- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 1229 Views
في وقت تتسارع فيه تحولات الإقليم وتتعقد توازناته السياسية والأمنية، تعود العلاقات الإيرانية الباكستانية لتتصدر واجهة المشهد من جديد، مدفوعة بجملة من المتغيرات التي فرضت على البلدين إعادة قراءة موقعهما ودورهما في المنطقة. وفي ظل ديناميكيات إقليمية تتبدل بوتيرة غير مسبوقة، أصبحت قرارات التقارب أو التعاون بين القوى المحورية عاملا مؤثرا في رسم المسارات المقبلة، ومن هذا المنطلق، تأتي التحركات الدبلوماسية الأخيرة لتعكس مرحلة مختلفة تعيد تشكيل طبيعة التواصل بين طهران وإسلام آباد، وتفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول الأهداف، والأبعاد، والانعكاسات المحتملة على مستقبل المنطقة برمتها.
شهدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد، الثلاثاء 25 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، وصول الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، في زيارة رسمية وصفت بأنها الأكثر أهمية منذ سنوات بين البلدين، حيث تأتي في لحظة شديدة الحساسية في الإقليم على المستويين الأمني والسياسي، ما أضفى على الزيارة وزنا استثنائيا منذ لحظتها الأولى، بدأ من الإعلان عن الزيارة الذي لم يتم عبر بيان حكومي تقليدي، بل جاء من خلال رسالة مباشرة نشرها لاريجاني على حسابه عبر منصة اكس، قال فيها إنه يتوجه إلى البلد التي وصفها بالصديق وبالشقيق ، مذكرا بموقف الشعب الباكستاني الداعم لإيران خلال حرب يونيو/ تشرين الثاني 2025.

هذا وقد انعكست أهمية الزيارة منذ لحظة وصول لاريجاني إلى مطار إسلام آباد، حيث كان في استقباله نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني، محمد إسحاق دار، وبعد الاستقبال وخلال تصريحات مقتضبة للصحافة عند وصوله، أكد لاريجاني المكانة الإقليمية المحورية لباكستان، مشيرا إلى أن التعاون بين طهران وإسلام آباد قادر على المساهمة في السلام المستدام في المنطقة.
جدير بالذكر أن تلك الزيارة تأتي بعد ثمان سنوات من زيارة لاريجاني إلى باكستان، حين توجه إلى إسلام آباد في ديسمبر/ كانون الأول 2017 بصفته رئيس البرلمان الإيراني للمشاركة في مؤتمر رؤساء برلمانات الدول الست.
من جانبه، قال رضا أميري مقدم، سفير إيران في باكستان، قبيل زيارة علي لاريجاني إلى إسلام أباد” إن الدكتور علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، سيقوم بزيارة غير مسبوقة إلى باكستان، والتي تعتبر نقطة تحول تاريخية ولحظة محورية تدخل فيها العلاقات المتينة والمختبرة بين شعبينا الشقيقين مرحلة استراتيجية جديدة”.

محطات الزيارة والأجندة المرتقبة
أعطت لقاءات لاريجاني في اليوم الأول لزيارته صورة واضحة عن حجم الملفات المطروحة للنقاش وأهمية الزيارة بالنسبة للطرفين، ففي أول محطة رسمية، التقى لاريجاني بإسحاق دار، الذي استهل الاجتماع بتهنئة المسؤول الإيراني على تعيينه أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي، وخلال اللقاء، ناقش الطرفان آخر التطورات الإقليمية، خصوصا تلك المرتبطة بالعالم الإسلامي، والتحديات الأمنية التي تفرضها الأزمات المتلاحقة في الشرق الأوسط، وفي مقدمتها التهديدات المتصاعدة من جانب الاحتلال الإسرئيلي، وخلال اللقاء أيضا أوضح لاريجاني أن طهران تعتبر اتفاقية الدفاع الاستراتيجي بين إسلام آباد والرياض خطوة إيجابية تصب في مصلحة الأمن الجماعي في المنطقة، وانها مستعدة للمشاركة فيها بما يعزز هذا التوجه.

وقد كان اللقاء، حسب مصادر إعلامية، مطولا ومشحونا بالملفات ذات الطابع الاستراتيجي، فقد تطرق الجانبان إلى الوضع في أفغانستان، التي تشترك مع البلدين بحدود واسعة ومتشابكة، وهو موضوع يتداخل فيه الأمن الحدودي، ملف الجماعات المسلحة، وحركة التجارة والنقل، كما تناول اللقاء مستقبل التعاون الأمني بين البلدين في ظل ما تشهده المنطقة من تحركات عسكرية وسياسية متسارعة.
ومن المقرر أن يلتقي أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني خلال اليوم الأول من زيارته لباكستان برئيس البرلمان ورئيس الوزراء ورئيس الجمهورية الباكستانية، وتشمل أجندة لاريجاني مع كبار مسؤولي إسلام أباد عدة موضوعات على رأسها، متابعة آخر المستجدات المتعلقة بالعلاقات الثنائية بين إيران وباكستان، متابعة الاتفاقيات المشتركة، التطورات الإقليمية والدولية، والقضايا المهمة للعالم الإسلامي.
أبعاد الزيارة
تحمل زيارة لاريجاني إلى باكستان أبعادا تتجاوز اللقاءات الرسمية والتنسيق الثنائي؛ فهي تعكس توجها استراتيجيا إيرانيا تجاه إعادة هندسة العلاقات الإقليمية وتثبيت قواعد جديدة للأمن المشترك مع دول محورية في المنطقة، ويمثل اختيار باكستان تحديدا خطوة ذات رمزية واضحة، لأنها، وحسب تحليلات إيرانية، دولة ذات ثقل سكاني وعسكري، ولأن موقعها الجيوسياسي يجعلها نقطة اتصال بين الشرق الأوسط وجنوب آسيا، كما أن توازناتها الدولية، بين الصين والولايات المتحدة والسعودية وإيران، تجعل من علاقتها بطهران إحدى حلقات التأثير في معادلات أكبر من إطار العلاقات الثنائية.

أحد أبرز دوافع الزيارة يتمثل في رغبة طهران في التكيف مع التغيرات المتسارعة في السياسة الباكستانية، فالتحولات الأخيرة، ومنها التقارب مع واشنطن والرئيس ترامب، والتطور في العلاقات الدفاعية مع الرياض، تجعل من الضروري لإيران أن تبادر إلى تثبيت حضورها في الساحة الباكستانية، حتى لا تجد نفسها خارج المعادلة، كذلك، فإن التقارير حول صفقات تسليحية محتملة تتوسط فيها باكستان لصالح إيران تعكس مستوى جديدا من التعاون الدفاعي الذي تحتاجه طهران في ظل العقوبات والضغوط الدولية.
الدافع الثاني ذو طابع اقتصادي صريح، فإيران التي تعاني من ضغوط اقتصادية كبيرة تسعى إلى شراكات جديدة تخفف من أثر العقوبات، وتفتح أسواقا بديلة، وتخلق مسارات تجارية يمكن الاعتماد عليها، وباكستان، بقدراتها السكانية والاقتصادية، وبتحوّلها إلى محور يربط بين مبادرة الحزام والطريق الصينية والكتلة الإسلامية، تمثل فرصة مهمة لإيران.

أما الدافع الثالث فهو أمني محوري، مرتبط بالحدود المشتركة بين البلدين، وبما تشهده من نشاط للجماعات المسلحة، فالتنسيق الأمني مع باكستان ضرورة لإيران، التي تدرك أن أي خلل على الحدود الشرقية ستكون له تداعيات مباشرة على أمنها الداخلي، ومن جهة باكستان، فإن إيران شريك لا يمكن تجاهله في أي ترتيبات تتعلق بالاستقرار في أفغانستان، وهو ملف لا ينفصل عن أمن باكستان القومي.
الدافع الرابع ذو طابع إقليمي أشمل، ويكمن في محاولة إيران بناء محور إسلامي يعيد التوازن في مواجهة التحالفات الجديدة التي تتشكل في المنطقة، سواء تلك التي تقودها الولايات المتحدة أو الصين أو بعض دول الخليج، وفي سياق يتزايد فيه الضغط على القضايا الإسلامية، وعلى رأسها فلسطين.
أما الدافع الخامس فهو دبلوماسي رمزي، يتمثل في رغبة إيران في إرسال رسالة مفادها أنها لا تزال لاعبا أساسيا قادرا على التحرك خارج محيطها التقليدي، وأن علاقتها مع باكستان ليست علاقة ظرفية، بل علاقة ممتدة وعميقة، وتكشف الزيارة عن إدراك إيراني بأن بناء علاقات قوية مع دول لها أدوار مؤثرة في آسيا الوسطى وجنوب آسيا سيمنح طهران مساحة أكبر للحركة في ظل الضغوط الدولية الراهنة.
خلاصة هذه الأبعاد تشير إلى أن زيارة لاريجاني ليست مجرد اجتماع بين دولتين جارتين، بل تحرك استراتيجي يراد منه وضع أسس جديدة للتعاون الأمني والاقتصادي والسياسي، وتثبيت موقع إيران ضمن معادلات إقليمية أكثر تعقيدا مما كانت عليه خلال العقد الماضي، ومع تزايد التحديات التي تواجه إيران من ناحية وباقي دول العالم العربي والإسلامي من ناحية أخرى، تبدو الزيارة خطوة أولى ضمن سلسلة من التحركات التي قد تعيد رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة في السنوات المقبلة.
محطات العلاقات الإيرانية الباكستانية
تعود جذور العلاقات الإيرانية الباكستانية إلى عام 1947، حين كانت إيران أول دولة في العالم تعترف رسميا بقيام دولة باكستان بعد استقلالها عن الهند، وقد شكل هذا الاعتراف المبكر حجر الأساس لعلاقة وثيقة بين البلدين، خصوصا في ظل التحديات الجيوسياسية التي كانت تواجههما في جنوب آسيا وغرب آسيا، وفي خمسينيات القرن الماضي، تعاون الطرفان ضمن ترتيبات أمنية مدعومة من الغرب، مثل حلف بغداد ومنظمة المعاهدة المركزية (سنتو)، في محاولة لتشكيل جبهة إقليمية ضد النفوذ السوفييتي المتصاعد في تلك الحقبة.

وعلى الرغم أن انتصار الثورة في إيران عام 1979 قد أدى إلى تبدل كبير في سياساتها الخارجية، إلا أن العلاقات مع باكستان استمرت بمستوى جيد، بل اتخذت طابعا جديدا مبنيا على التعاون في ملفات الأمن الحدودي وتطورات أفغانستان، وخلال الحرب العراقية الإيرانية اتبعت باكستان سياسة الحياد الإيجابي تجاه طهران، الأمر الذي ساهم في تجنب توترات كبيرة رغم الضغوط الدولية على إسلام آباد، كما شهدت تلك الفترة بداية التنسيق الأمني لمواجهة الجماعات المسلحة التي نشطت في المناطق الحدودية.
ومع انسحاب الاتحاد السوفييتي من أفغانستان ودخول البلاد في حرب أهلية، تعاملت إيران وباكستان مع ملفات متشابكة ومعقدة، أبرزها دعم الفصائل الأفغانية المختلفة، وفي النصف الثاني من التسعينيات، أدى صعود حركة طالبان، المدعومة تاريخيا من أجهزة في باكستان، إلى بروز مرحلة من التوتر الحذر بين البلدين، خصوصا بعد حادثة مقتل دبلوماسيين إيرانيين في مزار شريف عام 1998، ومع ذلك، لم تنقطع العلاقات بالكامل، بل استمر التنسيق لضمان استقرار الحدود واحتواء تأثيرات الحرب داخل أفغانستان.
دخلت العلاقات مسارا أكثر استقرارا بعد سقوط طالبان عام 2001، حيث ركز البلدان على قضايا مكافحة الإرهاب، وأمن الحدود، وتعزيز التعاون الاقتصادي. وبرز مشروع خط الغاز السلام الذي يفترض أن ينقل الغاز الإيراني إلى باكستان وربما الهند، كأكبر مشروع اقتصادي بين البلدين رغم الضغوط الأميركية التي أعاقت تنفيذه، وفي العقد الأخير، سعى البلدان إلى رفع حجم التبادل التجاري، والانخراط في مشاريع الربط الإقليمي مثل ممر الحزام والطريق وخط سكة الحديد إيرا باكستان تركيا، وترافق ذلك مع تعاون أمني متزايد لمكافحة الجماعات المتمردة في بلوشستان وتهريب المخدرات.



