عباس عراقجي: تبادل رسائل دبلوماسية مع واشنطن، وصمود إيران رغم التجاوزات المستمرة

نشرت وكالة أنباء تسنيم الأصولية، الأربعاء 25 يونيو/حزيران 2025، حوارا أجرته مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، حول آخر التطورات وضمن ذلك الهدنة مع النظام الإسرائيلي، والهجوم على قاعدة العديد في قطر، ومستقبل المفاوضات مع الولايات المتحدة.

إلى نص الحوار:

ما أهم بنود اتفاق وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل بعد 12 يوما من الحرب؟ وهل تم التوصل إلى اتفاق بشأن استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة؟

في الوضع الحالي، من الضروري معرفة ما إذا كان الطرف المعتدي قادرا على الالتزام بما اقترحه والحفاظ عليه، أم أن الصراعات الداخلية بين أجنحة السلطة في النظام الإسرائيلي  ستجعل من وقف إطلاق النار مجرد وسيلة لإدارة أزماتهم الداخلية كما كان الحال سابقا.

هل كان من الممكن التوصل إلى مثل هذا الاتفاق قبل الهجوم على المنشآت النووية؟

إيران لم تكن هي التي بدأت الحرب. لقد كانت إيران دائما عرضة للاعتداء، واعتمدت مبدأ الدفاع كخط أساسي. وحتى بعد ذلك، إذا وقع اعتداء على سيادة وسلامة أراضي إيران، فسيكون الرد بنفس الشكل ونفس الشدة. كما أكدت في المؤتمر الصحفي في إسطنبول، فإن دخول الولايات المتحدة إلى الحرب كان علامة على هزيمة النظام الإسرائيلي وعجزه عن استمرار الصراعات. 

وكان افتراضهم الساذج أن إيران ستستسلم مع دخول الولايات المتحدة، لكن عندما رأوا أن ردنا باستخدام الجيل الثالث من صواريخ خيبر شكن كان أقوى وأكثر حسما مما توقعوا، تراجعوا عن استمرار الحرب وقدموا عرضا لوقف إطلاق النار عبر الوسطاء.

إن قبول وقف إطلاق النار من قبل إيران جاء بهدف الحفاظ على التفوق الأخلاقي والقيمي، وقد استند هذا القرار إلى تبني نهج جديد في السياسة الخارجية الإيرانية يرتكز على القيم الإقليمية والإسلامية، ودعم الحكومات والشعوب المسلمة في المنطقة لهذا النهج الحاسم ويمكن أن يزيد من عزلة النظام الإسرائيلي الذي لا يلتزم بأي أخلاق أو قيم.

كما أن رد إيران على هجمات الولايات المتحدة استهدف قاعدة العديد في قطر، ويعتبر بعض المحللين هذا الإجراء خطأ استراتيجيا تجاه الدوحة، خاصة في ظل الأدوار الإيجابية والمؤثرة التي تلعبها قطر.

وكان التحرك الاستراتيجي لإيران في استهداف القواعد العسكرية والاستخباراتية الأمريكية في المنطقة ضمن حق الدفاع المشروع عن نفسها. كما أن هذا الهجوم كان موجها ضد الولايات المتحدة ولم يكن بأي شكل من الأشكال انتهاكا لسيادة وسلامة أراضي الدول المجاورة لإيران. فإن إيران، مع احترامها الكامل للحقوق السيادية والوطنية لجميع دول المنطقة، تعتبر نفسها ملزمة بالرد بقوة للدفاع عن وجودها.

وهذا يعني أن الولايات المتحدة لا يمكنها استخدام أراضي دول أخرى كملاذ آمن لتحقيق أهدافها وزعزعة استقرار المنطقة. وقد تم توجيه التحذيرات اللازمة بوضوح وصراحة في هذا الشأن، ومن ذلك، على سبيل المثال، ما طرحته صراحة في آخر اجتماع سري لوزراء الخارجية للدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي الذي عقد يوم الأحد 22يونيو/حزيران 2025، وهو الأمر الذي تم تسجيله في الوثائق الرسمية للمنظمة.

وتقوم علاقات إيران مع كل من دول الجوار، بما في ذلك دولة قطر الشقيقة والصديقة، على روابط استراتيجية وتاريخية واجتماعية عميقة لا يمكن المساس بها. ونحن نحترم السيادة الوطنية لجميع هذه الدول، وبإرادة وعزم كاملين، سنواصل علاقاتنا المستقرة والشاملة معها.

على أي حال، هذه القواعد هي قواعد أمريكية، وقد سمحت لها دول المنطقة باستخدامها لأسباب أمنية أو لأسباب أخرى. وقد أبلغنا هذه الدول بوضوح أننا لا نعتزم الاعتداء على أراضيها. كما أن احترامنا للسيادة الوطنية والسلامة الإقليمية لقطر ثابت ولا يمكن المساس به، ولا ينبغي تفسير هذا الإجراء الإيراني على أنه هجوم على قطر.

هل تم إرسال رسالة من واشنطن إلى إيران بعد الهجمات الأمريكية على المنشآت النووية؟ وما مضمونها؟

نعم، كان الأمريكيون يرسلون لنا رسائل بشكل مستمر قبل الاعتداء وبعده، عبر قنوات مختلفة. وهذا أمر طبيعي، إذ إن هناك بعض النقاط التي ينبغي تبادلها بين الطرفين. وقد تلقّينا رسائلهم عبر وسطاء وقنوات غير مباشرة، وقدمنا الردود اللازمة. وهذا النهج متعارف عليه في العمل الدبلوماسي.

وكان الهدف من تبادل الرسائل هو تجنّب سوء الفهم، واحتواء التوترات، وتوضيح المواقف. وقد أوضحنا لجميع الوسطاء بشكل صريح أن إيران لن تعود إلى طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة ما لم يتوقّف العدوان، وأن المسار الدبلوماسي لن يُستأنف إلا بعد ذلك. كما شرحنا هذا الموقف للأوروبيين، ويبدو أنهم باتوا يملكون فهما واضحا لموقفنا. والآن، علينا الانتظار لنرى ما سيحدث في المستقبل.

إذا لم يستمر وقف إطلاق النار وثمَّة تجدد لتجاوزات من إسرائيل أو الولايات المتحدة، فما مدى قدرة إيران على الصمود والمقاومة؟

جواب هذا السؤال واضح: لقد أظهرنا مقاومة قوية للغاية، على عكس توقّعات النظام المعتدي الذي ظنّ أن ضرباته الأولى في الأيام الأولى ستجعل إيران ترضخ. لكن ذلك لم يحدث، بل ازداد القدَر الناري لإيران يوما بعد يوم، وازدادت إرادتها ثباتا. كما تحسّنت دقّة صواريخنا، وأكّدت التطوّرات الأخيرة أن إيران لا تزال قوية. وقد كان صمود الشعب الإيراني استثنائيا، ومستوى التماسك بين الشعب والحكومة مشجّعا للغاية.

لقد رأى الشعب الإيراني صدق حكومته، التي دخلت المفاوضات بحسن نية، لكن الطرف الآخر هو من خرقها. ولقد صمدت الحكومة في ميدان المفاوضات ولم تتنازل عن حقوق الشعب، كما صمدت بقوة في ميدان المعركة. 

واليوم، نشهد وحدة وطنية حقيقية ومقاومة شعبية واسعة. ورغم صعوبات الحرب، وآلام الشهداء والجرحى والمخاوف، فإنني واثق من أن النظام والحكومة الإيرانية سيستمران حتى النهاية في الدفاع عن وحدة الأراضي، والسيادة، والاستقلال، ومصالح الشعب وإنجازاته.

هل يمكن لتجاوز إسرائيل والولايات المتحدة أن يضعف إرادة إيران في مواصلة برنامجها النووي، خاصة في مجال تخصيب اليورانيوم؟

على العكس، سيكون التأثير إيجابيا ويقوّي إرادتنا. لقد بذلنا جهودا كبيرة لتحقيق هذه التكنولوجيا، وقدم علماءنا أرواحهم في سبيل ذلك، وتحملت أمتنا العقوبات، وحتى فرضت علينا حرب بسبب هذا الموضوع. لذلك، لا أحد في إيران مستعد للتخلي عن هذه التكنولوجيا. فبرنامج إيران النووي شفاف وتحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

هل من الممكن أن يدخل البرنامج النووي الإيراني مرحلة غموض بعد هذه الهجمات وأن تعيد إيران النظر في علاقاتها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية؟

من السابق لأوانه الآن إعطاء إجابة قاطعة على هذا السؤال، لكن بلا شك، إن الهجوم على منشآتنا النووية سيترك آثارا عميقة وواسعة على مسار مستقبل إيران، وهذا أمر لا مفر منه. لقد بذلنا جهودا عديدة لنعرض للعالم التزامنا بمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية (NPT) ورغبتنا في العمل ضمن إطارها، ولكن للأسف، لم تستطع هذه المعاهدة أن تحمينا أو تحمي برنامجنا النووي، وهذا موضوع يجب أن يؤخذ على محمل الجد.

علاوة على ذلك، لعبت تقارير الوكالة دورا بارزا في الوصول إلى الوضع الراهن، ونحن غير راضين عن نغمة ومضمون هذه التقارير. ونعتقد أن هناك دوافع سياسية وراء هذه التقارير، وهذا أيضا أمر مهم. 

كما يجب أن يؤخذ في الاعتبار حماية منشآتنا النووية في المستقبل، فبعد عشرين عاما من الشفافية وبناء الثقة، لم تُحقَّق أي نتيجة تُذكَر، وهذه حقيقة تستحق الاهتمام. وأعتقد أن نظرتنا إلى البرنامج النووي ونظام عدم الانتشار سيشهد تغييرات، لا يمكنني تحديد اتجاهها بدقّة في الوقت الحالي.

في خضم الحرب والاعتداء، بادرتم إلى حركة دبلوماسية واسعة، فما الهدف من هذه الجهود؟

كان هدفنا الرئيسي في المقام الأول تأمين أمن إيران؛ من خلال كشف وجه المعتدي أمام الرأي العام العالمي وجذب إدانة دولية ضده. كما تواصلنا مع دول أخرى لحثها على اتخاذ مواقف حازمة ضد العدوان وإجراءات الولايات المتحدة والنظام الإسرائيلي. 

وجاءت هذه الجهود في إطار خلق نوع من الردع السياسي أمام هذه الهجمات ومنع تكرارها مستقبلا. إن الدبلوماسية يمكن أن تلعب دورا فعالا في هذا المجال، وأعتقد أننا حققنا نجاحا إلى حد كبير. فكل دول المنطقة وقفت إلى جانبنا وأدانت العدوان، وكذلك الدول الإسلامية، إضافة إلى العديد من الدول الأخرى.

ومن الطبيعي أن الغربيين، بما فيهم الأوروبيون والأمريكيون، لم يدعمونا، بل حاولوا – بقدر كبير من الوقاحة – تبرير عدوان النظام الإسرائيلي وتغطيته بأعذار متعددة. 

ومع ذلك، نواصل جهودنا لإيصال حق الشعب الإيراني إلى مسامع العالم، وإطلاع الدول على مواقفنا، لكي تتمكن من اتخاذ قرارات سليمة. فهذا هو دور الجهاز الدبلوماسي، سواء في زمن السلم أو في أوقات الحرب، وفي مثل هذه الظروف من الطبيعي أن نواصل هذه الجهود بعزم وإرادة أكبر.

هل وصلت محادثاتكم مع الأوروبيين في جنيف إلى نتائج أو اتفاقات محددة؟

كانت هذه اللقاءات مفيدة في توضيح مواقفنا بشكل أفضل للأوروبيين، ورغم دعمهم لنظام الاحتلال الإسرائيلي. كما كانت مهمة من ناحية تراجعهم عن بعض الاتهامات الموجهة لنا. والآن، بات هناك اعتقاد راسخ في أوروبا بعدم وجود حل عسكري للتعامل مع إيران، خصوصا بعد التطورات الأخيرة التي بيّنت أن الهجمات ليست حلا للمشكلة.

رغم أن هذه المحادثات لم تحل كل المشاكل، إلا أنها ساعدت على بناء تفاهم متبادل، ولهذا أعلن الطرفان استعدادهما لاستمرار الحوار.

كما أوضحت سابقا وأؤكد الآن، لا أسمي هذا مفاوضات بل حوارا بين إيران وأوروبا. فالمفاوضات تهدف عادة إلى اتفاق، ونحن لا نسعى لاتفاق مع أوروبا، وهي أيضا ليست مخولة لذلك، إذ أن الاتفاق الذي نطمح إليه يجب أن يشمل رفع العقوبات، وهذا خارج نطاق سلطة أوروبا. ومع ذلك، يبقى الحوار أمرا إيجابيا خاصة في الظروف العادية، وأعتقد أن استمرار الحوار بين إيران وأوروبا قد يساعد في تقليل سوء الفهم.

هل قدم الأوروبيون مقترحات محددة في مفاوضات جنيف؟

قُدِّمت مقترحات عامة؛ سواء بشأن وقف النزاعات أو مستقبل الملف النووي الإيراني، لكن يجب القول إن أوروبا ليست الفاعل الرئيسي أو صاحب القرار في هذه القضايا، ودورها يقتصر على الحوار فقط.

هل أنتم راضون عن نتائج زيارتكم لروسيا؟

نعم، بشدة. كان لدي لقاء جيد مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. واتخذت روسيا مواقف حاسمة وواضحة في إدانة العدوان الأمريكي والنظام الإسرائيلي. كما أن روسيا تلعب دورا مؤثرا في ملف البرنامج النووي الإيراني، ونحن نتعاون معهم في مجالات متعددة، من محطة بوشهر النووية إلى مشاريع نووية مستقبلية.

 كما أن روسيا كانت عضوا في مجموعة 1+5 (اتفاقية النووي لعام 2015)، ونحن على تواصل مستمر معها لتبادل الآراء والاستفادة من مقترحاتهم. ومع تصاعد الأحداث، أصبح التنسيق والمشاورات الدقيقة بيننا أمرا ضروريا للمضي قدما في الطريق المشترك.

ما تقييمكم للمواقف الرسمية والشعبية في دول المنطقة تجاه هذا العدوان؟

تم اتخاذ مواقف إيجابية للغاية على المستويين الرسمي والشعبي، حيث أدانت جميع الدول هذا الاعتداء؛ فبعضها استخدم لهجة شديدة، والبعض الآخر كان أكثر هدوءا، لكن في معظم أنحاء المنطقة والعالم الإسلامي، كان هناك موقف موحّد تقريبا. والبيان الصادر عن وزراء خارجية الدول الإسلامية في إسطنبول كان قويا جدا، وأضيف بند خاص يدين الاعتداء الأمريكي، وذلك تزامنا مع اليوم الثاني من الاجتماع.

وفي رأيي، كانت مواقف الحكومات إيجابية، وعلى صعيد الشعوب والرأي العام في الدول العربية والإسلامية وكذلك في مناطق أخرى، شهدنا تلاحما غير مسبوق مع الشعب الإيراني. وهذا الأمر واضح في الكتابات، والتحليلات، والمقابلات، والتصريحات المختلفة. وأعتقد أن التقارب بين الرأي العام العربي والإسلامي مع الشعب الإيراني الآن أكبر من أي وقت مضى، وهذا من بركات هذه الأحداث.

أنا سعيد جدا لأن عدوان النظام الإسرائيلي حقق على الأقل هذا الإنجاز المهم، وهو توحيد الرأي العام العربي والإسلامي بشكل غير مسبوق وخلق تضامن إقليمي. لسنوات، حاولت بعض الأطراف تصوير إيران كتهديد وخطر، لكن اليوم انتهى هذا الخوف وأصبح العدو الحقيقي معلوما للجميع. ولقد حاولت إسرائيل لعقود قلب هذه المعادلة وتصوير إيران كتهديد للمنطقة، لكن هذا المخطط فشل تماما.

وأود أن أشكر الإعلام العربي، خاصة المحللين والكتاب في العالم العربي الذين لعبوا دورا مهما في توضيح هذه المواقف ونشرها. ونحن نقدر هذه الجهود وسنستمر في العمل على تعزيز الوحدة والتضامن التي تشكلت اليوم.