- محمود شعبان
- 616 Views
نشر موقع “تجارت نيوز” الإيراني، السبت 13 يونيو/حزيران 2025، تقريرا حول مشروع “طريق التنمية”، الذي أطلقته الحكومة العراقية كممر اقتصادي استراتيجي يربط الخليج العربي بأوروبا عبر الأراضي العراقية والتركية، والذي يُعدّ إحدى كبرى المبادرات اللوجستية التي تشهدها المنطقة في العقود الأخيرة.
ذكر الموقع أن نظرة إيران إلى مشروع “طريق التنمية” تتّسم بالتعقيد، فمن جهة، تثير تراجع التفاعل الإيراني في سوريا وتزايد الدور التركي في المنطقة قلق طهران، ومن جهة أخرى، وبالنظر إلى أن إيران تسعى لتحويل ميناءي بندر عباس وتشابهار إلى مراكز تجارية محورية، فقد ترى في تطوير ميناء الفاو تهديدا لمكانتها في مجال الترانزيت.
وأضاف أن فكرة الاستفادة من الموقع الجغرافي والموارد العراقية للعب دور الجسر الاقتصادي بين آسيا وأوروبا ليست جديدة، ففي ثمانينيات القرن الماضي، اقترحت العراق مشروعا باسم “القناة الجافة” ليكون مركزا لنقل السلع يربط بين مناطق مختلفة من العالم، لكن الحروب، والاحتلال الأجنبي، وعدم الاستقرار السياسي، وتهديد تنظيم داعش، حالت دون تحقيق هذا الهدف.
وتابع أن العراق يسعى اليوم من خلال مشروع “طريق التنمية” الضخم إلى تقديم نفسه كقطب جيو-اقتصادي بين الشرق والغرب، وهو مشروع يهدف إلى إنشاء ممر تجاري واسع يربط الإمارات وقطر بالعراق وتركيا والاتحاد الأوروبي.
وذكر أن المشروع يتضمن ثلاث مراحل، تُختتم الأولى منها بحلول عام 2028، والثانية بحلول عام 2033، فيما من المخطط استكمال المشروع بالكامل بحلول عام 2050، وقد قُدرت تكلفته بين 17 و20 مليار دولار، وقد أُعلن عنه للمرة الأولى في مايو 2023، ثم دخل حيز التنفيذ خلال زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى بغداد في أبريل 2024.
وأوضح أن “طريق التنمية” يشمل خطوط سكك حديدية وطرقا سريعة وموانئ تربط الخليج العربي عبر العراق وتركيا بأوروبا، وتُعد الإمارات وقطر المستثمرين الرئيسيين في هذا المشروع، بينما تُعتبر تركيا القوة الدافعة، والعراق اللاعب المحوري فيه.
ميناء الفاو الكبير
أفاد الموقع بأن “ميناء الفاو الكبير”، الواقع قرب مدينة البصرة على سواحل الخليج العربي، يُعدّ الحلقة الرئيسية لمشروع “طريق التنمية”، إذ يجري العمل على إنشائه بسعة تبلغ 90 رصيفا، ومن المخطط أن يكتمل بناؤه بحلول عام 2025، متجاوزا بذلك ميناء “جبل علي” في دبي من حيث القدرة الاستيعابية.
وأوضح أن المسار التجاري “طريق التنمية” ينطلق من هذا الميناء شمالا، ويمرّ عبر المدن العراقية الرئيسية مثل كربلاء وبغداد والموصل، ليصل إلى معبر إبراهيم الخليل – فيشخابور الحدودي مع تركيا، حيث يتصل بشبكة النقل التركية.
وأضاف أن الاقتصاد التركي مرتبط بالاتحاد الأوروبي من خلال الاتحاد الجمركي، ويُصدَّر أكثر من 40% من صادرات تركيا إلى الاتحاد، وبالتالي فإن المشروع يمثّل فرصة لتوسيع العلاقات التجارية بين أوروبا من جهة، والشرق الأوسط وشرق آسيا من جهة أخرى.
وتابع أن مشروع “طريق التنمية” يمكن أن يُحوّل العراق إلى ممر أساسي في التجارة العالمية، ويساهم في تنويع اقتصاده بعيدا عن النفط، من خلال توفير فرص العمل، وتعزيز قطاع الطاقة النظيفة، ورفع إيرادات الحكومة السنوية بنحو 4 مليارات دولار، وفق تقديرات المسؤولين العراقيين.
وذكر أن المشروع يواجه رغم ذلك تحديات كبيرة، من بينها الفساد، وسوء الأداء، وانعدام الشفافية في المؤسسات العراقية، كما أن خطر اندلاع صراعات جديدة، وعودة تنظيم داعش، واستمرار حالة عدم الاستقرار السياسي، كلها عوامل تهدد مستقبل المشروع.
وأشار إلى أن من بين مصادر القلق الأخرى، مستقبل سوريا بعد مرحلة بشار الأسد، وإمكانية استغلال التنظيمات المتطرفة مثل داعش لفراغ السلطة هناك، ما قد يؤدي إلى زعزعة الأمن في العراق.
وختم بالتنبيه إلى أن وجود جماعات مسلحة مدعومة من إيران في العراق، وإمكانية تصاعد التوتر بين طهران وواشنطن في حال عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة، قد يفضيان إلى اندلاع مواجهات على الأراضي العراقية، وعلى الرغم من آمال المسؤولين العراقيين بأن يؤدي التقدم الاقتصادي إلى تعزيز الاستقرار السياسي، إلا أن التهديدات الداخلية قد تعرقل جذب الدعم الدولي للمشروع.

المنافسات والاعتبارات الجيوسياسية
أفاد الموقع بأن بعض الدول غير المشاركة في مشروع “طريق التنمية” قد تعتبره متعارضا مع مصالحها الوطنية، وربما تسعى إلى تقويضه أو التأثير عليه سلبا، وأشار إلى أن العراق، في ظل هذه الديناميكيات الجيوسياسية المعقدة، يحتاج إلى انتهاج سياسة استراتيجية لجذب أكبر عدد ممكن من الدول للمشاركة في المشروع.
وأضاف أن مشاركة الإمارات وقطر تُعدّ مؤشّرا على تقارب متزايد بين دول مجلس التعاون الخليجي والعراق، ورغم أن الدولتين لم تعلنا بعد عن التزامات مالية محددة، فإن استثماراتهما في مشاريع مثل الحقول الغازية في جنوب العراق ومجمّع الغاز القطري قد تُشكّل أساسا للتعاون المستقبلي في إطار مشروع “طريق التنمية”.
وتابع أنه نظرا إلى حجم التمويل الضخم الذي يتطلبه المشروع، فمن المتوقع أن تأتي النسبة الأكبر من الاستثمارات من الصناديق السيادية الإماراتية والقطرية، وإن كان للقطاع الخاص أيضا دور محوري في هذا السياق.
وذكر أنه من المحتمل أن يدخل المشروع في حالة تنافس مع “ممر الهند – الشرق الأوسط – أوروبا الاقتصادي” المعروف بـ”آي-مك”، والذي تقوده الولايات المتحدة، إلا أن الإمارات، كونها عضوا في كلا المشروعين، تسعى للعب دور محوري في عدة ممرات اقتصادية عابرة للقارات.
وأشار إلى أن خبرة الشركات الإماراتية في إدارة الموانئ الكبرى يمكن أن تُسهم في تشغيل ميناء الفاو العراقي، وفي هذا الإطار، وُقّعت في أبريل/نيسان 2024 مذكرة تفاهم بين “مجموعة موانئ أبوظبي” و”شركة الموانئ العراقية” لتطوير ميناء الفاو والمنطقة الاقتصادية التابعة له، وهو ما اعتُبر خطوة مهمة نحو تنفيذ هذا المشروع الحيوي.
تحديات إقليمية
ذكر الموقع أن مشروع “طريق التنمية” قد يشكّل تحديا كبيرا للكويت، نظرا لما قد يُسببه من منافسة مباشرة لميناء “مبارك الكبير” الواقع في جزيرة بوبيان. وأشار إلى أن الخلافات الحدودية بين العراق والكويت حول خور عبد الله، وقرار المحكمة الاتحادية العراقية عام 2023 الذي اعتبر اتفاقية عام 2012 غير قانونية، قد زادت من حدة هذه المخاوف.
وأضاف أن من بين المقترحات المطروحة لتفادي تصعيد هذا التوتر، إنشاء منطقة تجارة بحرية حرّة ومشتركة بين العراق والكويت، بحيث يُنظر إلى الميناءين كمنشأتين مكملتين لبعضهما بدلا من أن يكونا في حالة تنافس.
وتابع أن مصر أيضا قد تنظر إلى المشروع بعين الريبة، إذ إن “طريق التنمية” يمكن أن يكون بديلا جزئيا لقناة السويس، التي تُعد مصدرا رئيسيا للدخل من العملات الأجنبية بالنسبة لمصر.
وذكر أن الطريق الذي يربط العراق بتركيا من شأنه تقليص المدة الزمنية اللازمة لنقل البضائع بين الصين وأوروبا بنحو 15 يوما، الأمر الذي يوفّر ميزة تنافسية ملموسة مقارنة بالطرق البحرية التقليدية.
وأشار إلى أن تدهور الأوضاع الأمنية في البحر الأحمر نتيجة هجمات الحوثيين يُعزز من هذه الأفضلية، ويُضيف عوامل جذب إضافية لصالح المسار البري عبر العراق.
فرصة أم تهديد؟
ذكر الموقع أن نظرة إيران إلى مشروع “طريق التنمية” لا تخلو من التعقيد، إذ تتراوح بين القلق من جهة، والفرص المحتملة من جهة أخرى، وأوضح أن خفوت الدور الإيراني في سوريا وتنامي النفوذ التركي في المنطقة يُثيران مخاوف طهران، خاصة وأنها تسعى لتحويل موانئها مثل بندر عباس وتشابهار إلى مراكز تجارية محورية، وهو ما يجعل من تنمية ميناء الفاو تهديدا لمكانتها في مجال الترانزيت.
وأضاف أن إيران، رغم هذه المخاوف، قد ترى في عراق قوي ومتطور فرصة استراتيجية في ظل العقوبات الأميركية المفروضة عليها، ونظرا لأن جزءا كبيرا من حركة التجارة في “طريق التنمية” سيمر عبر مضيق هرمز، فإن إيران يمكن أن تستخدم هذا الموقع كورقة ضغط للحصول على نصيب من المشروع.
وتابع أن المشروع المنافس “آي-مك”، المدعوم أميركيا، والذي يسعى إلى كبح نفوذ الصين وتعزيز مسار التطبيع بين السعودية و”إسرائيل”، قد يدفع طهران إلى اعتبار “طريق التنمية” خيارا أكثر توازنا ومقبولية من منظورها الجيوسياسي.

العراق بين واشنطن وبكين
ذكر الموقع أن العراق يسعى إلى تحقيق توازن دقيق في علاقاته مع كل من الولايات المتحدة والصين، في سياق تعامله مع مشروع “طريق التنمية”، وأوضح أن واشنطن لم تُعلن حتى الآن موقفا رسميا من المشروع، إلا أن انخراط الصين فيه قد يدفع الولايات المتحدة إلى التعامل معه بحساسية أكبر.
وأضاف أن الصين تعتبر “طريق التنمية” مكمّلا لمبادرة “الحزام والطريق”، خصوصا وأن مساراتها في باكستان وتركيا والعراق تتقاطع بشكل طبيعي مع هذا المشروع، وفي المقابل، تروّج الولايات المتحدة لمشروع “آي-مك” كمنافس لمبادرة الصين وداعم للهند، غير أنها قد تجد في “طريق التنمية” أيضا أداة للحد من نفوذ إيران في المنطقة.
وتابع أن تدهور الأوضاع الأمنية في البحر الأحمر يعزّز من أهمية إنشاء مسارات تجارية بديلة، وهو ما قد يصب في مصلحة واشنطن كذلك، ففي حين تميل إدارة ترامب إلى نهج الانعزال الاقتصادي والاكتفاء الذاتي، ينتهج العراق مسارا معاكسا يرى في البنية التحتية الدولية مفتاحا للرفاهية والاستقرار.
وذكر أنه إذا تمكّن العراق من التوصل إلى تفاهمات شاملة مع جيرانه، خصوصا إيران والكويت، فإن مشروع “طريق التنمية” قد يُسهم بشكل لافت في تعزيز مكانة العراق داخل النظام الجيوسياسي والاقتصادي العالمي.

