الخليج في مواجهة إيران… بين التصعيد العسكري وتصدع التحالفات وإعادة رسم التوازنات الإقليمية

دخلت منطقة الخليج العربي خلال الفترة الأخيرة واحدة من أكثر مراحلها توترا منذ عقود، بعدما تحولت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران إلى مواجهة إقليمية متعددة الأطراف، لم تعد تقتصر على الضربات المتبادلة بين طهران وتل أبيب أو بين إيران وواشنطن، بل امتدت لتضع دول الخليج نفسها في قلب الصراع العسكري والأمني والسياسي. وبينما حاولت بعض العواصم الخليجية الحفاظ على سياسة التوازن والحياد، اختارت أطراف أخرى الانخراط بدرجات متفاوتة في المعركة، الأمر الذي دفع إيران إلى إعادة صياغة مقاربتها الأمنية تجاه الخليج، والانتقال من سياسة خفض التوتر إلى سياسة الردع المباشر.

حرب الخليج الجديدة… كيف تحولت المواجهة مع إيران إلى صراع إقليمي مفتوح؟

رسمت التقارير والتحليلات التي صدرت خلال الفترة الأخيرة عن وسائل إعلام ومراكز أبحاث غربية وإقليمية، من بينها بلومبرغ، وول ستريت جورنال ومركز ستيمسون الأمريكي، صورة متقاربة لمشهد إقليمي جديد يتسم بتفكك المواقف الخليجية، وتصاعد الشكوك المتبادلة، واتساع دائرة الاستهداف العسكري والاقتصادي، فوفق تلك التقارير، فإن الإمارات العربية المتحدة برزت باعتبارها الطرف الخليجي الأكثر انخراطا في المواجهة مع إيران، سواء عبر التنسيق الأمني والعسكري مع إسرائيل، أو من خلال اتهامات إيرانية مباشرة لأبوظبي بالمشاركة في عمليات استهدفت منشآت داخل الأراضي الإيرانية.

وفي خضم هذا التصعيد، برزت الكويت أيضا كطرف دخل دائرة التوتر المباشر مع طهران، بعدما اتهم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي السلطات الكويتية بمهاجمة سفينة إيرانية في الخليج واعتقال أربعة مواطنين إيرانيين بصورة غير قانونية. وقد وصف عراقجي الحادثة بأنها محاولة واضحة لإثارة التوتر والانقسام في المنطقة، مؤكدا أن الواقعة جرت بالقرب من جزيرة كانت الولايات المتحدة تستخدمها لتنفيذ عمليات ضد إيران. ولم يكتف الوزير الإيراني بالاحتجاج الدبلوماسي، بل أعلن أن طهران تحتفظ بحق الرد، في مؤشر على أن إيران لم تعد تنظر إلى بعض التحركات الخليجية باعتبارها حوادث معزولة، بل كجزء من بيئة إقليمية متزايدة العداء.

Image

ويكشف هذا التطور حجم التحول الذي أصاب العلاقة الإيرانية مع بعض دول الخليج. فالكويت، التي حاولت لعقود الحفاظ على مساحة من التوازن بين إيران والدول الغربية والخليجية، وجدت نفسها فجأة داخل دائرة الاتهامات الإيرانية. كما أن اللهجة الإيرانية الحادة تجاه الكويت عكست قلقا متزايدا في طهران من احتمال توسع دائرة التعاون الأمني الخليجي مع الولايات المتحدة وإسرائيل، حتى وإن بقي بدرجات متفاوتة بين دولة وأخرى.

كما تشير المعطيات المتداولة إلى أن طهران باتت تعتبر الإمارات الخصم الخليجي الأول في هذه الحرب، لا سيما بعد الحديث عن دور إماراتي في استهداف منشآت نفطية وبتروكيماوية إيرانية في عسلوية وجزيرة لاوان، فضلا عن التعاون الاستخباراتي والعسكري مع إسرائيل والولايات المتحدة. هذا التحول دفع إيران إلى توجيه الجزء الأكبر من هجماتها الصاروخية والمسيرة نحو الإمارات، في محاولة واضحة لرفع كلفة انخراطها في الحرب، وإصابة الاقتصاد الإماراتي في أكثر نقاطه حساسية، أي السياحة والاستثمار وحركة الطيران والأسواق المالية.

Image

وقد انعكست هذه الهجمات على المشهد الاقتصادي الخليجي بصورة غير مسبوقة، إذ تحدثت تقارير غربية عن خسائر ضخمة في الأسواق الإماراتية، وتعطل آلاف الرحلات الجوية، واضطراب حركة الملاحة والطاقة، فضلا عن تعرض منشآت حيوية لهجمات مباشرة. ولم تعد الحرب، بالنسبة لدول الخليج، مجرد ملف أمني أو عسكري بعيد، بل أصبحت أزمة تمس البنية الاقتصادية والاستقرار الداخلي والرهانات التنموية طويلة الأمد.

في موازاة ذلك، كشفت الحرب حجم الانقسام داخل مجلس التعاون الخليجي، بعدما فشلت الدول الأعضاء في بلورة موقف موحد تجاه إيران أو تجاه الحرب نفسها. فعلى الرغم من أن المجلس تأسس أصلا عام 1981 في ظل الحرب العراقية الإيرانية بهدف تنسيق السياسات الأمنية في مواجهة التهديدات الإقليمية، فإن التطورات الأخيرة أظهرت هشاشة هذا التكتل وعدم قدرته على إنتاج سياسة جماعية موحدة في لحظة تعد الأخطر في تاريخه الحديث.

Image

هذا وبينما اتجهت الإمارات نحو تصعيد غير مسبوق ضد إيران، فضلت سلطنة عمان التمسك بسياسة الحياد، ورفضت تقديم أي دعم عسكري أو لوجستي للولايات المتحدة أو إسرائيل، كما حافظت على قنوات التواصل مع طهران. أما قطر، فوجدت نفسها في موقع بالغ الحساسية، بسبب ارتباطها بحقل الغاز المشترك مع إيران، إلى جانب استضافتها أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة. وفي حين التزمت الكويت والبحرين الحذر نسبيا رغم تصاعد التوتر، بدت السعودية أكثر ميلا إلى سياسة «إدارة التوتر» بدل الانخراط المباشر في الحرب.

هذا التباين في المواقف منح إيران فرصة لاستثمار الانقسامات الخليجية، والعمل على منع تشكل جبهة موحدة ضدها، وهو ما بدا واضحا في الطريقة التي تعاملت بها طهران مع كل دولة خليجية على حدة، وفق حسابات دقيقة تراعي طبيعة العلاقة السياسية والأمنية مع كل طرف.

الإمارات في مرمى إيران… لماذا تصاعدت المواجهة بين الطرفين؟

يرى خبراء في الشأن الإيراني أن الإمارات أصبحت خلال هذه الحرب العنوان الأبرز للمواجهة الخليجية الإيرانية، بعدما انتقلت العلاقة بين الطرفين من مرحلة إدارة الخلافات إلى مرحلة الصدام شبه المباشر. فمنذ توقيع اتفاقيات أبراهام عام 2020 وتعميق العلاقات الإماراتية الإسرائيلية، بدأت طهران تنظر إلى أبو ظبي باعتبارها جزءا من مشروع إقليمي تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل لإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.

Image

لكن الحرب الأخيرة نقلت هذا التصور الإيراني من مستوى الشكوك السياسية إلى مستوى القناعة الأمنية والعسكرية. فبحسب التقارير الغربية والإقليمية، فإن التعاون بين الإمارات وإسرائيل لم يعد يقتصر على العلاقات الاقتصادية أو الدبلوماسية، بل امتد إلى مجالات الاستخبارات والإنذار المبكر والدفاع الجوي والتنسيق العملياتي. كما تحدثت بعض التقارير عن إرسال إسرائيل بطاريات من منظومة «القبة الحديدية» إلى الإمارات، إلى جانب تبادل معلومات حول الأهداف الإيرانية.

في المقابل، سعت إيران إلى الرد بأسلوب يقوم على الضغط المركب، أي استهداف البنية الاقتصادية والنفسية للإمارات بدل الاكتفاء بالرد العسكري التقليدي. ولذلك لم تقتصر الهجمات الإيرانية على المنشآت العسكرية أو الموانئ، بل طالت مواقع اقتصادية ورمزية مرتبطة بصورة الإمارات العالمية كمركز استثمار وسياحة وأعمال. وتدرك طهران أن قوة الإمارات الحقيقية لا تكمن في ثقلها العسكري بقدر ما تكمن في قدرتها على جذب رؤوس الأموال والسياحة والشركات الدولية، وبالتالي فإن أي اهتزاز أمني طويل الأمد سيؤدي تلقائيا إلى إضعاف نموذجها الاقتصادي.

كما أن إيران أرادت، من خلال التركيز على الإمارات، توجيه رسالة سياسية إلى بقية دول الخليج مفادها أن الانخراط العلني أو غير العلني في التحالف الإسرائيلي الأمريكي ستكون له كلفة مرتفعة. ولهذا السبب، حرصت طهران على الفصل بين الإمارات وبقية الدول الخليجية، سواء في خطابها السياسي أو في طبيعة أهدافها العسكرية.

وفي هذا السياق، بدا الموقف الإيراني من الكويت مختلفا نسبيا عن الموقف من الإمارات، رغم الانتقادات الحادة التي صدرت بعد حادثة السفينة الإيرانية. فإيران لم تضع الكويت في خانة الخصم الرئيسي كما فعلت مع أبو ظبي، لكنها سعت إلى توجيه إنذار سياسي للكويت مفاده أن أي انخراط أمني أو عسكري أعمق مع الولايات المتحدة أو إسرائيل قد يدفع العلاقات الثنائية نحو مزيد من التوتر. ولهذا جاءت تصريحات عراقجي حادة، لكنها في الوقت نفسه أبقت الباب مفتوحا أمام احتواء الأزمة عبر المطالبة بالإفراج عن المعتقلين بدل الذهاب فورا إلى تصعيد شامل.

Image

وتكشف التحليلات الصادرة عن مراكز أبحاث أمريكية أن إيران باتت تنظر إلى الإمارات باعتبارها الطرف الخليجي الأكثر استعدادا للذهاب بعيدا في التعاون الأمني مع إسرائيل، بل إن بعض التقديرات الإيرانية تتحدث عن احتمال تشكل محور أمني ثلاثي يضم الإمارات وإسرائيل والولايات المتحدة، تكون مهمته الأساسية بناء منظومة دفاع إقليمية موجهة ضد إيران.

في المقابل، تعتقد طهران أن السعودية لا تزال أكثر تحفظا تجاه إسرائيل، وأكثر إدراكا لمخاطر التصعيد الشامل، وهو ما يفسر الفارق الكبير في طبيعة التعامل الإيراني مع أبو ظبي مقارنة بالرياض. فبينما استخدمت إيران لغة حادة ومباشرة ضد الإمارات، فضلت تجاه السعودية خطابا أكثر هدوءا، يقوم على إبقاء باب التفاهم مفتوحا، حتى في ذروة التصعيد العسكري.

ولعل هذا الفارق يعكس إدراكا إيرانيا لطبيعة التوازنات داخل الخليج. فالإمارات، رغم قوتها الاقتصادية، تبقى دولة ذات مساحة جغرافية محدودة وحساسية عالية تجاه أي اضطراب أمني، بينما تمتلك السعودية ثقلا جغرافيا وسياسيا ودينيا يجعل أي مواجهة مباشرة معها محفوفة بمخاطر إقليمية واسعة.

كما أن طهران تدرك أن الرياض، رغم خلافاتها العميقة مع إيران، ليست متحمسة لرؤية إسرائيل تتحول إلى لاعب أمني دائم في الخليج، وهو ما يمنح إيران هامشا للمناورة السياسية مع السعودية، بخلاف الوضع مع الإمارات.

السعودية وإيران… من التهدئة الحذرة إلى إعادة صياغة العلاقة

رغم أن الحرب الحالية أعادت التوتر إلى المنطقة، فإنها لم تؤد إلى انهيار كامل لمسار التقارب السعودي الإيراني الذي بدأ عام 2023 برعاية صينية. بل على العكس، تشير العديد من التحليلات إلى أن الحرب دفعت الطرفين إلى إدراك الحاجة المتبادلة لمنع الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، حتى مع استمرار التنافس الجيوسياسي بينهما.

فالسعودية، التي تعمل منذ سنوات على تنفيذ مشاريع اقتصادية عملاقة ضمن رؤية 2030، باتت ترى أن الاستقرار الإقليمي شرط أساسي لنجاح خططها الاقتصادية والاستثمارية. وأي حرب مفتوحة في الخليج أو إغلاق طويل لمضيق هرمز سيؤديان إلى تهديد مباشر للمصالح السعودية، خصوصا أن تحويل صادرات النفط نحو البحر الأحمر يضعها أمام تهديدات أخرى مرتبطة بالحوثيين والتوترات البحرية.

Image

ومن هنا، بدا الموقف السعودي خلال الحرب قائما على مبدأ الاحتواء الحذر. فالرياض لم تنضم إلى المواجهة العسكرية المباشرة ضد إيران، كما لم تنخرط في خطاب تصعيدي مشابه لما صدر عن بعض الأطراف الخليجية. وفي الوقت نفسه، حافظت على علاقاتها الأمنية التقليدية مع الولايات المتحدة، مع محاولة تجنب الانزلاق إلى صدام شامل مع طهران.

أما إيران، فتبدو هي الأخرى حريصة على عدم تحويل السعودية إلى خصم مباشر في هذه المرحلة. وتشير تقارير مراكز الأبحاث الأمريكية إلى أن طهران ترى في السعودية طرفا يمكن التوصل معه إلى تفاهمات إقليمية طويلة الأمد، بخلاف الإمارات التي تعتبرها رأس الحربة في المشروع الأمني الإسرائيلي – الخليجي.

كما تراهن إيران على وجود خلافات سعودية – إماراتية متزايدة، سواء فيما يتعلق بأسواق النفط وأوبك، أو في النظرة إلى إسرائيل، أو في ملفات اليمن والسودان والقرن الأفريقي. وتعتقد طهران أن هذه التباينات قد تمنع تشكل جبهة خليجية موحدة ضدها.

وفي الوقت نفسه، تدرك الرياض أن إيران، رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية، لا تزال تمتلك أدوات تأثير إقليمية واسعة، وأن استقرار الخليج يتطلب شكلا من أشكال التفاهم معها، ولو ضمن حدود معينة. ولهذا السبب، يتوقع مراقبون أن تشهد المرحلة المقبلة عودة تدريجية إلى قنوات الحوار بين البلدين، خصوصا في الملفات المتعلقة بأمن الملاحة في الخليج، واليمن، وترتيبات ما بعد الحرب.

Image

ويبدو أن السعودية تحاول اليوم تحقيق توازن بالغ الدقة بين الحفاظ على شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، ومنع تحول الخليج إلى ساحة حرب مفتوحة مع إيران. فالمملكة تدرك أن أي انهيار أمني شامل في المنطقة سيقوض خططها الاقتصادية الكبرى، كما سيدفع المستثمرين العالميين إلى إعادة النظر في مشاريعهم داخل الخليج.

وفي المقابل، ترى إيران أن الحفاظ على قنوات التواصل مع الرياض يشكل ضرورة استراتيجية، ليس فقط لتجنب مواجهة مباشرة، بل أيضا لمنع تشكل محور إقليمي واسع يضم السعودية والإمارات وإسرائيل في إطار أمني واحد.

وفي المحصلة، تبدو المنطقة اليوم أمام مشهد جديد يتسم بتراجع فكرة «الخليج الموحد» مقابل صعود سياسات المصالح الوطنية الضيقة، وعودة التحالفات الثنائية والمتغيرة. كما أن الحرب كشفت أن التهديد الإيراني لم يعد العامل الوحيد المحدد للعلاقات الخليجية، بل باتت العلاقة مع إسرائيل، والمنافسة الاقتصادية، وطبيعة الشراكة مع الولايات المتحدة، عوامل لا تقل أهمية في رسم سياسات المنطقة.

وبينما تحاول إيران استثمار الانقسامات الخليجية لمنع تطويقها إقليميا، تسعى السعودية إلى الحفاظ على توازن دقيق بين الردع والتهدئة، في حين اختارت الإمارات الذهاب نحو شراكة أمنية أعمق مع إسرائيل والولايات المتحدة، رغم الكلفة المتزايدة لذلك.

Image

أما الكويت، فتقف في موقع أكثر حساسية، إذ تحاول تجنب الانزلاق الكامل إلى المواجهة مع إيران، لكنها في الوقت نفسه تجد نفسها تحت ضغط التوازنات الأمنية الخليجية والأمريكية. وقد أظهرت أزمة السفينة الإيرانية أن أي حادث أمني محدود يمكن أن يتحول بسرعة إلى أزمة سياسية وإعلامية كبيرة في ظل المناخ الإقليمي المتوتر.

أما السؤال الأكبر الذي تطرحه هذه الحرب، فهو ما إذا كانت دول الخليج ستنجح مستقبلا في إعادة بناء منظومة أمنية مشتركة قادرة على تجاوز خلافاتها الداخلية، أم أن المنطقة تتجه نحو مرحلة طويلة من الاستقطاب والانقسامات والتحالفات المتغيرة، في ظل صراع إقليمي مفتوح لم تتضح نهاياته بعد.