زيارة وزير الداخلية الباكستاني إلى طهران… وساطة إقليمية بين طهران وواشنطن أم تعزيز للشراكة الثنائية؟

تعيش المنطقة حالة متصاعدة من القلق والترقب في ظل استمرار التوترات السياسية والأمنية وتزايد المخاوف من انهيار مسارات التهدئة والدخول في مرحلة أكثر اضطرابا وتعقيدا. ومع تعثر الجهود الدبلوماسية وتبادل الرسائل المتشددة بين الأطراف المختلفة، برزت مخاوف متزايدة من تراجع فرص الوصول إلى تفاهمات يمكن أن تحول دون اتساع دائرة التصعيد. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، برزت باكستان خلال الفترة الماضية كأحد الأطراف الإقليمية الساعية إلى إبقاء قنوات الحوار مفتوحة، عبر جهود وساطة وتحركات سياسية هدفت إلى تقريب وجهات النظر ومنع انزلاق الأوضاع نحو مواجهة مفتوحة. إلا أن تنامي الضغوط الإقليمية والدولية، إلى جانب تعقيدات الملفات المطروحة، أثار تساؤلات متزايدة حول قدرة إسلام آباد على الحفاظ على دورها الوسيط واستمرار تأثيرها في مسار الأحداث خلال المرحلة المقبلة.

رسائل الوساطة الباكستانية ومحاولة إنقاذ مسار التفاوض

شهدت العاصمة الإيرانية طهران، السبت 16 مايو/ آيار 2026، زيارة لافتة لوزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي، الذي وصل إلى إيران في زيارة رسمية استمرت يومين، وسط أجواء إقليمية شديدة الحساسية وتطورات متسارعة تتعلق بالمفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة. الزيارة التي قدمت رسميا في إطار تعزيز الحوار والسلام الإقليمي تجاوزت في أبعادها الطابع البروتوكولي المعتاد، بعدما ربطتها وسائل إعلام ومصادر باكستانية بدور وساطة تؤديه إسلام آباد بين طهران وواشنطن، في محاولة لتقريب وجهات النظر ودفع مسار المفاوضات المتعثرة نحو اتفاق مرحلي يخفف من حدة التوتر المتصاعد في المنطقة.

Image

هذا وتأتي زيارة نقوي في وقت تتزايد فيه المؤشرات على حراك دبلوماسي إقليمي واسع، تشارك فيه أطراف عدة، من بينها باكستان والصين، بهدف منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة، خاصة مع تصاعد الحديث عن احتمالات شن هجمات أمريكية وإسرائيلية جديدة ضد إيران، وتزايد التوترات المرتبطة بمضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني وملفات النفوذ الإقليمي، وعلى رأسها الملف اللبناني.

على أنه ومنذ اللحظة الأولى لوصول وزير الداخلية الباكستاني إلى طهران، بدا واضحا أن الزيارة تحمل أبعادا تتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية بين البلدين. فقد استقبل وزير الداخلية الإيراني، إسكندر مؤمني، نظيره الباكستاني رسميا في المطار، قبل أن يعقد الجانبان لقاء مطولا تناول العلاقات الإيرانية الباكستانية، إلى جانب آفاق استئناف مفاوضات السلام والتطورات الإقليمية، وفق ما أعلنته وسائل الإعلام الإيرانية.

Image

لكن ما منح الزيارة أهميتها الاستثنائية كان ما كشفته وسائل إعلام ومصادر باكستانية حول طبيعة المهمة التي يحملها نقوي إلى طهران. فقد ذكرت قناة ARY News الباكستانية أن وزير الداخلية الباكستاني يحمل رسالة مهمة لإيران، بينما تحدث الصحفي الباكستاني كامران يوسف عن أن الزيارة غير المعلنة بالكامل تمثل جزءا من المحاولة الأخيرة للتوصل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة.

Image

كما نقلت شبكة الحدث عن مصادر رسمية باكستانية قولها إن إسلام آباد تسعى إلى مواصلة جهود الوساطة بكل جدية، وإنها تحاول إقناع طهران وواشنطن بإظهار مزيد من المرونة في المفاوضات. وبحسب تلك المصادر، فإن الجانب الأمريكي طلب من إيران الرد على نقاط محددة طرحتها واشنطن خلال جولات التفاوض السابقة، فيما تحدثت تقارير أخرى عن أن زيارة نقوي تهدف إلى التوصل إلى صيغة اتفاق محددة قد تمهد لاتفاق مرحلي أوسع.

وتأتي هذه التحركات في سياق تعقيدات سياسية وأمنية متزايدة تشهدها المنطقة منذ فشل الجولة الأولى من المفاوضات الإيرانية الأمريكية التي استضافتها إسلام آباد في أبريل الماضي. ورغم الحديث عن تحقيق تفاهمات في عدد من الملفات، إلا أن الخلافات استمرت بشأن ملفات أساسية، قيل إن من بينها البرنامج النووي الإيراني، والوجود الإقليمي لطهران، فضلا عن الملف اللبناني الذي وصفه وزير الخارجية الباكستاني، محمد إسحاق دار، بأنه أحد أبرز نقاط الخلاف بين إيران والولايات المتحدة.

Image

وفي خضم هذه التطورات، ظهرت باكستان كلاعب يسعى إلى تثبيت موقعه كوسيط إقليمي قادر على التواصل مع جميع الأطراف. فإسلام آباد تحتفظ بعلاقات جيدة مع إيران، وفي الوقت نفسه ترتبط بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة ودول الخليج، ما يمنحها هامش حركة دبلوماسيا يسمح لها بلعب دور الوسيط المقبول نسبيا.

كما أن الدور الباكستاني لا ينفصل عن الحراك الصيني في المنطقة، خاصة مع دعم إسلام آباد للمساعي الصينية الهادفة إلى تخفيف التوتر بين طهران وواشنطن. وتحدثت تقارير إعلامية عن وجود تنسيق غير مباشر بين الجهود الباكستانية والصينية، في ظل إدراك متزايد لدى الأطراف المختلفة بأن أي تصعيد عسكري جديد في الخليج ستكون له انعكاسات خطيرة على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وخطوط الملاحة الدولية.

ولم يكن غائبا عن المشهد الحديث المتكرر عن عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى واشنطن بعد زيارة إلى بكين، وبدئه التفكير في الخطوة التالية تجاه إيران، وهو ما دفع وسائل إعلام إيرانية وباكستانية إلى وصف زيارة نقوي بأنها حيوية ومرتبطة بلحظة سياسية دقيقة قد تحدد مسار المرحلة المقبلة.

أبعاد أمنية وتجارية وتنسيق إقليمي متزايد

رغم التركيز الإعلامي الكبير على البعد المرتبط بالوساطة بين إيران والولايات المتحدة، فإن الزيارة حملت أيضا أبعادا ثنائية وإقليمية تتعلق بالأمن والتجارة والتنسيق الحدودي بين البلدين. فقد أكد الجانبان خلال اللقاء التزامهما بتعزيز العلاقات التاريخية والأخوية بين إيران وباكستان، وشددا على أهمية استمرار التعاون من أجل دعم الأمن والاستقرار والرفاه في المنطقة.

وفي تصريحات أعقبت الاجتماع، كشف وزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني أن أحد المحاور الرئيسية للمباحثات كان ملف التجارة الحدودية، موضحا أن الجانبين اتفقا على اتخاذ إجراءات لتسهيل حركة التبادل التجاري والعبور الحدودي وتقليص الإجراءات الإدارية، بما يساهم في تسهيل الترانزيت وتبادل السلع بين البلدين.

Image

ويمثل هذا الملف أهمية خاصة بالنسبة لطهران وإسلام آباد، في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجه البلدين، إضافة إلى الحاجة إلى ضبط المناطق الحدودية التي شهدت خلال السنوات الماضية اضطرابات أمنية وتحركات لجماعات مسلحة وعمليات تهريب عبر الحدود المشتركة.

وفي الإطار الأمني أيضا، أشاد وزير الداخلية الإيراني بما وصفه بالجهود الصادقة والملتزمة التي يبذلها المشير الميداني عاصم منير، قائد الجيش الباكستاني، لحل النزاعات الإقليمية وتعزيز السلام. ويعد عاصم منير الشخصية الأكثر تأثيرا في المشهد الأمني والسياسي الباكستاني حاليا، كما أن قرب محسن نقوي منه منح الزيارة بعدا إضافيا، خاصة أن الوزير الباكستاني كان قد رافق قائد الجيش خلال زيارته السابقة إلى طهران قبل شهر واحد فقط.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن المؤسسة العسكرية الباكستانية تلعب دورا محوريا في جهود الوساطة الحالية، سواء عبر الاتصالات المباشرة مع إيران أو من خلال التنسيق مع أطراف دولية وإقليمية أخرى. كما أن استضافة إسلام آباد جولات التفاوض بين الإيرانيين والأمريكيين عززت من موقعها كمنصة للحوار ومحاولة احتواء التصعيد.

Image

وفي السياق نفسه، تحدثت تقارير إعلامية عن وصول طائرات من إيران والولايات المتحدة إلى باكستان خلال الفترة الماضية، بهدف تسهيل تنقل الفرق الدبلوماسية والأمنية والإدارية المرتبطة بالمفاوضات، فيما بقي بعض الطواقم في باكستان انتظارا لجولات تفاوضية جديدة، ما يعكس حجم الاستعدادات الجارية خلف الكواليس.

غير أن هذه الجهود الدبلوماسية تجري بالتوازي مع تصاعد خطير في المؤشرات العسكرية، فبعض التقارير الإعلامية تحدثت عن أن التحركات العسكرية الحالية تعد الأوسع منذ بدء وقف إطلاق النار الأخير، وأن احتمالات شن هجمات أمريكية وإسرائيلية جديدة ضد إيران ما تزال قائمة. كما تصاعد التوتر حول مضيق هرمز بعد إعلان إيران إعادة تشديد السيطرة عليه، ردا على ما وصفته بعدم التزام الولايات المتحدة بتعهداتها المتعلقة بحرية الملاحة ورفع القيود المفروضة على السفن الإيرانية.

وفي هذا المناخ المشحون، تبدو مهمة باكستان شديدة التعقيد. فمن جهة، تحاول إسلام آباد منع انهيار مسار التفاوض بين إيران والولايات المتحدة، ومن جهة أخرى تسعى إلى تجنب انحياز واضح لأي طرف، بما يسمح لها بالحفاظ على دور الوسيط القادر على التواصل مع الجميع.

طهران وإسلام آباد بين الحسابات الثنائية وتعقيدات الإقليم

تعكس زيارة وزير الداخلية الباكستاني إلى طهران حجم التحولات التي تشهدها المنطقة، حيث لم تعد الملفات الثنائية منفصلة عن التوازنات الدولية والإقليمية الكبرى. فالعلاقات الإيرانية الباكستانية، رغم ما يربطها من تاريخ وجوار ومصالح مشتركة، أصبحت تتداخل بشكل مباشر مع ملفات الأمن الإقليمي والمفاوضات النووية والتنافس الدولي في الخليج.

كما أن الزيارة كشفت عن رغبة باكستانية واضحة في لعب دور سياسي وأمني يتجاوز حدودها التقليدية، مستفيدة من شبكة علاقاتها المتوازنة نسبيا مع مختلف الأطراف. وفي المقابل، تبدو إيران منفتحة على أي جهد قد يخفف من الضغوط المتزايدة عليها، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي أو الدبلوماسي.

Image

لكن نجاح هذه الوساطة سيبقى مرهونا بقدرة الأطراف المختلفة على تقديم تنازلات متبادلة، خاصة في ظل انعدام الثقة المتراكم بين طهران وواشنطن، واستمرار الخلافات حول الملفات الجوهرية، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني ودور إيران الإقليمي ومستقبل الترتيبات الأمنية في الخليج.

وفي جميع الأحوال، فإن زيارة محسن نقوي إلى طهران لم تكن مجرد زيارة بروتوكولية بين وزيري داخلية دولتين جارتين، بل بدت محطة ضمن حراك سياسي وأمني أكبر، تسعى من خلاله باكستان إلى فتح نافذة للحوار في لحظة إقليمية شديدة التوتر، حيث تتداخل حسابات الحرب والسلام، وتتقاطع الوساطات مع التحركات العسكرية، فيما تبقى المنطقة بأسرها مترقبة لما ستؤول إليه الأيام المقبلة.

كلمات مفتاحية: