إيران تحت القصف.. حين يروى الشعب تفاصيل الحرب بدمه

نشرت صحيفة شرق الإصلاحية، الأربعاء 25 يونيو/حزيران 2025، تقريرا أفادت فيه بأنه في الساعات الأولى من صباح الثلاثاء 24 يونيو/حزيران 2025 بتوقيت طهران، جاء تصريح مفاجئ من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كصوت في قلب العاصفة، معلنا عن اتفاق لوقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل. 

وأضافت الصحيفة أن الحرب كانت، حتى تلك اللحظة، قد دخلت يومها الثاني عشر وسط صمت وضجيج متزامنين، حيث تلاشت الحدود بين السياسة وساحة المعركة بشكل خطير. فترامب، الذي كان قبل يوم فقط يتحدث عن احتمال السعي لتغيير النظام في إيران وبلغة تهديدية تجاه طهران، غرد فجأة – وذلك عقب الرد من إيران على الهجمات الأمريكية التي استهدفت منشآتها النووية – قائلا توصل الطرفان إلى اتفاق لوقف إطلاق نار كامل.

وتابعت أن لا تل أبيب كانت هادئة، ولا طهران. فهذا الإعلان، بدلا من أن يكون بشارة سلام، عكس هشاشة غير مسبوقة لوضع متوتر، رآه كثيرون في ساعاته الأولى مجرّد توقف مؤقت للحرب، لا اتفاقا استراتيجيا لإعادة بناء الثقة.

طهران بين ألسنة اللهب
قالت الصحيفة إنه في ليالي ما قبل وقف إطلاق النار، كانت طهران تخوض اختبارا رهيبا، وكأنها تعيش ليلتها الأخيرة؛ من السماء المتلألئة بصواريخ الدفاع الجوي إلى الشوارع التي كانت تحت وابل النيران. فالهجمات المتتالية من قبل إسرائيل على البُنى التحتية العسكرية، والصناعية، والمدنية حوّلت العاصمة الإيرانية إلى ساحة مقاومة وصمود. 

وأردفت أن صوت الانفجارات، وصفارات الإنذار، وتعاطف الناس الذين اندفعوا طوعا إلى ميادين الإغاثة، جعل من طهران مدينة رمزية؛ مدينة لم تنحن تحت وطأة الحرب، حتى وإن أصابها الألم.

وأفادت بأن الرد الإيراني جاء مع بدء العدوان الإسرائيلي على أرض الوطن، والذي بدأ بضربات استهدفت طهران، عبر عملية الوعد الصادق 3؛ وهي عملية استهدفت قواعد عسكرية حساسة في عمق الأراضي المحتلة، باستخدام صواريخ إيرانية دقيقة الإصابة.

وأوضحت أنه للمرة الأولى منذ سنوات من صراع إسرائيل مع دول المنطقة، لم تكن تل أبيب هي التي وُضعت تحت المجهر، بل استُهدفت استراتيجياتها العسكرية التقليدية. وسقط رماد الدمار على تل أبيب ومدنها الأخرى، وتذوقت مرارة التشريد.


الدبلوماسية على خط النار

ذكرت الصحيفة أنه في اللحظة التي كانت فيها أوروبا والدول العربية المطلة على الخليج العربي تتابع التطورات بمزيج من الخوف والرجاء، كانت مشاورات مكثفة تُجرى خلف الكواليس على مدار الساعة. وكشفت مصادر مقرّبة من البيت الأبيض أن ترامب، خلال مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عبّر بنبرة حازمة وغير مسبوقة عن رفضه لاستمرار الهجمات بعد إعلان وقف إطلاق النار. 

وأضافت أن نتنياهو، في المقابل، ردّ مؤكّدا أن بعض الضربات جاءت ردا على خروقات وقف إطلاق النار من جانب إيران.

وأبرزت أن هذا الغموض في الحوار بين الحليفين لم يكن سوى دليل إضافي على هشاشة وقف إطلاق النار، وربما تم توقيعه على الورق، لكنه في الميدان لا يزال موضع شك. فإيران، في المقابل، على أتمّ الاستعداد للرد الحازم على أي طمع أو اعتداء يمسّ أرض الوطن.

فوردو، ونطنز، وأصفهان: أبرز مواقع الاستهداف 

أوردت الصحيفة أن الوصول إلى وقف إطلاق النار في هذه الأثناء، كان طريقا شاقا؛ ففي الوقت الذي كانت فيه إسرائيل في حالة من الصدمة والعجز جرّاء هجمات إيران، وكانت صواريخ طهران قد حاصرت سكان الأراضي المحتلة في الملاجئ ليلا ونهارا، جاءت في الساعات الأولى من 21 يونيو/حزيران 2025، وبأمر مباشر من ترامب، غارات بالصواريخ الخارقة للتحصينات استهدفت المنشآت النووية الإيرانية في فوردو، ونطنز، وأصفهان.

وأكَّدت وفقا لما ذكرته مصادر استخباراتية مستقلة، أن هذه الضربات نُفّذت دون وجود أدلة موثقة على قيام إيران بتصنيع أسلحة نووية، وهي حقيقة وضعت الأخلاقيات التي تحكم السياسة الخارجية الأمريكية أمام اختبار جاد داخل الولايات المتحدة نفسها.

وروت أن إيران تجاوزت خطوطها الحمراء، وردّت على ذلك باستهداف قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية ضمن عملية حملت اسم بُشرى الفتح. وفي أعقاب هذا الحدث، وبعد ساعات فقط، أعلن ترامب عبر منصة إكس (تويتر سابقا) أن الطرفين توصلا إلى اتفاق لوقف إطلاق نار شامل؛ وهو إعلان لم يكن مجرد خبر مهم، بل كان بحاجة إلى كثير من التفسير.

هدنة أم تصعيد مؤجل؟

أشارت الصحيفة إلى أن الوقف لم يكن واضحا بين وقف حقيقي لإطلاق النار أو مجرد توقف تكتيكي في صراع منهك، وهو أمر يُطرح بتحفّظ في كل من طهران وتل أبيب. فوقف إطلاق النار قائم، وقد وجّهت إيران في ساعات الفجر الأخيرة ضرباتها الصاروخية الأخيرة إلى العدو الإسرائيلي، وتمّ الاتفاق على الحفاظ على الهدوء.

وأظهرت أن المؤشرات، مثل الهجمات المحدودة من قِبل إسرائيل على بعض الأنظمة الرادارية، تُظهر المشهد أقرب إلى نار خافتة لا إلى سلام مستقر. وفي لحظات من يوم الثلاثاء 24 يونيو/حزيران 2025، سُمع دويّ انفجارات في شمال إيران، لم تُنشر تفاصيلها حتى لحظة إعداد هذا التقرير.

وذكرت أنه في منتصف النهار، أصدر المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء المركزي بيانا أوضح فيه أن النظام الإسرائيلي، حتى قبل الساعة التاسعة صباحا، شنّ ثلاث غارات استهدفت بعض المواقع الإيرانية، مؤكدا أن إيران على استعداد للرد الفوري على أي عدوان جديد.

ونوَّهت إلى أن ترامب، الذي يسعى في هذه اللحظات إلى تقديم نفسه كراع للسلام، بدا كأنه نسي تهديداته السابقة لإيران ووقوفه الكامل إلى جانب إسرائيل، إذ انتقد فجأة في حديث له خرق النظام الإسرائيلي لوقف إطلاق النار خلال الساعات الأولى، وأعرب عن انزعاجه من تصرفات إسرائيل، قائلا لا ينبغي على إسرائيل أن تنتهك الهدنة.

ونقلت عن ترامب قوله في تغريدة: “لا تُلقوا تلك القنابل، فهذا خرق خطير لوقف إطلاق النار. أعيدوا طيارينا فورا إلى منازلهم”. وفي وقت نشر هذه التغريدة، ظهرت تقارير تفيد بأن إسرائيل أعطت أوامر لطياريها بقصف طهران، وهو الأمر الذي عارضه ترامب علنا. وبعد ساعة، أعلن ترامب أن إسرائيل لن تهاجم إيران. وجميع الطائرات ستعود إلى ديارها ملوّحة لإيران بأجنحتها. ولن يُصاب أحد، وقف إطلاق النار بدأ الآن بالتنفيذ.شكرا لاهتمامكم بهذا الموضوع. 

وذكرت أن تحرّكات ترامب هذه تأتي في وقت يتعرّض فيه لانتقادات شديدة داخل الولايات المتحدة، إذ أشار وزير الخارجية الأمريكي السابق أنتوني بلينكن، في مقال نُشر في صحيفة نيويورك تايمز، إلى أنّ الهجوم الأمريكي على ثلاثة مواقع نووية في إيران كان تصرفا خاطئا وغير ضروري.

وأفادت بأن بلينكن أوضح في مقاله، أن هذا الهجوم لم يكن ينبغي أن يحدث أصلا. وذكر مجددا أن إدارة باراك أوباما توصلت في عام 2015، بالتعاون مع بريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا والصين والاتحاد الأوروبي، إلى اتفاق مع طهران يُعرف بخطة العمل الشاملة المشتركة (برجام). وقد فرض هذا الاتفاق رقابة صارمة على أنشطة تخصيب المواد الانشطارية في إيران، والتي تُعتبر أساسية لصناعة السلاح النووي، كما شمل آليات تفتيش دقيقة.

ولفت إلى أن ترامب قام بإلغاء الاتفاق في عام 2018، من جانب واحد من دون أن يقدّم بديلا له، مما دفع إيران إلى رفع مستوى التخصيب، وربما تقليص المدة اللازمة لوصولها إلى سلاح نووي. وبعبارة أخرى، يحاول ترامب الآن إخماد النار التي أشعلها بنفسه.

وأوردت الصحيفة أنه على الرغم من العلاقة القريبة التي تربط ترامب بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورغبته في أن يُنظر إليه كشخصية محبوبة في روسيا، فإن قراره بشنّ هجوم على إيران جعله يبدو في نظر الروس كرئيس مولع بالحروب لا كمدافع عن السلام. 

وأخبرت بأنه عقب الضربات العسكرية الأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية، وجّهت وسائل الإعلام الروسية البارزة انتقادات لاذعة لهذه الخطوة، ووصفت ترامب برئيس الحروب، معتبرة ما حدث مؤشّرا على تحوّل جذري في السياسة الخارجية الأمريكية.

وبيَّنت أن موسكو رأت أن هذا التغيير قد يحمل عواقب خطيرة على الاستقرار العالمي وعلى المصالح الإقليمية لروسيا تحديدا. وبحسب التقارير الإعلامية الروسية، ألقت القاذفات الأمريكية خلال هذه العملية قنابل تُعرف باسم قنابل خارقة للتحصينات بوزن 30 ألف باوند على منشآت نووية إيرانية تحت الأرض.

وسلَّطت الضوء على أن هذا الهجوم جاء بعد أيام من التكهنات حول احتمال صدور أمر من ترامب بالتدخل العسكري الأمريكي المباشر. وقد انعكست هذه التطورات بشكل واسع في عدد من الصحف الروسية الحكومية والمستقلة، منها: راسييسكایا غازيتا، وكومسومولسكايا غازيتا، ونزافيسيمايا غازيتا، وموسكوفسكي كومسوموليتس، وكوميرسانت.


بفضل التدبير وجهود المجاهدين وقيادة الإمام الحكيمة، كانت النتيجة النصر والظفر

وأكدت الصحيفة أنه في خضمّ تداول أخبار وقف إطلاق النار، أعلن المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران، عقب فرض وقف إطلاق النار على إسرائيل بعد هزائمها الميدانية رغم الدعم الكامل الذي حظيت به من الإدارة الأمريكية، في بيان له ما يلي:

“إنّ وعيكم، وحسن تقديركم للظروف، وصمودكم، وتضامنكم، ووحدتكم الفريدة، قد أفشل الإستراتيجية الرئيسية للعدو، ومهّد الطريق لتجلّي ثبات المجاهدين وقوتهم المذهلة، تلك القوة التي تكوّنت على مدى سنوات من الجهاد الخلّاق والمبتكر والمتواصل. وقد وُظِّفت هذه القوة خلال 12 يوما من الجهاد الدموي المدروس، للرد المناسب وفي الوقت المناسب على كلّ عدوان”.

وجاء في البيان: “إنّ النصر والتأييد الإلهي، كانا هدية سماوية لهذه البصيرة والسلوك العميق والمُعبّر الذي أبداه الشعب، ولتدبير المجاهدين وجهودهم، ولقيادة الإمام الحكيمة، وهو نصر أجبر العدوّ على التراجع والندم، والقبول بهزيمته وتوقّف عدوانه من طرف واحد”.

وشدَّدت أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي على أن “القوات المسلحة الإيرانية، دون أدنى ثقة بأقوال الأعداء، ستبقى في حالة تأهب تام، وأصابعها على الزناد، مستعدة لتوجيه ردّ حاسم ورادع على أي عمل عدواني من جانب العدو”.


حكاية الصمود، حكاية شعب

أوردت الصحيفة أنه “رغم أننا في بداية طريق جديد، فإن إيران أثبتت صمودا لافتا في وجه الهجمات التي استهدفت نظامها واستقلالها، وتمكّنت من إذلال العدو في معركة الدفاع عن النفس. ومع ذلك، فإن أحد الجوانب الأقل تداولا في هذه الأيام هو الحضور الشعبي الكثيف في الساعات الحرجة في مختلف المدن، وعلى رأسها طهران، التي تلقت ضربات قاسية منذ اللحظات الأولى لاندلاع الحرب”.

ونبَّهت إلى أن “طهران من منظومات الدفاع الجوي إلى الملاجئ، ومن الشوارع الجريحة إلى محطات المترو؛ لم تكتفِ بالمقاومة فحسب، بل تنفّست، ووقفت، ومدّت يد العون. وقد أشارت التقارير الميدانية إلى أنّ حتى سائقي سيارات الأجرة، والشباب المتطوعين، والمسعفات، كانوا يشاركون في عمليات إجلاء الجرحى من المناطق الخطرة”.

ودلت على أن “هذا الصمود لم يكن مجرّد صورة إعلامية، بل كان انعكاسا لعمق الواقع الميداني ولرصيد اجتماعي لم ينكسر حتى في أحلك ظروف الحرب، بل سمع نبأ وقف إطلاق النار وهو تحت وابل نيران العدو الثقيلة. وكانت طهران رمزا لصمود وانتصار كلّ إيران، جنبا إلى جنب مع كرمانشاه، وتبريز، وأصفهان وغيرها. ولقد كانت مقاومة طهران نموذجية، وسيسجّل التاريخ كيف وقف الإيرانيون في وجه معركة تمّ التخطيط لها منذ سنوات”.

ووضحت نقلا عن صحيفة واشنطن بوست، أن نتنياهو اتخذ قراره بشن الهجوم على إيران قبل أي مفاوضات مرتقبة بين واشنطن وطهران. ووفقا للتقرير، أصدر نتنياهو أوامره في خريف 2024 للتحضير للعملية، وسعى إلى جذب ترامب إلى هذا المسار.

وفي الختام أقرَّت الصحيفة بأن التاريخ يجب أن يروي شجاعة أولئك الرجال والنساء الذين كانوا وحدهم في معركة غير متكافئة، بلا حلفاء ولا دعم. ففي 12 يوما فقط، غيّروا معادلة المنطقة، وأظهروا قوتهم لإسرائيل وحلفائها الكُثر.