- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 733 Views
في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها الساحة البحرية الدولية، برزت خلال الأسابيع الأخيرة تطورات لافتة أعادت تسليط الضوء على توازنات القوة في تجارة النفط العابرة للمحيطات، وما يرافقها من صراعات قانونية وسياسية متشابكة. فقد تحولت قضايا احتجاز السفن وتنازع الصلاحيات بين الدول إلى ساحة تعكس حجم الضغوط الاقتصادية والجيوسياسية التي تتعرض لها بعض القوى الإقليمية، لتكشف تدريجيا عن خريطة أوسع للصراع على مصادر الطاقة وطرق تمريرها، ولتضع أسئلة حساسة حول قدرة الدول على حماية مصالحها النفطية في ظل تصاعد العقوبات وتعدد اللاعبين الإقليميين والدوليين
ففي الثاني من ديسمبر/ كانون الأول 2025، تستعد إندونيسيا لطرح واحدة من أكبر ناقلات النفط الإيرانية في مزاد علني، بعد احتجازها منذ عام 2023 بتهم تتعلق بنقل غير قانوني للنفط الخام وتسبب بتلوث بحري في مياه بحر ناتونا، هذا التطور الذي بدا للوهلة الأولى مجرد إجراء قانوني في سياق انتهاكات بحرية، سرعان ما تحول إلى حدث سياسي واقتصادي واسع التأثير، نظرا لحجم السفينة، وقيمة شحنتها، وطبيعة العلاقات الإيرانية الإندونيسية، والأهم من ذلك، موقع القضية ضمن شبكة أعقد من الضغوط الدولية والعقوبات التي تطال قطاع النفط الإيراني.

خلفية القصة
بدأت القصة في 11 يوليو/ أيلول للعام 2023، عندما أعلنت السلطات الإندونيسية أنها احتجزت ناقلة نفط إيرانية كانت ترفع العلم الإيراني في المياه الإقليمية للبلاد، وذلك بعد الاشتباه في قيامها بنقل غير قانوني للنفط الخام، وذكر خفر السواحل الإندونيسي في بيان رسمي أن السفينة، التي تحمل اسم آرمان 114، كانت تنقل نحو 272 ألف طن من النفط الخام الخفيف، وأن طاقمها كان يعتزم تحويل الشحنة إلى ناقلة أخرى تحمل علم الكاميرون من دون الحصول على التراخيص البحرية المطلوبة.

وأشارت السلطات الإندونيسية إلى أن عمليات النقل بين السفن تعد من الأنشطة التي تراقبها جاكرتا بدقة، نظرا لاستخدامها في الالتفاف على العقوبات الدولية ولما قد تشكله من تهديد بيئي، خصوصا مع وجود تقارير عن إطفاء أنظمة الملاحة والعبث بنظام التعقب.
هذا فيما لم تكن هذه الحادثة الأولى من نوعها بين البلدين، ففي يناير/ كانون الثاني 2021 احتجزت جاكرتا ناقلة النفط الإيرانية هورس في مياه كاليمانتان الغربية، آنذاك، صرحت وزارة الخارجية الإيرانية بأن توقف الناقلة كان نتيجة عطل فني، مؤكدة أن السفينة كانت تعمل بشكل طبيعي وأن الاتهامات الإندونيسية لا تستند إلى وقائع دقيقة، لكن رواية خفر السواحل الإندونيسي في ذلك الوقت اختلفت تماما، إذ أشار مسؤولوها إلى وجود عدة مخالفات، منها عدم رفع العلم الوطني، إطفاء أجهزة الملاحة، الرسو غير القانوني، النقل غير المصرح به للوقود بين السفن، بل والاشتباه في إلقاء النفط في البحر.

وفي سياق متصل، ذكرت مصادر أمريكية أن ناقلة هورس كانت تحمل 2.1مليون برميل من النفط متجهة إلى فنزويلا، ما أضفى على القضية بعدا دوليا يتجاوز الإطار البحري المحلي.
تفاصيل ما كشفته إندونيسيا عن السفينة المحتجزة
كانت الناقلة آرمان 114 واحدة من أكبر السفن التي تعمل ضمن ما تسميه دوائر الاستخبارات الغربية بأسطول الظل الإيراني، ذلك الأسطول الذي تستخدمه طهران للالتفاف على العقوبات وبيع النفط عبر موانئ وشحنات متخفية، وهي سفينة عملاقة بنيت سنة 1997 في كوريا الجنوبية، وكانت تحمل عند احتجازها نحو 166.975 طنا من النفط الخام الخفيف، أي ما يعادل 1.2 مليون برميل، تقدر قيمتها السوقية بأكثر من 70 مليون دولار، وقد أعلنت النيابة العامة الإندونيسية أن المزاد يشمل السفينة وشحنتها النفطية كاملة، على أن يبدأ بسعر افتتاحي يبلغ 70 مليون دولار، ودفعة تأمين تبلغ 7 ملايين دولار لكل مشارك.

قالت السلطات الإندونيسية إن السفينة كانت تقوم بعملية نقل نفط من سفينة إلى سفينة بطريقة غير قانونية إلى ناقلة تعرف باسم MT S Tinosوتحمل علم الكاميرون، وتشير التحقيقات الأندونيسية إلى أن نظام التعرف الآلي للسفينة كان مطفأ عمدا، وأن بيانات موقعها كانت مضللة، إذ أظهرت أنها تبحر في البحر الأحمر بينما كانت فعليا في بحر ناتونا شمالي إندونيسيا، هذا السلوك، من وجهة نظر جاكرتا، قد شكل انتهاكا واضحا للقوانين البحرية الدولية ولوائح منظمة ماربول، الاتفاقية الدولية لمنع التلوث من السفن، كما أدى بحسب الصور الجوية إلى تسرب نفطي أضر بمياه المنطقة، مما عزز قرار إدانة القبطان المصري للسفينة والحكم عليه بالسجن سبع سنوات وغرامة مالية كبيرة.
لكن رواية طهران مختلفة، إذ نفت في البداية صلتها بالشحنة، وذكرت وزارة النفط الإيرانية أن الشحنة تابعة لشركات خاصة، ورغم ذلك، لم تتخذ إيران أي خطوات دبلوماسية واضحة أو احتجاجات قوية، وهو ما اعتبره مراقبون إشارة إلى رغبة طهران في عدم التصعيد، خصوصا في ظل علاقاتها التجارية والإسلامية مع جاكرتا، ومع مصالح إندونيسيا المتنامية في مشاريع الطاقة الإيرانية، ومع ذلك، فإن التزام الهدوء الإيراني لم يمنع الشكوك من التوسع حول مدى قدرة طهران الحقيقية على حماية أسطولها البحري في ظل اتساع العقوبات الأمريكية والأوروبية.

الملفت في القضية ليس فقط قرار الاحتجاز ولا المزاد، بل الطريقة التي جرى بها تحويل السفينة إلى ملكية الدولة الإندونيسية عبر حكم قضائي، ثم إدراجها ضمن أصول قابلة للبيع، هذا التحول يعكس ما يمكن وصفه بنقطة تحول قانونية في تعامل الدول مع السفن الخاضعة للعقوبات، إذ أصبح الكثير من الدول الآسيوية، يتخذون خطوات أكثر صرامة تجاه السفن المتورطة في نقل النفط الإيراني، خوفا من العقوبات الثانوية التي تفرضها واشنطن.
وفي الوقت الذي تحرص فيه إندونيسيا على إعلان أن الإجراء قانوني بحت وغير مرتبط بأي ضغوط خارجية، فإن معطيات الواقع تشير إلى أن العقوبات الأمريكية لعبت دورا حاسما في تيسير عملية التعقب والاحتجاز، كما أن المزاد نفسه يجري ضمن إطار يسمح لإندونيسيا بتحويل السفينة إلى مصدر دخل وتعويض عن الأضرار البيئية التي تقول إنها لحقت بمياهها الإقليمية.
وما يزيد من تعقيد القضية هو صلتها بشبكة أوسع من احتجاز الأصول الإيرانية حول العالم. فقبلها بأشهر، صادرت محاكم في ماليزيا والولايات المتحدة مبالغ ضخمة من أرصدة شركة نيكو لتابعة لشركة النفط الوطنية الإيرانية، ضمن أحكام مرتبطة بقضية تحكيم كريسنت التي بلغت تعويضاتها أكثر من 14 مليار دولار، وفي عام 2022، احتجزت اليونان ناقلة إيرانية للسبب نفسه تقريبا، قبل أن تفرج عنها بعد تسوية دبلوماسية، كما واجهت طهران تجميدا لممتلكاتها في الإمارات واليونان وهولندا وماليزيا في قضايا مشابهة.
آرمان 114… حلقة في سلسلة من الضغوط على تجارة النفط الإيرانية
مما سبق يمكن القول إن احتجاز آرمان 114 ليس حادثا منفردا، بل جزءا من سلسلة أطول ذات أثر متراكم على قدرة إيران على التحكم في تجارتها النفطية في الأسواق الآسيوية، فوفقا لشركات تحليل حركة السفن، فإن نحو 80% مما يعرف بأسطول الظل الإيراني المكون من 1140 ناقلة أصبح اليوم خاضعا للعقوبات، ما يزيد من تعقيد عملية البيع والشراء والإصلاح والتأمين وتسوية النزاعات.
وفي هذا السياق، يتنامى دور الدول التي تقع في الهامش الجغرافي بين الشرق الأوسط وشرق آسيا، مثل ماليزيا وإندونيسيا والهند وسنغافورة، والتي بات وجود السفن الإيرانية القديمة في موانئها يمثل عبئا سياسيا أكثر منه مصدر تجارة مربحة، فوفق التقارير، فمصانع تفكيك السفن في الهند، على سبيل المثال، ترفض شراء السفن الخاضعة للعقوبات خوفا من العقوبات الأمريكية، رغم أن صفقات عدة تمت عبر وسطاء مجهولين في العام الأخير، هذا الانكماش في الخيارات يضع ضغوطا إضافية على ناقلات النفط الإيرانية التي قد تتعطل أو تحتجز في أي لحظة بسبب خلل فني أو بلاغ قانوني أو شك في نقل نفط غير شرعي.
وإذا كان حادث آرمان 114 قد بدأ كقضية مخالفة بحرية، فإنه اليوم أصبح مرآة تعكس واقعا أشمل، يتمثل في تراجع تأثير الردع الإيراني خارج حدودها، وتزايد جرأة الدول المتوسطة والصغرى على التعامل بحزم مع ممتلكاتها البحرية في ظل غياب دفاع دبلوماسي فعال من طهران، فالأسئلة التي تتردد داخل إيران اليوم أوسع من مجرد مزاد سفينة، بل امتداد لتساؤل شعبي حول أسباب سهولة مصادرة الأصول النفطية الإيرانية في عواصم عدة، من لندن إلى كوالالمبور، ومن اليونان إلى جاكرتا.

وكما حدث في قضايا سابقة، من المرجح أن تدار هذه الأزمة عبر القنوات الدبلوماسية الهادئة، لا سيما في ظل العلاقات التجارية الكبيرة بين البلدين، إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين إيران وإندونيسيا أكثر من مليار دولار عام 2024، ورغم أن المزاد قد يتم بالفعل، إلا أن هناك احتمالات لحلول وسط قد تطرح لاحقا، وفقا لتقديرات إيرانية، مثل شراء السفينة من قبل طرف ثالث مقرب من إيران، أو تسوية مالية مع جاكرتا بعد انتهاء عملية البيع.

ومع أن إيران لم تصدر ردا غاضبا أو تحذيرات صريحة كما فعلت في حالات مشابهة مع كوريا الجنوبية أو بريطانيا، إلا أن صمتها النسبي لا يعني أن الموضوع لا يمثل لها أهمية، بل قد يعكس إدراكا بأن التصعيد في هذه المرحلة سيؤدي إلى خسارة أكبر، خصوصا أن شحنة النفط في السفينة كبيرة للغاية، وقد تعد أكبر خسارة بحرية منفردة تتعرض لها إيران منذ تشديد العقوبات الأمريكية في 2018.
في نهاية المطاف، لا تمثل قضية آرمان 114 مجرد حادثة بحرية، بل هي حلقة إضافية في سلسلة طويلة من المواجهات القانونية والدبلوماسية حول الأصول الإيرانية، وتكشف عن عمق الضغوط الدولية ومدى قدرة إيران المحدودة على مواجهة موجة المصادرات التي تطال ممتلكاتها حول العالم، إنها قصة سفينة، لكنها أيضا قصة دولة تواجه معركة طويلة على أكثر جبهاتها حساسية، النفط.

