لا للحرب ضد إيران… بيان ٣٥٣ ناشطا يعيد ترتيب الأولويات بين الداخل وهاجس التدمير

Image 1024x683

في ظل تصاعد حدة التوترات الإقليمية وتكثف الخطابات المتشددة، يعود شبح المواجهة العسكرية ليخيم على المشهد السياسي، مثيرا أسئلة حاسمة حول الكلفة الحقيقية لأي انزلاق نحو الصدام، وبين التحذيرات المتبادلة والضغوط المتراكمة، يبرز نقاش داخلي متجدد حول حدود الردع ومسارات التهدئة، وحول ما إذا كانت البلاد تقف على أعتاب مرحلة مفصلية تعيد رسم أولوياتها. في هذا السياق المشحون، تتقاطع حسابات السياسة مع هواجس المجتمع، ليصبح منع الحرب هدفا يتقدم على سواه في جدول الاهتمامات الوطنية.

فقد أعاد بيان وقعه ٣٥٣ من الباحثين والناشطين المدنيين والسياسيين إلى الواجهة النقاش حول كلفة الحرب واحتمالات الانزلاق إليها، في لحظة إقليمية ودولية مشحونة بالتهديدات والتصعيد، فالبيان الذي نشر الخميس 26 فبراير/ شباط 2026 وحمل عنوان لا للحرب والاعتداء على إيران جاء بصيغة مباشرة وحاسمة، واضعا الحرب في خانة أكبر شرور السياسة، ومحذرا من أن أي مواجهة عسكرية لن تكون مجرد حدث عابر، بل مسارا تدميريا يطال الإنسان، والبنية، والدولة، والمستقبل.

Image

وشدد البيان على أن الحرب تقتل البشر وتدمر البنى التحتية ووسع دائرة الفقر والعنف، وتفاقم الأزمات بدل أن تحلها، وتضعف القدرة على إدارة الأزمات الداخلية، كما اعتبر أن الحرب تعتم آفاق التنمية والديمقراطية والعدالة، في إشارة واضحة إلى أن الخسارة لا تقتصر على الميدان العسكري، بل تمتد إلى المسار المدني والسياسي للبلاد. هذا الربط بين الحرب وبين انسداد الأفق التنموي شكل محورا مركزيا في النص، الذي حاول إعادة ترتيب الأولويات لصالح الاستقرار الداخلي.

كما أشار إلى أن التحريض على الحرب والعقوبات والتهديدات لا تخدم سوى تحويل إيران إلى ساحة خراب، رافضا أي مبرر يمكن أن يسوغ إدخال البلاد في مواجهة جديدة، كما أكد أن الفواجع الداخلية، حسب تعبيره، بما في ذلك ضحايا أحداث تظاهرات يناير/ كانون الثاني 2026، لا يمكن أن تستثمر لتبرير حرب أخرى أو لتوسيع دائرة الحداد والدمار. بهذه الصياغة، قطع البيان الطريق على أي خطاب يربط بين الأزمات الداخلية وبين تبرير الانخراط في صراع خارجي.وكان أبرز ما ورد في البيان هو التأكيد على أن العلاج في الوطن، وأن الحل، حتى لو كان صعبا، يكمن في تغييرات داخلية فعالة ومولدة للتنمية. هذا الطرح وضع الإصلاح الداخلي، حسب تحليلات، في مواجهة منطق الحرب، باعتباره المسار الوحيد القادر على إنتاج استقرار مستدام. وفي الوقت نفسه، شدد الموقعون على أنهم في مواجهة أي اعتداء سيقفون داعمين لبلدهم، في محاولة للموازنة بين خطاب السلام وخطاب الدفاع الوطني.

Image

البيان لم يكتفِ بإعلان الموقف، بل دعا عموم المواطنين إلى رفع أصواتهم ضد الحرب والاعتداء، كما وجه نداء إلى أصحاب النفوذ والتأثير لتكثيف التعبير عن هذا الرفض.

أما على مستوى الموقعين، فقد عكست القائمة تنوعا لافتا في الخلفيات السياسية والفكرية والمهنية، فقد ضمت شخصيات سياسية بارزة مثل عبد الكريم سروش، وإسحاق جهانغيري، ومحمد جواد ظريف، وبهزاد نبوي، إلى جانب أسماء أكاديمية وثقافية واجتماعية مثل نعمت الله فاضلي، ومقصود فراست خواه، ومراد ثقفي. كما ضمت القائمة دبلوماسيين سابقين مثل كوروش أحمدي ومحسن بهاروند، وناشطين سياسيين ومدنيين مثل عماد الدين باقي، وعلى باقري، وعماد بهاور، وحامد وفائي، وحميد رضا جلائي بور، ومصطفى نجفي، وحيدر على مسعودي، إضافة إلى عشرات الأسماء الأخرى من مشارب متعددة. هذا التنوع منح البيان ثقلا رمزيا، إذ جمع بين تيارات مختلفة، بعضها محسوب على الإصلاحيين وبعضها على دوائر فكرية وأكاديمية مستقلة، وبعضها من داخل مؤسسات الدولة سابقا.

أصوات الموقعين… تحذير من الوهم وكلفة الانهيارمواقف الموقعين عكست كذلك مقاربات متعددة لرفض الحرب، لكنها التقت عند الإقرار بأن المواجهة العسكرية ليست حلا. فعماد الدين باقي، الباحث في حقوق الإنسان، أوضح أن توقيعه جاء من منطلق رفض الحرب والدفاع عن إيران، معتبرا أن اللحظة الراهنة تتطلب الاتفاق على حد أدنى وطني في مواجهة تهديد خارجي، حتى لو لم يكن النص كاملا في تناول جميع أسباب الأزمة، وأكد أن رفع الصوت ضد الحرب ضرورة في ظل تصاعد خطاب التهديد.

Image

بهزاد نبوي شدد على أن الحرب تدمر البنى التحتية وقد تودي بحياة أبرياء، معتبرا أن العلاج يكمن في إصلاحات داخلية، وأن باب الحوار لا يزال قائما رغم التصعيد، وذهب إلى أن من غير الممكن التنبؤ بمسار الأحداث، لكن مسؤولية القوى السياسية تقتضي العمل على منع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

Image

نعمت الله فاضلي، وبصفته باحثا في قضايا السلام، رأى أن الحرب لا يمكن أن تكون استراتيجية لتحسين أوضاع المجتمع، وأن من يعتقد أنها مخرج من الأزمات يغامر بمستقبل البلاد، وأكد أن رفض الحرب لا يعني الدفاع عن كل السياسات الداخلية، بل هو دفاع عن حق المجتمع في البحث عن حلول عقلانية غير عنيفة.

Image

أما عماد بهاور فاعتبر أن الحرب لا توقف إرادة الشعوب في التقدم، بل قد تزيدها صلابة، وفي الوقت ذاته لا تشكل حلا للمشكلات الداخلية، بل تزيدها تعقيدا، مؤكدا أن البدائل الدبلوماسية والحوار والتفاعل البناء تظل خيارات أفضل من اللجوء إلى القوة.

Image

كما وصف مقصود فراست خواه رفض الحرب بأنه الحد الأدنى من الالتزام الوطني، مؤكدا أن الأجيال القادمة لن تغفر لمن يمنح ذريعة لتخريب موارد البلاد. وربط بين منع الحرب وبين الفضيلة المدنية والحكمة السياسية، معتبرا أن الدبلوماسية الواقعية هي السبيل لتفادي الكارثة.

Image

مصطفى نجفي قدم من جهته قراءة استراتيجية تستند إلى تجارب المنطقة، محذرا من أن التدخلات العسكرية الخارجية كثيرا ما أدت إلى انهيار مؤسسات الدولة وتصاعد الحروب الداخلية، واعتبر أن ربط مستقبل إيران بمغامرة عسكرية خارجية ينطوي على مخاطرة غير محسوبة، وأن الإصلاح المستدام لا يمكن أن يأتي عبر القصف والتدمير.

Image

فيما أعاد كوروش أحمدي التذكير بكلفة الحرب الطويلة، معتبرا أن أولوية أي دولة يجب أن تكون حفظ السلام، وأن المشكلات الداخلية لا يمكن حلها عبر مواجهة عسكرية. وأكد أن الإصلاح يمر عبر مسارات سياسية واجتماعية داخلية.

Image

علي باقري شدد على أن حماية إيران مسؤولية مشتركة تتجاوز الانقسامات السياسية، وأن الحرب تهدد وحدة البلاد وبنيتها ومستقبلها، داعيا إلى الحفاظ على الأمن والازدهار بوصفهما واجبا عاما، وانتقد حميد رضا جلائي بور التقليل من مخاطر الحرب، معتبرا أن أي هجوم سيصيب كيان الدولة والمجتمع، وأن تجارب سابقة في المنطقة أظهرت أن الترحيب بالتدخل الخارجي فتح أبوابا يصعب إغلاقها.

Image
Image

التوقيت والرسائل… محاولة إصلاحية لمنع الانزلاق

يأتي هذا البيان في سياق تصاعد التوترات والتهديدات، ما أضفى عليه، وفق خبراء، بعدا يتجاوز كونه موقفا أخلاقيا إلى كونه رسالة سياسية. كذلك يعكس التوقيت إدراكا لدى الموقعين بأن الخطاب المتشدد في الخارج، إلى جانب تصاعد الضغوط، قد يدفع نحو حسابات خاطئة. لذلك بدا البيان محاولة استباقية لرسم خط أحمر أمام خيار الحرب.

كما ويمكن قراءة البيان في إطار تحركات التيار الإصلاحي وشخصيات قريبة منه لإعادة طرح فكرة الإصلاح الداخلي بوصفه البديل الواقعي عن التصعيد. فالإصلاحيون، الذين لطالما ركزوا على مسار التغيير من داخل النظام السياسي، يجدون في الحرب خطرا مزدوجا، فهي تقضي على فرص الإصلاح، وتدفع نحو مزيد من الانغلاق.

من هذه الزاوية، يمكن اعتبار البيان تعبيرا عن استراتيجية منع الحرب عبر حشد رأي عام داخلي، وتقديم صورة بأن الرفض لا يقتصر على فئة محددة. كما يحمل رسالة للخارج بأن ثمة أصواتًا واسعة داخل البلاد ترفض المواجهة، ما يضعف أي محاولة لتصوير الحرب بوصفها مطلبا شعبيا.

البيان أيضا يعكس خشية من أن تؤدي أي مواجهة إلى نقل مركز القرار من الداخل إلى الخارج، بحيث تصبح المبادرة بيد قوى خارجية، وهو ما حذر منه بعض الموقعين صراحة. لذلك جرى التشديد على أن مسار الإصلاح يجب أن يبقى وطنيا، وأن التغيير عبر القصف ليس بديلا عن التغيير عبر السياسة.

في المحصلة، شكل بيان لا للحرب والاعتداء على إيران محاولة واضحة لتوحيد خطاب رافض للمواجهة العسكرية، في لحظة تتسم بالتوتر والضبابية. وقد جمع بين تحذير من الكلفة الباهظة للحرب، ودعوة إلى إصلاح داخلي، وتأكيد على حق الدفاع عن البلاد في حال وقوع اعتداء. وبين هذه المحاور، حاول الموقعون إعادة التأكيد على أن مستقبل إيران لا يبنى على أنقاض المواجهة، بل على قاعدة الاستقرار والإصلاح الوطني.

كلمات مفتاحية: