطاب الدولة، وتمرير القرارات الاستراتيجية. يمكن اعتبار المكتب الدولة العميقة داخل النظام، حيث تمر عبره كل الخيوط الحساسة للسلطة.
السلطة القضائية

تعد السلطة القضائية واحدة من أهم أدوات الضبط السياسي والاجتماعي في إيران، فتنص المادة 157 من الدستور على أن المرشد الأعلى هو من يُعين رئيس السلطة القضائية، ما يجعل هذه السلطة خاضعة بشكل مباشر للقيادة العليا.

تولى هذا المنصب شخصيات بارزة مثل محمد يزدي، ومحمود هاشمي شاهرودي، وصادق لاريجاني، أما حاليا، فيرأسها غلام حسين محسني إيجئي، وهو شخصية أمنية وقضائية منتمية للتيار الأصولي، وسبق أن شغل منصب المدعي العام ووزير الاستخبارات، وتلعب السلطة القضائية دورا كبيرا في ملاحقة الصحفيين والمعارضين، والسيطرة على المجال العام، وهي عنصر رئيسي في منظومة قمع الحريات السياسية والإعلامية.




الحوزة العلمية في قم

تُمثل الحوزة العلمية في قم القلب النابض للفكر الديني الشيعي في إيران، ومركز إعداد النخب الدينية الحاكمة. ازدهرت هذه الحوزة بعد الثورة، وأصبحت تمول من الدولة بشكل مباشر وغير مباشر، وتضم الحوزة مدارس ومراكز بحثية تنتج الخطاب الديني الرسمي، وتزود مؤسسات الدولة برجال دين مدربين وفقا للخط الثوري، ورغم هيمنة التيار الأصولي، إلا أن الحوزة تضم طيفا متنوعا من الفقهاء والمفكرين، بعضهم إصلاحيون أو مستقلون، ما يجعلها ساحة لصراعات خفية داخل النظام.
هيئة أئمة الجمعة

تتولى هيئة أئمة الجمعة تنظيم خطب الجمعة في جميع مدن إيران، ويعين الأئمة مباشرة من قبل المرشد الأعلى، وتستخدم هذه المنابر كأدوات تعبئة سياسية ودينية، ووسيلة لإيصال السياسات العليا للشعب. وتُعد خطبة طهران الأسبوعية، التي غالبا ما يُلقيها شخصية من الدائرة المقربة من المرشد، منصة مركزية في توجيه الرأي العام.
المجلس الأعلى للثورة الثقافية

تأسس هذا المجلس في أوائل الثمانينيات، بهدف إعادة صياغة النظام التعليمي والثقافي في البلاد بما يتناسب مع القيم الإسلامية المعلنة للثورة، ورغم أن رئيس الجمهورية هو رئيسه الرسمي، فإن قراراته تمر غالبا عبر مكتب المرشد، وقد لعب المجلس دورا محوريا في ما عرف بأسلمة الجامعات، ووضع سياسات المناهج، والإشراف على المؤسسات الإعلامية والثقافية.
منظمة الإعلام الإسلامي ومنظمة الدعاية الإسلامية

هذان الكيانان أُنشئا في السنوات الأولى بعد الثورة، وهما مسؤولان عن ترويج الخطاب الرسمي للنظام، ونشر القيم الدينية داخل إيران وخارجها، تنشط المنظمتان في مجالات النشر، والتعليم، وتنظيم المؤتمرات، ولعبتا دورًا بارزًا في “تصدير الثورة” إلى الدول المجاورة.
مؤسسة الإمام الخميني للإغاثة

تأسست في عام 1986 كمؤسسة خيرية لتقديم الدعم للفقراء، لكنها سرعان ما تحولت إلى أداة سياسية تُستخدم لتوسيع قاعدة التأييد الشعبي للنظام، خصوصا في المناطق الريفية والفقيرة، يرأسها رجال دين مقربون من بيت المرشد، وتملك ميزانيات ضخمة تأتي من التبرعات والميزانية العامة، وتعمل في الداخل والخارج، بما في ذلك لبنان والعراق وأفغانستان.
في المجمل، تشكل هذه المؤسسات شبكة متشابكة تدمج الدين بالسياسة في تجربة فريدة من نوعها، جعلت من إيران دولة دينية ذات هياكل مدنية، حيث تستمد الشرعية السياسية من المرجعية الدينية، ويُعاد إنتاج السلطة من خلال مؤسسات محصّنة لا تخضع لإرادة الشعب بقدر ما تستمد شرعيتها من الولي الفقيه.
السياسة الخارجية.. دور يتجاوز وزارة الخارجية
لا يقتصر دور تلك المؤسسات في السياسة الداخلية فحسب، بل تلعب دورا بارزا في رسم معالم السياسة الخارجية، وغالبا ما تتجاوز بصلاحياتها ومساراتها وزارة الخارجية نفسها، ففي الملفات الاستراتيجية الكبرى، مثل البرنامج النووي الإيراني، فلا تتم إدارة المفاوضات أو اتخاذ القرارات عبر قنوات الدبلوماسية التقليدية، بل من خلال مكتب المرشد الأعلى الذي يحتفظ بالقرار النهائي في كل ما يتعلق بالسياسة الخارجية. وعلى مدار السنوات، تم تعيين مفاوضين خاصين يتبعون مباشرة لبيت المرشد، يعملون إلى جانب أو بدلا من مسؤولي الوزارة، ويمتلكون تفويضا أوسع وأدق، خاصة في المفاوضات الحساسة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والدول الغربية.

كذلك، فتعد علاقة إيران بالولايات المتحدة أحد أبرز الأمثلة على تدخل المؤسسات الدينية الأمنية في العلاقات الدولية، فكل تحول أو تراجع أو تصعيد في الموقف الإيراني تجاه واشنطن يتم بموافقة مباشرة من المرشد، ولا يمكن لرئيس الجمهورية أو وزير الخارجية، مهما كانت مكانته، أن ينفرد برسم هذه العلاقة أو التفاوض بشأنها، هذه المعادلة كانت واضحة خلال مفاوضات الاتفاق النووي عام 2015، حيث جرى كل تفصيل بتنسيق مستمر مع مكتب المرشد ومؤسسات عليا، بينما ظل وزير الخارجية حينها محمد جواد ظريف يؤدي دورا تنفيذيا دون أن يمتلك صلاحية اتخاذ القرار النهائي.

كذلك، فإن مجمع تشخيص مصلحة النظام، ورغم أن دوره الرسمي استشاري، فإنه بات منصة لصياغة المواقف الكبرى في السياسة الخارجية، خصوصا عندما تكون هناك خلافات بين مؤسسات النظام أو في ظل أزمات إقليمية ودولية، فأعضاء المجمع، وغالبيتهم من رجال الدين والجنرالات السابقين، يناقشون باستمرارٍ المواقف من الدول الغربية، ويرفعون توصيات تُسهم في توجيه دفة العلاقات الخارجية، كما يُستخدم المجمع كآلية لتبرير الانحراف عن السياسات الرسمية، خاصة في حال وجود تصعيد مفاجئ أو انخراط مباشر في ساحات خارجية.

أما في ساحات النزاع الإقليمي، تتولى مؤسسة الحرس الثوري، عبر فيلق القدس، صياغة السياسات على الأرض، ففي لبنان، والعراق، وسوريا، واليمن، لا تمر عمليات الدعم العسكري أو التنسيق السياسي مع الجماعات الحليفة عبر وزارة الخارجية، بل تتم عبر قنوات عسكرية أمنية مرتبطة بالحرس، وقد أظهرت الشواهد والتقارير أن مكاتب الحرس في هذه البلدان تمثل مراكز قرار فعلية، تتفوق أحيانا في نفوذها على السفارات الإيرانية الرسمية.

أيضا، تشكل العلاقات مع الجماعات الحليفة، مثل حزب الله في لبنان، أو فصائل الحشد الشعبي في العراق، أو الحوثيين في اليمن، جزءا من السياسة الخارجية الثورية التي تتبناها المؤسسات الدينية، ويجري التعامل مع هذه القوى من منطلق عقائدي، لا دبلوماسي، وتعتبر أدوات تنفيذية لاستراتيجية محور المقاومة الذي صيغ داخل غرف القيادة الدينية الأمنية، وليس في أروقة وزارة الخارجية.
حتى في الخطاب الرسمي، تظهر هيمنة هذه المؤسسات، فخطب الجمعة التي تعد منابر سياسية بامتياز، والتي تكتب وتوجه من قبل مكتب المرشد، غالبا ما تُستخدم لتحديد موقف طهران من القضايا الدولية الكبرى، بل لتوجيه رسائل مباشرة لحكومات أجنبية، متجاوزة في ذلك البيانات الدبلوماسية لوزارة الخارجية. ومن خلال هذا الخطاب المتكرر، يتم تثبيت مفردات أيديولوجية مثل الاستكبار العالمي، ونصرة المستضعفين، كعناصر ثابتة في الرؤية الخارجية لإيران.

على أن نتيجة هذا التداخل تتجلى في محدودية الدور الذي تلعبه وزارة الخارجية فعليا، فالقرارات المصيرية تُتخذ خارج نطاق الوزارة، وتبلغ للوزير كخط سياسي واجب التنفيذ، ويجد الدبلوماسيون أنفسهم في كثير من الأحيان أسرى لاستراتيجيات رسمتها مؤسسات فوقهم، لا يمكنهم تعديلها أو حتى مناقشتها، بل يقتصر دورهم على التبرير والشرح أمام المجتمع الدولي.
وبذلك، لا تُبنى السياسة الخارجية الإيرانية على قاعدة المصالح الوطنية المجردة، بل تُدار ضمن مشروع أيديولوجي متكامل، ترعاه المؤسسات الدينية وتنفذه الأجهزة العسكرية، فيما تتوارى وزارة الخارجية خلف جدران البروتوكول والتمثيل الشكلي.
العلاقة مع الحكومات المنتخبة
تلك المؤسسات بأدوارها المتشعبة قابلت ردود فعل مختلف من الجالس على كرسي رئاسة الجمهورية، فبينما يعد هو رمز الشعب الإيراني وممثله في المحافل الدولية، إلا أنه لازال يتحرك بتعليمات محددة وفي إطار ضيق يمنح إياه الدستور، الأمر الذي يقبله البعض، طوعا أو كرها، ويحاول التماشي معه، والبعض الأخر يضيق به صدر فيخرج للعلن أم تدور حرب في الظل.
ففي عهد محمد خاتمي، في الفترة من العام 1997 وحتى 2005، دخلت العلاقة بين الحكومة المنتخبة والمؤسسات الدينية السياسية في إيران مرحلة صدام مباشر، فقد ركز خاتمي، الذي فاز بأغلبية ساحقة ببرنامج إصلاحي، على مبدأ سيادة القانون والانفتاح على المجتمع الدولي، وتوسيع نطاق صلاحيات الرئاسة ودفع بمشاريع قوانين لتعزيز الحريات المدنية وتقليص تدخل المؤسسات غير المنتخبة.
لكن سرعان ما اصطدم بجدار من الرفض تقوده مؤسسات مثل مجلس صيانة الدستور، الذي أسقط مشاريع الدستور، والسلطة القضائية التي شنت حملة منظمة على الصحف الإصلاحية، واعتقلت العشرات من الناشطين والمثقفين، وبدل أن تتحول الحكومة إلى مركز قرار فعلي، بقيت رهينة مؤسسات تتبع مباشرة للمرشد الأعلى، مما أفشل مشروع خاتمي رغم زخمه الشعبي.

وقد بلغ هذا النزاع ذروته عهد محمود أحمدي نجاد، بين أعوام 2005إلى 2013، ورغم انتمائه إلى التيار الأصولي ولو في بدايته وظاهريا، وخطابه الثوري، نشب خلاف عميق بينه وبين مكتب المرشد الأعلى، لا سيما في ولايته الثانية، فبعد احتجاجات 2009 التي وُجهت اتهامات بتزوير نتائجها لصالحه، بدأ أحمدي نجاد يظهر نزعة استقلالية، خاصة بعد تعيين اسفنديار رحيم مشائي في مواقع نائب الرئيس، ما أثار غضب المؤسسة الدينية، كذلك فأن رفضه الامتثال لبعض قرارات المرشد، مثل إقالة وزير الاستخبارات، دفع القيادة إلى تطويقه سياسيا، وتم تجريده لاحقا من كثير من صلاحياته، وبالتالي تحول نجاد من حليف للقيادة إلى عبء عليها، وظهر التوتر العميق بين الحكومة والمؤسسة الدينية، حتى داخل الصف الأصولي نفسه.


ومع بداية عهد حسن روحاني بين 2013و2021، بدا المشهد أكثر احترافا لكنه لم يكن أقل صداما، فقد جاء روحاني بخبرة أمنية وتشريعية، وسعى إلى إنجاح الاتفاق النووي والانفتاح على الغرب. ورغم أن توقيع الاتفاق عام 2015 اعتبر إنجازا تاريخيا، فإن مؤسسات مثل الحرس الثوري ومجمع تشخيص مصلحة النظام أبقت على مواقفها المتحفظة، بل عارضت أي تقارب مع واشنطن.

ومع تصاعد التوترات الإقليمية وعودة العقوبات الأمريكية بعد 2018، تقوضت سياسات روحاني، خاصة وأنه لم يكن يملك سلطة على الاقتصاد الموازي الذي تديره مؤسسات تابعة للمرشد، كما عرقل مجلس صيانة الدستور كثيرا من تحركاته، واستُخدمت السلطة القضائية للضغط على حلفائه داخل الدولة والمجتمع المدني.

أما الرئيس الحالي، مسعود بزشكيان، والذي تولى السلطة في يوليو/ تموز 2024 فیخوض معركة أكثر تعقيدا، فعلى الرغم من كونه اصلاحيا معتدلا ومقبولا من بعض دوائر النظام، فإن هامش حركته محدود داخل منظومة سياسية يُحدد الإيقاع فيها المرشد الأعلى ومؤسساته الأمنية والدينية.
فمنذ بداية ولايته، واجهت حكومته تحديات مباشرة، منها استقالة شخصيات بارزة مثل محمد جواد ظريف وعلى طيبنيا، في ظل ضغوط غير معلنة من مراكز القوى في البرلمان، كذلك أقيل وزيره للاقتصاد عبد الناصر همتي بعد سحب الثقة من البرلمان في مارس/ آذار2025، وحتى الملفات الاقتصادية والسياسية الكبرى لا يمكن له معالجتها دون المرور عبر مصفاة الخط السياسي للقيادة، التي تُلزم أي رئيس بالسير ضمن هوامش مرسومة سلفا، الأمر الذي صرح عنه هو مباشرة في جلسة سحب الثقة من همتي حيث قال” كنت أرى أن الاتفاق مع أمريكا أمر جيد، ولكن المرشد قال لا، حسنا فقلنا لا وانتهى الأمر”.



وبشكل عام، ففي كل تجربة رئاسية، يتكرر المشهد ذاته رئيس منتخب شعبيا، أو على الأقل ممن يشاركون في الانتخابات من الشعب، يفترض أنه صاحب القرار التنفيذي الأول في البلاد، لكنه يجد نفسه محاصرا بشبكة من المؤسسات التي لا تستمد شرعيتها من الانتخابات، بل من الولاء للقيادة الدينية العليا. وبينما يُمنح الرؤساء هامشا للحركة في المسائل الخدمية والإدارية، تبقى القرارات الاستراتيجية الكبرى خارج سيطرتهم تماما.
تُظهر بنية النظام السياسي الإيراني نموذجا فريدا يقوم على تداخل المؤسسات الدينية مع هياكل الدولة الحديثة، ما يجعل فهمه مرهونا بتحليل علاقات السلطة العلنية والخفية على السواء، وبينما تمنح هذه المؤسسات للنظام عمقا واستمرارية، فإنها تطرح في الوقت ذاته تحديات أمام مبدأ التداول الديمقراطي وصلاحيات الحكومات المنتخبة. وفي ظل التوترات الإقليمية والمتغيرات الداخلية، يبقى مستقبل هذا النموذج مرهونا بقدرته على التوازن بين ثوابته العقائدية ومتطلبات الواقع السياسي المتغير، بما يحفظ استقراره ويستجيب لتطلعات مجتمعه.

