عراقجي يكشف تناقضات واشنطن.. مفاوضات معلقة ووساطة باكستانية تتراجع

تدخل المفاوضات الإيرانية الأمريكية مرحلة شديدة التعقيد في ظل استمرار الحرب وتصاعد التوتر السياسي والإعلامي بين الطرفين، وسط غياب واضح للثقة وتضارب الرسائل الصادرة عن واشنطن. وفي خضم هذه الأجواء، برز وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، كأحد أبرز الأصوات التي تعكس الموقف الإيراني الرسمي، من خلال تصريحات حادة تناولت مستقبل المفاوضات وحدود الانفتاح على أي تسوية محتملة مع الولايات المتحدة. وتكشف هذه التصريحات حجم الخلافات القائمة بين الجانبين، سواء بشأن البرنامج النووي أو مستقبل التهدئة، إضافة إلى الدور المتراجع لبعض الوسطاء الإقليميين في إدارة مسار التفاوض بين طهران وواشنطن.

تصريحات عراقجي…انعدام الثقة بواشنطن والاستعداد للحرب أو التفاوض

خلال سلسلة من المؤتمرات الصحفية والتصريحات الإعلامية التي أدلى بها من نيودلهي عقب مشاركته في اجتماعات بريكس، الجمعة 15 مايو/ آيار 2026، أكد عراقجي أن المشكلة الأساسية التي تواجه أي تقدم دبلوماسي مع الولايات المتحدة تتمثل في غياب الثقة، قائلا إن طهران لا تستطيع إطلاقا الوثوق بالأمريكيين، وإن الرسائل التي تتلقاها إيران من واشنطن متناقضة يوما بعد يوم.

Image

وأشار وزير الخارجية الإيراني إلى أن الإدارة الأمريكية ترسل إشارات متضاربة، ففي الوقت الذي يصف فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المقترحات الإيرانية بأنها غير مقبولة، تعود قنوات الاتصال الأمريكية لاحقا لإرسال رسائل تؤكد الرغبة في استمرار الحوار والتفاعل. وأضاف عراقجي إن إيران تلقت بالفعل رسائل جديدة من الجانب الأمريكي بعد رفض ترامب للمقترح الإيراني الأخير، وهو ما اعتبره دليلا على وجود ارتباك واضح داخل الإدارة الأمريكية بشأن كيفية إدارة الأزمة مع طهران.

Image

وشدد عراقجي على أن بلاده ما زالت تحاول منح الدبلوماسية فرصة جديدة، رغم هشاشة وقف إطلاق النار القائم، مؤكدا أن إيران مستعدة لكل السيناريوهات، سواء العودة إلى الحرب أو استئناف المفاوضات، وصرح أن الطرف المقابل هو من يجب أن يختار، مضيفا أن طهران لن تقبل بأي اتفاق لا يكون منصفا وعادلا.

وفيما يتعلق بالبرنامج النووي، كرر عراقجي الموقف الإيراني التقليدي بأن بلاده لم تسع يوما إلى امتلاك سلاح نووي ولن تسعى إليه، مؤكدا أن البرنامج النووي الإيراني ذو طبيعة سلمية، وأن طهران مستعدة دائما لتقديم الضمانات التي تثبت ذلك، لكنه أوضح في الوقت نفسه أن ملف المواد المخصبة أصبح من أكثر القضايا تعقيدا داخل المفاوضات، وأن إيران والولايات المتحدة توصلتا إلى قناعة مشتركة بضرورة تأجيل مناقشة هذا الملف إلى مراحل لاحقة من التفاوض بسبب وصول النقاش حوله إلى شبه طريق مسدود.

Image

كما كشف عراقجي أن بعض العناصر التخريبية والمحرضة على الحرب تسعى إلى إفشال المسار الدبلوماسي ودفع الولايات المتحدة إلى حرب جديدة ضد إيران، معربا عن أمله في عودة العقل والمنطق إلى البيت الأبيض، واعتبر أن التصريحات الأمريكية المتناقضة بشأن استهداف المنشآت النووية الإيرانية تكشف عمق الارتباك الأمريكي، قائلا إن واشنطن أعلنت سابقا أنها دمرت بالكامل البرنامج النووي الإيراني، لكنها تعود الآن للحديث مجددا عن توجيه ضربات جديدة إلى تلك المنشآت.

Image

وفيما يتعلق بمضيق هرمز، أكد وزير الخارجية الإيراني أن المضيق لا يزال مفتوحا من وجهة نظر طهران، باستثناء الدول التي كانت في حالة حرب مع إيران، موضحا أن السفن الراغبة في المرور يجب أن تنسق مع البحرية الإيرانية، مشيرا إلى وجود تنسيق مع سلطنة عمان من أجل وضع آلية تضمن أمن الملاحة البحرية وعودة حركة العبور إلى طبيعتها فور انتهاء الاعتداءات الأمريكية كما وصفها.

ولم تقتصر تصريحات عراقجي على الملف الأمريكي فقط، بل امتدت أيضا إلى انتقاد بعض دول الخليج التي دعمت، بحسب وصفه، إسرائيل والولايات المتحدة خلال الحرب الأخيرة، وأكد أن إيران لا تعتبر تلك الدول هدفا مباشرا لها، وأن الهجمات الإيرانية استهدفت فقط القواعد والمصالح الأمريكية الموجودة على أراضيها، لكنه أبدى استياءه من المواقف الخليجية التي اعتبرها منحازة لواشنطن وتل أبيب.

المقترح الإيراني والرد الأمريكي.. مفاوضات في دائرة الجمود

تأتي تصريحات عراقجي في وقت دخلت فيه المفاوضات الإيرانية الأمريكية مرحلة جديدة من التعقيد، بعد رفض واشنطن للمقترح الإيراني الأخير، واستمرار الخلافات حول طبيعة التسوية الممكنة بين الطرفين.

وبحسب ما كشفته وسائل إعلام إيرانية، فإن المقترح الذي قدمته طهران كان يقوم على مرحلتين، تبدأ الأولى بإنهاء الحرب ووقف العمليات العسكرية في مختلف الجبهات، على أن تبدأ المرحلة الثانية لاحقا بمناقشة الملف النووي والقضايا المرتبطة به، في حال التزمت واشنطن بالشروط الإيرانية المتعلقة بوقف التصعيد ورفع بعض القيود المفروضة على طهران.

Image

لكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن رفضه لهذا المقترح، موضحا أن البند الأول فيه كان غير مقبول بالنسبة للإدارة الأمريكية. وقال ترامب إن الولايات المتحدة لن تنتظر كثيرا، وإن على إيران توقيع اتفاق واضح، مضيفا أن واشنطن توافق من حيث المبدأ على تعليق البرنامج النووي الإيراني لمدة عشرين عاما، شرط أن يكون ذلك التزاما حقيقيا.

كما أثار ترامب الجدل بتصريحاته حول مخزون اليورانيوم المخصب الإيراني، معتبرا أن إخراج هذه المواد من إيران ليس ضروريا إلا من ناحية العلاقات العامة، رغم تأكيده أنه سيكون أكثر ارتياحا لو تم تسليم هذه المواد إلى الولايات المتحدة أو الصين.

Image

وفي الوقت نفسه، تحدث ترامب عن احتمال رفع العقوبات عن الشركات الصينية التي تشتري النفط الإيراني، في خطوة فهمت على أنها محاولة أمريكية لاستخدام الورقة الاقتصادية للضغط على طهران ودفعها نحو اتفاق جديد.

غير أن التصريحات الأكثر لفتا جاءت من نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، الذي بدا أكثر مرونة من ترامب في مقاربته للملف الإيراني. ففي الوقت الذي وصف فيه ترامب المقترح الإيراني بأنه قمامة حسب تعبيره، قال فانس إن المفاوضات التي جرت في إسلام آباد أحرزت تقدما، وإن المسار لا يزال دبلوماسيا.

Image

هذا التناقض بين مواقف ترامب ونائبه عزز، حسب خبراء، الرواية الإيرانية التي تتحدث عن رسائل أمريكية متضاربة، وأعطى انطباعا بوجود خلافات داخل الإدارة الأمريكية نفسها حول كيفية التعامل مع إيران. فبينما يلوح ترامب بالخيار العسكري ويؤكد نفاد صبره، يواصل فانس الحديث عن إمكانية تحقيق تقدم عبر الحوار.

وتشير المعطيات الحالية إلى أن المفاوضات دخلت فعليا مرحلة إدارة الأزمة أكثر من كونها مفاوضات نهائية للتوصل إلى اتفاق شامل. فالقضايا الخلافية الكبرى، وعلى رأسها التخصيب والبرنامج الصاروخي والنفوذ الإقليمي الإيراني ومستقبل مضيق هرمز، ما زالت دون حلول واضحة، في حين تحاول الأطراف المختلفة منع الانزلاق نحو مواجهة عسكرية شاملة.

وفي هذا السياق، تبدو طهران حريصة على إبقاء باب التفاوض مفتوحا، لكن دون تقديم تنازلات تعتبرها تمس مرتكزات الردع الإيراني، أما واشنطن، فتبدو عالقة بين الرغبة في تحقيق اختراق سياسي، والخشية من الظهور بمظهر المتراجع بعد الحرب المكلفة التي خاضتها ضد إيران.

باكستان تحت الضغط.. هل تعود عمان إلى واجهة الوساطة؟

إلى جانب التعقيدات السياسية والعسكرية، برز خلال الأيام الأخيرة سؤال مهم يتعلق بمستقبل الوساطة الباكستانية بين إيران والولايات المتحدة، خاصة بعد تصاعد الشكوك الإيرانية والأمريكية تجاه دور إسلام آباد، ففي بداية المفاوضات، بدت باكستان وسيطا مناسبا للطرفين، نظرا لعلاقاتها الجيدة مع إيران، وصلاتها القوية في الوقت نفسه بواشنطن والسعودية ودول الخليج. واستضافت إسلام آباد أولى جولات الحوار بين الطرفين في أبريل الماضي، مع آمال بأن تتمكن من لعب دور الجسر السياسي بين طهران وواشنطن.

غير أن هذا الدور بدأ يتعرض تدريجيا للاهتزاز، فمن وجهة النظر الإيرانية، لم تعد باكستان وسيطا محايدا بالكامل، بل تحولت، وفق تقديرات بعض المسؤولين الإيرانيين، إلى طرف يميل أكثر إلى الرؤية الأمريكية ويحاول دفع إيران نحو قبول الشروط التي تطرحها واشنطن.

Image

وزادت الشكوك الإيرانية بعد استمرار التعاون العسكري الباكستاني مع السعودية، خاصة إرسال مقاتلات باكستانية للمساعدة في الدفاع الجوي السعودي ضد الطائرات المسيرة الإيرانية. واعتبرت طهران أن الجمع بين الوساطة السياسية والتنسيق العسكري مع خصوم إيران الإقليميين أمر يصعب التوفيق بينه وبين مفهوم الحياد.

كما أثار انفتاح باكستان الاقتصادي على إيران في الوقت نفسه حفيظة واشنطن، خصوصا بعد اتخاذ إسلام آباد خطوات لتسهيل عبور البضائع إلى إيران وفتح ممرات تجارية جديدة معها، وهو ما بدا متناقضا مع سياسة الضغط الاقتصادي الأمريكية على طهران.

وبالتالي، وجدت باكستان نفسها في وضع معقد، فهي لم تعد تحظى بثقة كاملة من إيران، كما بدأت الولايات المتحدة أيضا تشكك في حقيقة نواياها. وتشير تقارير إلى أن إدارة ترامب ألغت بالفعل زيارة كانت مقررة لمبعوثين أمريكيين إلى إسلام آباد بعد تعثر المفاوضات الأخيرة ومغادرة عراقجي العاصمة الباكستانية دون نتائج ملموسة.

Image

وفي ظل هذا التراجع، عاد اسم سلطنة عمان بقوة إلى واجهة المشهد بوصفها الوسيط الأكثر قبولا لدى الطرفين. فمسقط تمتلك تاريخا طويلا من الوساطات الهادئة بين إيران والولايات المتحدة، وكانت دائما قناة الاتصال الأكثر موثوقية بينهما، سواء قبل الاتفاق النووي أو خلال المراحل اللاحقة.

وترى طهران أن عمان تختلف عن باكستان في نقطة أساسية، وهي أنها لا تسعى إلى استثمار الوساطة لتعزيز نفوذها الإقليمي أو تقديم نفسها لاعبا سياسيا كبيرا، بل تركز فقط على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة ومحاولة الوصول إلى اتفاق متوازن.

في ضوء كل هذه التطورات، يبدو أن مسار المفاوضات الإيرانية الأمريكية ما زال بعيدا عن الحسم. فالتناقضات داخل الإدارة الأمريكية، وانعدام الثقة الإيراني، وتعثر الوساطة الباكستانية، كلها عوامل تجعل فرص التوصل إلى اتفاق شامل محدودة في الوقت الراهن. ومع ذلك، فإن استمرار تبادل الرسائل بين الطرفين، وعودة الوساطات التقليدية مثل عمان، يشيران إلى أن باب الدبلوماسية لم يغلق بالكامل بعد، وأن المنطقة ما زالت تعيش مرحلة انتظار حذرة بين احتمالات التهدئة والانفجار من جديد.

كلمات مفتاحية: