الإمارات وإيران…من التهدئة الحذرة إلى حافة المواجهة الإقليمية

لم تعد العلاقات بين الإمارات وإيران محكومة فقط بحسابات الجوار الجغرافي والمصالح الاقتصادية، بل أصبحت في قلب التحولات الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط. فالتصعيد العسكري غير المسبوق، والاتهامات المتبادلة، والتقارب الإماراتي الإسرائيلي، ومحاولات إعادة صياغة التوازنات الأمنية في الخليج، كلها عوامل دفعت العلاقة بين أبو ظبي وطهران إلى مرحلة شديدة الحساسية والتعقيد. وفي ظل تراجع الثقة بالضمانات الأمريكية، وصعود التحالفات الإقليمية الجديدة، تبدو المنطقة أمام مشهد مفتوح على احتمالات متعددة تتراوح بين الاحتواء والتصعيد.

العلاقات الثنائية بين التصعيد العسكري ومحاولات الاحتواء السياسي

شهدت العلاقات بين الإمارات العربية المتحدة وإيران خلال الأشهر الأخيرة واحدة من أكثر مراحلها تعقيدا منذ سنوات، بعدما انتقلت من حالة التنافس السياسي والحذر الأمني إلى مستوى غير مسبوق من التوتر المباشر، تخللته اتهامات متبادلة بالمشاركة في عمليات عسكرية واستهداف منشآت حيوية، بالتزامن مع استمرار محاولات دبلوماسية لاحتواء الأزمة ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.

فعلى الرغم من أن العلاقات بين أبو ظبي وطهران عرفت خلال السنوات الماضية محطات متعددة من التوتر والتهدئة، فإن التطورات الأخيرة كشفت، حسب قراءات، عن تحول نوعي في طبيعة هذه العلاقة، خاصة مع الاتهامات الإيرانية المتكررة للإمارات بالانخراط في الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، سواء بشكل مباشر أو عبر التنسيق الأمني والعسكري مع تل أبيب وواشنطن.

وقد برز هذا التوتر أخيرا بشكل واضح خلال اجتماع وزراء خارجية مجموعة بريكس في نيودلهي، حين تحول الخلاف السياسي بين البلدين إلى مواجهة علنية، ففي أعقاب تصريحات لوزير الخارجية الإماراتي تضمنت اتهامات ومواقف ضد إيران، رد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بلهجة حادة، معتبرا أن الإمارات شريك نشط في العدوان العسكري الذي تعرضت له بلاده. ولم يكتف عراقجي بذلك، بل أكد أن أبو ظبي لم تدن الهجمات التي استهدفت إيران، وهو ما اعتبره دليلا على تورطها السياسي والعسكري في الحرب.

Image

وجاء هذا التصعيد الدبلوماسي بعد تقارير تحدثت عن زيارة سرية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الإمارات خلال الحرب، وهي التقارير التي نفتها أبو ظبي لاحقا، إلا أن مجرد تداولها فتح الباب أمام مزيد من التوتر. فقد اعتبر مسؤولون إيرانيون أن استضافة الإمارات لنتنياهو في ذروة المواجهة العسكرية يمثل خطأ استراتيجيا وتصرفا عدائيا ضد إيران.

وفي هذا السياق، شن عدد من المسؤولين الإيرانيين هجوما سياسيا وإعلاميا واسعا على الإمارات، حيث اعتبر علاء الدين بروجردي، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، أن استضافة نتنياهو خلال الحرب كانت أحد أكبر أخطاء الإمارات، مضيفا أن أبو ظبي تسعى منذ سنوات إلى لعب دور يفوق قدراتها الحقيقية، وأن تداعيات هذا السلوك ستعود عليها عاجلا أم آجلا.

Image

لكن اللافت في المشهد لم يكن فقط التصعيد السياسي، بل أيضا الاتهامات المتزايدة بشأن انخراط الإمارات في عمليات عسكرية ضد إيران، فقد نقلت وسائل إعلام أمريكية وغربية، من بينها وول ستريت جورنال وبلومبرغ، عن مصادر وصفت بالمطلعة، أن الإمارات نفذت هجمات سرية ضد أهداف داخل الأراضي الإيرانية، بالتنسيق مع إسرائيل والولايات المتحدة.

وبحسب تلك التقارير، فإن القوات الإماراتية استهدفت منشآت نفطية وبتروكيميائية إيرانية، أبرزها مصفاة جزيرة لاوان في الخليج العربي، إضافة إلى منشآت في عسلوية، وذلك ردا على هجمات إيرانية استهدفت منشآت إماراتية، من بينها منشآت بروج البتروكيميائية.

وأشارت التقارير إلى أن الإمارات استخدمت مقاتلات غربية وشبكات تجسس متطورة لتنفيذ تلك العمليات، في خطوة اعتبرت تحولا مهما في العقيدة العسكرية الإماراتية، التي باتت أكثر ميلا إلى التدخل العسكري المباشر لحماية مصالحها الاقتصادية وتعزيز نفوذها الإقليمي.

Image

في المقابل، ردت إيران بسلسلة واسعة من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة على الإمارات، حتى إن بعض التقارير تحدثت عن إطلاق أكثر من 2800 مقذوف باتجاه الأراضي الإماراتية خلال فترة الحرب، وهو عدد يفوق الهجمات التي تعرضت لها أي دولة أخرى في المنطقة، بما فيها إسرائيل.

وتسببت هذه الهجمات في اضطرابات واسعة داخل الإمارات، شملت تعطيل حركة الطيران، وتراجع النشاط السياحي، واهتزاز سوق العقارات والأسواق المالية، فضلا عن إلغاء آلاف الرحلات الجوية وخسائر بمليارات الدولارات في أسواق دبي وأبو ظبي.

ورغم هذا التصعيد غير المسبوق، فإن الإمارات حاولت في الوقت نفسه الإبقاء على نافذة سياسية مفتوحة مع طهران، حيث أكد مستشار رئيس دولة الإمارات أن العلاقات العربية الإيرانية لا يمكن أن تبنى على المواجهات والصراعات، مشددا على أن أبو ظبي ما زالت تفضل الحلول السياسية ومسار التفاوض.

يعكس هذا التناقض بين التصعيد الأمني والخطاب السياسي الحذر طبيعة المقاربة الإماراتية الحالية تجاه إيران. فمن جهة، ترى أبو ظبي أن التهديدات الإيرانية تستوجب تعزيز الشراكات الأمنية والعسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ومن جهة أخرى تدرك أن أي انفجار شامل في المنطقة ستكون له انعكاسات كارثية على الاقتصاد الخليجي، وخاصة الاقتصاد الإماراتي الذي يعتمد على الاستقرار والانفتاح التجاري والاستثماري.

Image

كما أن الإمارات تبدو حريصة على عدم قطع خطوط التواصل مع إيران بشكل كامل، إدراكا منها لأهمية العلاقة الاقتصادية والجغرافية بين البلدين. فإيران ما زالت شريكا تجاريا مهما للإمارات، كما أن أمن الملاحة في الخليج ومضيق هرمز يفرض على الطرفين نوعا من التعايش الإجباري مهما بلغت حدة التوتر.

وفي المقابل، تبدو إيران منقسمة بين تيار يدعو إلى التصعيد والرد القاسي على ما تعتبره تواطؤا إماراتيا مع إسرائيل، وبين تيار آخر يرى ضرورة إبقاء باب الحوار مفتوحا مع دول الخليج، وخاصة السعودية والإمارات، لمنع تشكل جبهة إقليمية موحدة ضد طهران، ولذلك، يمكن القول إن العلاقات الإماراتية الإيرانية دخلت مرحلة جديدة تتسم بازدواجية واضحة، مواجهة أمنية وعسكرية غير مباشرة، يقابلها حرص متبادل على عدم الانزلاق إلى قطيعة شاملة أو حرب مفتوحة.

الاصطفافات الإقليمية الجديدة وصراع النفوذ في الخليج والشرق الأوسط

هذا ولم تعد التوترات بين الإمارات وإيران مجرد خلاف ثنائي تقليدي بين دولتين متجاورتين في الخليج، بل أصبحت جزءا من عملية إعادة تشكيل واسعة للتوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط، في ظل الحرب الأخيرة، وتراجع الحضور الأمريكي المباشر، وظهور تحالفات ومحاور جديدة تتنافس على رسم ملامح النظام الإقليمي المقبل.

وفي قلب هذه التحولات، برز الحديث عن محور إقليمي جديد يتمحور حول الإمارات وإسرائيل، ويقوم على شراكة أمنية وعسكرية متنامية ترى في إيران التهديد الأكبر لأمن المنطقة. وقد تحدثت تقارير وتحليلات متعددة عن تعمق التعاون بين أبو ظبي وتل أبيب، سواء على مستوى تبادل المعلومات الاستخباراتية، أو التنسيق العسكري، أو أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي.

Image

ووفقا لتقارير إعلامية غربية، فإن إسرائيل زودت الإمارات بمنظومات دفاعية متطورة، بينها القبة الحديدية، إضافة إلى طواقم تشغيل وصواريخ اعتراضية، في خطوة غير مسبوقة تعكس مستوى الثقة والتنسيق بين الجانبين.

كما تحدثت التقارير عن تعاون مباشر بين الإمارات وإسرائيل في عمليات استهداف منشآت إيرانية، سواء في جزيرة لاوان أو في عسلويه، في إطار رد مشترك على الهجمات الإيرانية التي طالت منشآت إماراتية.

ويرى مراقبون أن هذا التقارب ليس وليد الحرب الأخيرة فقط، بل هو امتداد لمسار بدأ مع اتفاقيات إبراهيم عام 2020، حين قررت الإمارات تطبيع علاقاتها مع إسرائيل والانخراط في مشروع إقليمي جديد تقوده واشنطن، يقوم على دمج إسرائيل في البنية الأمنية للمنطقة، لكن الحرب الأخيرة سرعت هذا المسار بشكل كبير، ودفعت أبو ظبي إلى الاقتناع أكثر بأن إسرائيل يمكن أن تشكل شريكا أمنيا مهما في مواجهة إيران، خاصة في ظل تراجع الثقة الخليجية في قدرة الولايات المتحدة على توفير الحماية الكاملة لحلفائها.

في المقابل، أظهرت السعودية مقاربة مختلفة وأكثر حذرا. فرغم مشاركة الرياض في بعض أطر التنسيق الأمني والدفاعي الإقليمي، فإنها تجنبت الانخراط المباشر في المواجهة العسكرية مع إيران، وفضلت التركيز على تعزيز قدراتها الدفاعية، مع الاستمرار في سياسة الانفتاح الحذر على طهران.

Image

وقد تجلى هذا التباين بوضوح في المواقف المتبادلة بين شخصيات قريبة من دوائر صنع القرار في البلدين، فبينما انتقد أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، ما وصفه بضعف رد الفعل الخليجي تجاه إيران، دافع الأمير تركي الفيصل عن النهج السعودي القائم على تجنب الانجرار إلى حرب شاملة مع طهران.

ويعكس هذا الخلاف رؤية مختلفة لمستقبل النظام الإقليمي. فالإمارات تبدو أقرب إلى رؤية تعتبر إسرائيل عنصر توازن استراتيجيا في مواجهة إيران، بينما ترفض السعودية قيام نظام إقليمي تهيمن عليه إيران أو إسرائيل في آن واحد. كما أن التباينات بين الرياض وأبو ظبي لا تقتصر على الملف الإيراني، بل تمتد إلى أزمات إقليمية متعددة، مثل اليمن والسودان وليبيا والقرن الإفريقي، حيث تتبنى الدولتان مقاربات متناقضة أحيانا.

ففي اليمن، تدعم السعودية الحكومة المعترف بها دوليا ووحدة البلاد، بينما تدعم الإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي ذي التوجهات الانفصالية. وفي السودان، تشير تقارير إلى دعم إماراتي لقوات الدعم السريع، في حين تركز السعودية على دعم مؤسسات الدولة ومحاولات الوساطة، أما في ليبيا، فقد دعمت الإمارات عسكريا قوات خليفة حفتر، بينما ركزت السعودية على دعم العملية السياسية ووحدة الدولة الليبية.

وقد دفعت هذه التباينات بعض المحللين إلى الحديث عن تشكل محورين إقليميين متنافسين، الأول يتمحور حول الإمارات وإسرائيل، والثاني يضم السعودية وتركيا ومصر وقطر وباكستان، مع اختلافات في الرؤى بشأن مستقبل الأمن الإقليمي.

Image

إلا أن خبراء آخرين يرون أن هذه التحالفات ما زالت هشة وغير مستقرة، وأنها أقرب إلى ردود فعل مؤقتة على الأزمات الحالية، أكثر من كونها ترتيبات استراتيجية طويلة المدى.

وفي هذا السياق، اعتبر الخبير في الشؤون السعودية، كامران كرمي، أن الحديث عن تحالفات جديدة يعكس تغيرا في طبيعة المنطقة، لكنه أشار إلى أن الكثير من هذه الاصطفافات يحمل وزنا إعلاميا وتحليليا أكبر من قدرته الفعلية على الاستمرار، وأوضح أن الشرق الأوسط شهد خلال العقود الماضية تحالفات سريعة التشكل والانهيار، وأن المشكلة الأساسية تكمن في غياب رؤية إقليمية مشتركة قائمة على استبدال الصراع بالتنافس المنظم.

Image

وأضاف أن معظم هذه التحالفات لا تنسجم مع البنية الأمنية الحقيقية للمنطقة، لأنها تقوم على الإقصاء والاستقطاب، وليس على بناء توازنات مستدامة تراعي مصالح مختلف القوى الإقليمية.

في المقابل، تبدو إيران حذرة من تشكل محور خليجي إسرائيلي واسع ضدها، ولذلك تحاول الحفاظ على قنوات التواصل مع السعودية وسلطنة عمان وقطر، وتجنب دفع هذه الدول إلى الارتماء الكامل في التحالفات المعادية لطهران.

ومن هنا، يمكن فهم الاهتمام الإيراني المتزايد بأي مبادرات إقليمية للحوار أو عدم الاعتداء، باعتبارها فرصة لمنع تشكل نظام أمني إقليمي معاد بشكل كامل لإيران.

الأبعاد الدولية للأزمة… مستقبل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط

تتجاوز الأزمة الحالية بين الإمارات وإيران حدود التنافس الخليجي التقليدي، لتصبح جزءا من صراع أوسع يرتبط بإعادة تشكيل النظام الإقليمي والدولي في الشرق الأوسط، في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة والعالم. فالحرب الأخيرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، كشفت عن تراجع نسبي في قدرة واشنطن على فرض معادلات مستقرة في المنطقة، وأظهرت في الوقت نفسه تنامي أدوار القوى الإقليمية التي باتت تسعى إلى تأمين مصالحها عبر شراكات وتحالفات متعددة.

في هذا السياق، برزت الإمارات كواحدة من أكثر الدول الخليجية اندفاعا نحو بناء شراكات أمنية وعسكرية متقدمة مع إسرائيل والولايات المتحدة، في محاولة لتعزيز موقعها كلاعب إقليمي مؤثر في مرحلة ما بعد الهيمنة الأمريكية التقليدية، وقد اعتبرت بعض التحليلات أن أبو ظبي تسعى إلى لعب دور يتجاوز حجمها الجغرافي والديموغرافي، عبر الاستثمار في النفوذ الاقتصادي والعلاقات الدولية والتكنولوجيا العسكرية، لكن هذا الطموح يضعها أيضا في قلب الصراع الإقليمي، ويجعلها عرضة لضغوط وهجمات متزايدة، خاصة من جانب إيران التي ترى في التقارب الإماراتي الإسرائيلي تهديدا مباشرا لأمنها القومي.

Image

وفي المقابل، تبدو الولايات المتحدة وكأنها، حسب محللين، تعيد صياغة استراتيجيتها الشرق أوسطية، بحيث تعتمد أكثر على الحلفاء الإقليميين في إدارة التوازنات الأمنية، بدلا من الانخراط العسكري المباشر واسع النطاق، وقد ظهر ذلك بوضوح في تشجيع واشنطن للتعاون الأمني بين إسرائيل وبعض الدول العربية، وفي دعمها الضمني أو العلني للترتيبات الدفاعية الإقليمية الجديدة. إلا أن الحرب الأخيرة أظهرت أيضا حدود هذه الاستراتيجية، بعدما تعرضت دول الخليج، وخاصة الإمارات، لهجمات واسعة رغم المظلة الأمنية الأمريكية.

وفي هذا الإطار، برزت دعوات متزايدة داخل المنطقة للبحث عن ترتيبات أمنية جديدة تقوم على الحوار الإقليمي وتقليل الاعتماد على القوى الخارجية. فقد كشفت تقارير دولية، بينها تقرير لصحيفة فايننشال تايمز، أن السعودية طرحت فكرة ميثاق “عدم اعتداء إقليمي” مع إيران، مستوحى من نموذج هلسنكي، بهدف منع التصعيد وإعادة بناء التوازنات الأمنية في الخليج.

ويرى مراقبون أن هذه المبادرة تعكس إدراكا سعوديا بأن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة لم يعد كافيا لضمان الأمن، وأن المنطقة تحتاج إلى صيغ جديدة تقوم على التفاهمات المباشرة بين القوى الإقليمية، كما أن الاتفاق السعودي الإيراني الذي رعته الصين في بكين عام 2023 ما زال ينظر إليه باعتباره مؤشرا على دخول قوى دولية جديدة، مثل الصين، إلى معادلات الشرق الأوسط. وفي المقابل، تحاول إيران الاستفادة من هذه التحولات الدولية والإقليمية لمنع عزلها، وتعزيز موقعها في أي نظام إقليمي جديد.

لكن التحدي الأكبر أمام طهران يتمثل في كيفية التوفيق بين استراتيجيتها الأمنية التقليدية القائمة على النفوذ العسكري ومحور المقاومة، وبين متطلبات نظام إقليمي جديد باتت فيه العوامل الاقتصادية والتكنولوجية أكثر أهمية.

Image

وفي هذا السياق، حذر خبراء إيرانيون من احتمال تعرض إيران للتهميش في النظام الاقتصادي الإقليمي الناشئ، إذا لم تنجح في بناء علاقات أكثر استقرارا مع جيرانها الخليجيين. كما أن استمرار المواجهة المفتوحة مع الإمارات وإسرائيل قد يؤدي إلى تعميق عزلة إيران، خاصة إذا تمكنت أبو ظبي من تعزيز موقعها داخل شبكات التجارة والاستثمار والتكنولوجيا العالمية.

وفي الوقت نفسه، تدرك الإمارات أن استمرار التصعيد مع إيران يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الاقتصادي ودورها كمركز مالي وتجاري عالمي. ولذلك، فإنها تحاول الموازنة بين تعزيز تحالفاتها الأمنية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الإقليمي.

ومن هنا، تبدو المنطقة اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. فمن جهة، هناك اتجاه نحو بناء محاور أمنية جديدة قائمة على الاستقطاب والمواجهة، ومن جهة أخرى تظهر محاولات لبناء ترتيبات إقليمية أكثر توازنا تقوم على الحوار وتقاسم المصالح.

ويبقى السؤال الأساسي المطروح هو ما إذا كانت القوى الإقليمية قادرة على الانتقال من منطق الصراع الصفري إلى منطق التنافس المنظم والتعاون النسبي، أم أن المنطقة ستظل أسيرة دوامات الاستقطاب والحروب غير المباشرة.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو العلاقات بين الإمارات وإيران مرشحة للبقاء في دائرة التوتر الحذر خلال المرحلة المقبلة، حيث ستستمر المنافسة الأمنية والسياسية، بالتوازي مع محاولات متقطعة لمنع الانفجار الشامل، فكل من أبو ظبي وطهران تدركان أن الصدام المباشر ستكون كلفته باهظة على الطرفين وعلى المنطقة بأسرها، لكنهما في الوقت نفسه متمسكتان برؤيتين مختلفتين لمستقبل الشرق الأوسط، وهو ما يجعل التهدئة الدائمة أمرا بالغ الصعوبة في المدى المنظور.