- زاد إيران - المحرر
- 87 Views
شهدت الساحة الإعلامية والسياسية في البلاد، خلال الأيام القليلة الماضية، حالة واسعة من الجدل والصدمة عقب واحدة من أغرب الهفوات المهنية والتنظيمية في تاريخ هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيراني (صدا وسیما). بدأت القصة عندما بث التلفزيون الرسمي نص الرسالة المكتوبة الموجهة من القيادة في النشرات الإخبارية الرئيسية، حيث كشفت دقة ملاحظة المتابعين والمقارنة الفورية مع النص الأصلي الصادر عن حذف لافت ومثير للريبة لفقرات بعينها.
هذا الإجراء، الذي واجهته المؤسسة في البداية بالصمت المطبق قبل أن تضطر لإصدار بيان توضيحي مستعجل، أطلق موجة عارمة من التحليلات والردود العنيفة في الفضاء الإعلامي والسياسي؛ إذ يرى المنتقدون أن الأجزاء المحذوفة كانت تحتوي تحديداً على أهم التحذيرات الاستراتيجية والنقاط الجوهرية في الرسالة، والتي تمس بشكل مباشر الأداء السياسي والاجتماعي لبعض التيارات النافذة، وبالتالي لا يمكن المرور عليها بتبسيط أو قبول رواية الخطأ الفني العابر. وفي هذا التقرير المفصل، نستعرض الأبعاد المختلفة لهذا الحدث، الجمل المحذوفة، تفاصيل الرسالة، والجهات المستهدفة من هذا الخطاب المكتوم.
بيان اعتذار جام جم وادعاء الخطأ غير المقصود في تركيب الصور
بعد تصاعد موجة الانتقادات وتوثيق وسائل الإعلام المستقلة وشبكات التواصل الاجتماعي لعملية التغيير والحذف في نص الرسالة الرسمية، سعت العلاقات العامة بمؤسسة الإذاعة والتلفزيون إلى احتواء الموقف وتهدئة الأجواء المشحونة عبر نشر بيان اعتذار رسمي.
وأوضحت المؤسسة في توضيحها أنه أثناء إعداد وتركيب الصور والخلفيات البصرية على النص المكتوب للرسالة الصادرة بمناسبة عید الغدير وذكرى رحيل الإمام الخميني، والتي بُثت في أهم النشرات الإخبارية (نشرة 8:30 ونشرة 9) يوم الخميس 4 يونيو/حزيران 2026، سقطت جملتان من النص بشكل “غير مقصود” وسهوي تماما أثناء التعديل الفني والإنتاجي النهائي.
وأكد البيان، إلى جانب تقديم الاعتذار الرسمي للمشاهدين والمتابعين، أنه جرى تدارك هذا الخطأ المهني وبث النص الكامل والملخص في نشرة أخبار الساعة الثانية ظهرا من يوم الجمعة 5 يونيو/حزيران 2026، كما رُفعت النسخة الكاملة دون أي نقصان على الفضاء الافتراضي والمواقع الرسمية التابعة لوكالة أنباء هيئة الإذاعة والتلفزيون.
ومع ذلك، فإن لغة البيان الشديدة التبسيط واختزال الحدث الجلل في مجرد خطأ تقني بسيط وفني، لم تكن كافية لإقناع النقاد، الصحفيين، والمحللين السياسيين الذين يعرفون جيدا آليات الرقابة الصارمة داخل المؤسسة.

فك شفرة المحذوف الأول: جملة تحمل ثقلا تاريخيا وعقائديا
تظهر القراءة الدقيقة للمقارنات النصية بين ما عُرض على الشاشة والنص الأصلي أن الجزء الأول الذي استبعده التلفزيون من البث كان يرتبط ارتباطا وثيقا بالإرث التاريخي والوصية السياسية والعقائدية لقائد الثورة الإسلامية الإمام الخميني.
وكان النص الأصلي للرسالة يؤكد في هذا الفاصل الحماسي أن الشعب الإيراني العزيز، بوقوفه واستقراره إلى جانب جبهة المقاومة في المنطقة، بات مصدراً للفخر والاعتزاز أمام عيون شعوب العالم الحرة والواعية، وأنه بهذا السلوك والمواقف المشرفة “أظهر مجددا وبوضوح صدق هذا الفراز من وصية الإمام الخميني”.
وقام التلفزيون في نسخته الأولى المعروضة بحذف هذه الجملة الختامية التي تحيل مباشرة على صدق وصية الإمام الراحل. ورغم أن المراقبين السياسيين يرون أن حذف هذا الجزء تحديدا لم يلحق ضررا بنيويا حادا بالمعنى العام أو بالنتائج الفورية الشاملة للنص، فإن حذف إشارة مباشرة وصريحة لكلام الإمام الراحل وفي يوم ذكرى رحيله بالذات ومن قِبل وسائل إعلام الدولة، اعتبر سقطة إعلامية لافتة وخروجا فجا عن الذوق المهني والسياسي المفترض في مثل هذه المناسبات الوطنية الحساسة.

الجدل الأكبر: حذف التحذير الاستراتيجي من إشاعة اليأس ومساعدة العدو
لكن ما أثار غضب وسائل الإعلام والشارع السياسي واستغراب الخبراء والمراقبين على نطاق واسع، كان حذف الجزء الثاني من الرسالة، وهو الجزء الذي يمثل في نظر الكثير من المحللین والسياسيين القلب النابض والفقرة المحورية الأهم في هذا الخطاب المكتوب، بل وكان العنوان الأبرز والمانشيت الرئيسي لعدد من الصحف والمواقع الإخبارية قبل ساعات من البث التلفزيوني.
وجاء في هذا المقطع المحذوف صراحة وبلهجة حازمة: “في هذا المقام، فإن دور المسؤولين في دعم هذه الأمور مهم جدا. وإن أي إجراء يؤدي إلى سوء الظن وإحباط عامة الشعب، يعتبر نوعا من المساعدة لعدو هذا البلد وأهله”.
إن حذف هذه العبارات الصريحة للغاية والتحذيرات الشديدة اللهجة، وخلافاً لادعاء التلفزيون اللاحق بأنه مجرد حذف لجملة قصيرة غير مؤثرة، شكل في الواقع اقتطاعاً لفقرة كاملة ومفسرة للسياق، مما تسبب في إخلال بنيوي واضح بالمفهوم العام للرسالة فيما يخص واجبات مسؤولي النظام وحساباتهم السياسية والاجتماعية، وأثار شكوكا عميقة حول وجود تيارات أو أفراد داخل أروقة المؤسسة الإعلامية لا يرغبون بأي شكل من الأشكال في أن تصل هذه الإنذارات المباشرة إلى أسماع الجمهور أو أن تُسجل كوثيقة إدانة لبعض السياسات الحالية.

من الذين عنتهم رسالة المرشد الأعلى في المقطع المحذوف؟
لفهم الأسباب الحقيقية والخلفيات الكامنة وراء حذف هذا الجزء البالغ الأهمية والحساسية، يجب النظر بعمق إلى السياق السياسي والاجتماعي الحالي للبلاد والجهات التي يمسها هذا الكلام بشكل مباشر ويتماشى مع انتقاد أدائها.
فالرسالة في فقراتها السابقة والممهدة حددت بوضوح أدوات العدو الخارجي في الحرب التركيبية الشاملة ضد البلاد، مشيرة إلى تركيزه وسعيه الدؤوب لزراعة بذور التشكيك، اليأس، الخوف، سوء الظن، وإثارة الخلافات والشقاق داخل المجتمع الإيراني. وفي هذا الإطار الاستراتيجي، يصبح المخاطب الرئيسي في الجزء المحذوف هم المسؤولون والمديرون وصناع القرار، ولا سيما التيارات الراديكالية والمتطرفة التي تخدم مخططات العدو من حيث لا تعلم، أو بعلم، عبر تصرفاتها الإقصائية، وتصريحاتها المفرقة للصفوف.
لقد حذرت الرسالة المسؤولين عبر وضع الإصبع مباشرة على أدوارهم وواجباتهم، مؤكدة أن خلق الإحباط وسوء الظن واليأس بين المواطنين يعد بمثابة تمهيد وجواز مرور لخطط الأجنبي، وهي عبارات تستهدف بدقة أولئك الذين يزرعون بذور اليأس باحتكارهم للمنابر وتطرفهم وتجاهلهم التام لضرورات الانسجام الوطني والتلاحم الشعبي.
تفاصيل النص الكامل؛ أبعاد ومحاور الرسالة المكتوبة قبل تعرضها للاقتطاع
عند العودة إلى النص الكامل والشامل للرسالة كما نُشر لاحقا في المواقع الرسمية، نجد أنه يتناول قضايا محورية تتجاوز مجرد التهنئة بمناسبة دينية أو إحياء ذكرى وطنية. تبدأ الرسالة بالحمد والثناء والتأكيد على أهمية واقعة الغدير كميثاق لإمامة الأمة وقيادتها المستمرة، ثم تنتقل ببراعة لتربط بين هذا المفهوم الإلهي وبين مسيرة الثورة الإسلامية مستشهدة بآيات القرآن الكريم حول “القيام لله” مثنى وفرادى كبنية أساسية في فكر الإمام الخميني.
وتستعرض الرسالة التحديات الراهنة التي تواجهها البلاد، خاصة بعد الانتصارات العسكرية والسياسية الأخيرة للقوات المسلحة، والتي تسببت في تراجع واضح للقوى المعادية وإجبارها على تغيير استراتيجيتها نحو الحرب الناعمة والنفسية. وتركز الرسالة على محورين أساسيين يستهدفهما العدو حاليا: المحور الأول هو قدرة الشعب على الصمود والتحمل، والمحور الثاني هو إدخال الخطأ في المنظومة الحسابية والتقديرية للمسؤولين. ومن هنا جاءت الأهمية القصوى للفقرة المحذوفة، حيث كانت بمثابة الجسر الرابط بين تشخيص المؤامرة الخارجية وبين تحديد مسؤولية القيادات الداخلية في إفشالها أو إنجاحها.
التداعيات الإعلامية وإصرار المنتقدين على فرضية الخلفية والنية السياسية
على الرغم من محاولات الإعلام الرسمي المستميتة لإغلاق هذا الملف المزعج بأسرع وقت ممكن تحت شعار “الخطأ التحريري السهوي غير المقصود نتاج ضغط العمل”، فإن ردود فعل وسائل الإعلام المستقلة والعديد من الناشطين السياسيين والكتاب أثبتت أن الرأي العام والوسط الصحفي يصعب عليه قبول هذا التبرير التقني الهش.
ويجادل المنتقدون بقوة بأن الأقسام الفنية، والإنتاجية، والرقابية في مؤسسة ضخمة مثل الإذاعة والتلفزيون تمتلك لجان مراجعة وتدقيق متعددة الطبقات والمستويات، ولا يمكن بأي حال من الأحوال ومن الناحية المهنية أن يسقط الجزء الأكثر استراتيجية، وسياسية، وحساسية في رسالة رفيعة المستوى كهذه بشكل فني وبمحض الصدفة البحتة، خاصة وأن المقطع المحذوف يوجه خطاباً لاذعاً ومباشراً للمسؤولين والمتطرفين.
لقد أعاد هذا الحادث المثيل للجدل إلى الواجهة وبقوة النقاشات القديمة المتجددة حول الانحيازات الجناحية والسياسية الضيقة في إدارة هذا الجهاز الإعلامي الوطني، ومحاولات بعض التيارات الخفية فلترة وتوجيه المواقع والمواقف الرسمية بما يخدم مصالحها السياسية والانتخابية الضيقة، مؤكداً أن تحديات الإعلام الرسمي مع معايير الشفافية، الأمانة المهنية، والحياد لا تزال قائمة وتعمق الفجوة بينه وبين الجمهور.

