- زاد إيران - المحرر
- 47 Views
تشهد إيران منذ أشهر حالة من الجدل المتصاعد حول إدارة الفضاء الرقمي، في ظل تزايد الانتقادات الشعبية والاقتصادية المرتبطة بالقيود المفروضة على شبكة الإنترنت وتداعياتها الواسعة على مختلف القطاعات. وقد تحولت قضية الاتصال بالشبكة إلى واحدة من أكثر الملفات حساسية داخل البلاد، بعدما تجاوزت أبعادها التقنية لتلامس الجوانب السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والأمنية. وفي خضم هذه التطورات، برزت تحركات رسمية جديدة تعكس إدراكا متزايدا لحجم الأزمة وتعقيداتها، وسط تساؤلات متواصلة بشأن مستقبل السياسات الرقمية، وحدود صلاحيات المؤسسات المعنية، وإمكانية الوصول إلى صيغة توازن بين متطلبات الدولة واحتياجات المجتمع المتنامية في العصر الرقمي.
منصب جديد في توقيت حساس
في خضم الجدل الواسع حول استمرار القيود المفروضة على الإنترنت في إيران، أعلن الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، الأربعاء 13 مايو/ آيار 2026، تعيين محمد رضا عارف، النائب الأول لرئيس الجمهورية، رئيسا للهيئة الخاصة لتنظيم وإدارة الفضاء الإلكتروني مع احتفاظه بمنصبه الحكومي، وقد جاء القرار في لحظة سياسية وتقنية شديدة الحساسية، حيث تواجه البلاد واحدة من أكثر أزمات الإنترنت تعقيدا خلال السنوات الأخيرة، وسط انتقادات شعبية واقتصادية وإعلامية متزايدة بسبب استمرار الانقطاعات والقيود الواسعة على الشبكة الدولية.

ويعد محمد رضا عارف من الشخصيات السياسية المعروفة داخل النظام الإيراني، وقد شغل مناصب تنفيذية وتشريعية عدة، ما جعل تكليفه بهذا الملف يحمل دلالات سياسية وإدارية تتجاوز مجرد إعادة ترتيب بيروقراطي. فالحكومة الإيرانية تسعى، على ما يبدو، إلى تقديم صورة توحي بوجود تحرك فعلي لمعالجة أزمة إدارة الفضاء الإلكتروني، خاصة بعد تصاعد الانتقادات التي تتهم مؤسسات الدولة بالعجز عن تقديم حلول واضحة لأزمة الإنترنت.

القرار الرئاسي وصف الفضاء الإلكتروني بأنه أحد المجالات الحيوية والاستراتيجية، وأكد ضرورة إقامة حوكمة موحدة ومنسجمة وفعالة في هذا القطاع، كما شدد على أهمية إنهاء تعدد الأصوات ومنع الازدواجية في إدارة ملف الإنترنت والفضاء الرقمي، وهي إشارات فسرها مراقبون على أنها اعتراف رسمي بوجود تضارب بين المؤسسات المعنية باتخاذ القرار في هذا الملف.
لكن إنشاء هذا المنصب الجديد لم يمر بهدوء داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإيرانية، فبينما رأت بعض الجهات أن الخطوة قد تمثل محاولة لإعادة تنظيم الإدارة الرقمية للدولة، اعتبرت أطراف أخرى أن الحكومة تضيف طبقة جديدة إلى هيكل إداري معقد أصلا، دون معالجة جوهر المشكلة المرتبطة بآليات اتخاذ القرار بشأن الإنترنت والجهة الفعلية التي تتحكم بمصير الشبكة داخل البلاد.
هذا وقد جاءت هذه الخطوة بعد أشهر من الجدل حول استمرار انقطاع الإنترنت أو تقييده، في وقت كانت الحكومة تؤكد فيه مرارا أنها لا تؤيد الإنترنت الطبقي أو استمرار القيود، لكنها في المقابل كانت تشير إلى أن القرارات الأساسية تتخذ داخل المجلس الأعلى للأمن القومي. هذا التناقض بين الخطاب السياسي والواقع الميداني دفع قطاعات واسعة من الرأي العام إلى التشكيك في مدى قدرة الحكومة على التأثير الحقيقي في هذا الملف.
المهام الثلاث… محاولة لإعادة هندسة الإدارة الرقمية
حدد القرار الرئاسي ثلاث مهام رئيسية لمحمد رضا عارف في منصبه الجديد، وهي مهام تكشف حجم الأزمة التي تواجهها الدولة الإيرانية في إدارة الفضاء الإلكتروني.
المهمة الأولى تتمثل في إعداد وتنفيذ خارطة طريق شاملة للتحول في حوكمة الفضاء الإلكتروني، ويعكس هذا البند، حسب قراءات، إدراكا رسميا بأن الإدارة الحالية للإنترنت لم تعد قادرة على مواكبة التحولات التقنية والاقتصادية والاجتماعية المتسارعة. فالفضاء الإلكتروني في إيران لم يعد مجرد ملف تقني، بل تحول إلى قضية ترتبط بالأمن القومي والاقتصاد والإعلام والتعليم والتجارة والحياة اليومية للمواطنين.

أما المهمة الثانية فتتعلق بإعادة تنظيم هياكل صنع القرار واتخاذه، بما يشمل تنظيم ورفع كفاءة الأمانة العامة للمجلس الأعلى والمركز الوطني للفضاء الإلكتروني، ويبدو أن هذا البند يستهدف معالجة حالة التداخل المؤسسي التي أصبحت سمة أساسية في إدارة الإنترنت داخل إيران، حيث تتعدد الجهات المعنية بين الحكومة والمجلس الأعلى للأمن القومي والمجلس الأعلى للفضاء الإلكتروني، ووزارة الاتصالات، والمؤسسات الأمنية، والقضائية.
ويرى مراقبون أن تعدد هذه الجهات أدى خلال السنوات الماضية إلى غياب مرجعية واضحة يمكن تحميلها المسؤولية عن قرارات قطع الإنترنت أو تقييده. ففي كل أزمة، كانت المؤسسات المختلفة تتبادل المسؤولية، بينما يبقى المستخدم الإيراني هو المتضرر الأكبر من حالة الضبابية هذه.
أما المهمة الثالثة فهي إرساء نظام للرقابة الاستراتيجية والرصد المستمر لأداء الأجهزة في هذا المجال. ويشير هذا البند إلى توجه نحو تعزيز الرقابة المركزية على المؤسسات العاملة في قطاع الفضاء الإلكتروني، وربما محاولة فرض تنسيق أكبر بين الأجهزة المختلفة التي تتعامل مع الإنترنت والاتصالات الرقمية.

لكن رغم الطابع الإداري والتنظيمي لهذه المهام، فإن كثيرا من المحللين الإيرانيين يشككون في قدرة الهيئة الجديدة على تحقيق اختراق حقيقي، ويرى هؤلاء أن المشكلة لا تكمن فقط في غياب التنسيق الإداري، بل في طبيعة النظرة الرسمية إلى الإنترنت باعتباره ملفا أمنيا قبل أن يكون بنية تحتية اقتصادية واجتماعية.
وقد برز هذا التشكيك بوضوح في تقارير وتحليلات صحافية إيرانية رأت أن إنشاء الهيئة الجديدة قد يكون محاولة لإدارة حالة الغضب الشعبي أكثر من كونه مشروعا فعليا لحل الأزمة، إذ تساءلت بعض الصحف والمواقع، من بينهم موقع رويداد 24، أنه إذا كانت الحكومة تعلن معارضتها للقيود المفروضة على الإنترنت، فلماذا استمرت هذه القيود طوال الأشهر الماضية؟ وإذا كانت القرارات تتخذ خارج الحكومة، فما الذي يمكن أن يغيره منصب جديد، حتى لو كان على رأسه النائب الأول للرئيس؟
الإنترنت في إيران… من أزمة تقنية إلى أزمة اقتصادية واجتماعية
يتزامن إنشاء منصب عارف الجديد مع واحدة من أصعب الفترات التي يعيشها قطاع الإنترنت في إيران، فبحسب تقارير محلية ودولية، شهدت البلاد خلال الأشهر الأخيرة مستويات غير مسبوقة من القيود والانقطاعات، وصلت في بعض الفترات إلى شبه انقطاع كامل للشبكة الدولية.
وأظهرت بيانات مؤسسة نت بلوكس الدولية أن الإنترنت في إيران تعرض لانخفاض حاد للغاية، مع تقديرات تشير إلى أن نسبة محدودة جدا من السكان استطاعت الوصول إلى الشبكة العالمية في بعض الفترات. كما تحدثت تقارير أخرى عن امتداد الاضطرابات حتى إلى خدمات الإنترنت الوطنية، ما تسبب بحالة شلل واسعة في قطاعات متعددة.

ولم تعد أزمة الإنترنت قضية تقنية فقط، بل تحولت إلى أزمة اقتصادية حقيقية، فقد أصدرت لجنة التنظيم الذاتي لتبادل الأصول المشفرة التابعة لجمعية البلوكشين الإيرانية تقريرا مطولا حذرت فيه من أن الاقتصاد الرقمي الإيراني تجاوز مرحلة التحذير ودخل فعليا مرحلة الخسائر المباشرة.
ووفقا للتقرير، فإن الخسائر اليومية الناتجة عن اضطرابات الإنترنت تراوحت بين 30 و80 تريليون ريال إيراني يوميا، أي ما يعادل تقريبا بين 16.5 و44 مليون دولار أمريكي، بينما وصلت التقديرات الإجمالية للخسائر خلال نحو شهرين إلى مئات التريليونات من الريالات الإيرانية، بما يعادل مليارات الدولارات الأمريكية.

هذه الخسائر لم تقتصر على الشركات التقنية الكبرى، بل امتدت إلى آلاف العاملين المستقلين والمتاجر الإلكترونية وصناع المحتوى والمبرمجين وأصحاب المشاريع الصغيرة الذين يعتمد دخلهم بالكامل على الإنترنت. كما أدت الأزمة إلى تراجع حاد في المبيعات، وتعطل عمليات التسويق الرقمي، وتوقف مشاريع استثمارية، وتسريح موظفين، وتزايد رغبة الكفاءات الشابة في الهجرة.
وتشير تقارير اقتصادية إلى أن بعض الشركات الرقمية فقدت أكثر من سبعين بالمئة من مبيعاتها، بينما اضطرت شركات أخرى إلى تقليص نشاطها أو إغلاقه بالكامل بسبب عدم قدرتها على التواصل مع العملاء أو الوصول إلى الخدمات والمنصات الدولية.
وفي هذا السياق، حذر خبراء الاتصالات والإعلام في إيران من أن استمرار السياسات الحالية قد يؤدي إلى تخلف تكنولوجي طويل الأمد، ويقوض فرص البلاد في تطوير الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والبنية السيبرانية الوطنية.
جدل واسع حول استمرار قطع الإنترنت
وفي السياق ذاته، فقد أثارت سياسة تقييد الإنترنت في إيران انقساما واسعا بين الجهات الرسمية والخبراء والرأي العام، فبينما تعتبر بعض المؤسسات أن القيود قد تكون ضرورية في ظروف معينة لدواع أمنية، يرى منتقدون أن هذه السياسة لم تحقق الاستقرار المنشود، بل أدت إلى نتائج عكسية.
الخبير الإعلامي قادر باستاني التبريزي وصف قطع الإنترنت بأنه سياسة خاسرة على المدى المتوسط والطويل، معتبرا أن الإنترنت أصبح جزءا أساسيا من حياة الناس مثل الماء والكهرباء، وأن حرمان المجتمع منه يخلق مزيدا من الغضب والتوتر بدلا من تحقيق الاستقرار.

كما انتقد فكرة الإنترنت الطبقي أو الإنترنت الاحترافي الذي يتيح لفئات محددة الوصول الأفضل إلى الشبكة مقابل أسعار مرتفعة، معتبرا أن ذلك يتعارض مع العدالة الرقمية ويعمق الفجوة بين فئات المجتمع.
وفي المقابل، لا تزال المؤسسات الرسمية تتحدث عن ضرورة تحقيق الحوكمة والتنسيق والإدارة الموحدة للفضاء الإلكتروني، وهي مفاهيم يرى منتقدون أنها تستخدم أحيانا لتبرير مزيد من الرقابة والقيود.
ويبدو أن جوهر الأزمة يكمن في غياب وضوح سياسي وقانوني بشأن الجهة التي تتخذ القرار النهائي في ملف الإنترنت. فالحكومة تقول إنها ليست صاحبة القرار الوحيد، بينما تتجنب المؤسسات الأخرى تحمل المسؤولية المباشرة عن الانقطاعات، ما يخلق حالة من الغموض تزيد من فقدان الثقة بين المجتمع والدولة.
وفي ظل هذا الواقع، ينظر كثيرون إلى تعيين محمد رضا عارف باعتباره اختبارا حقيقيا لقدرة الحكومة الإيرانية على الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إعلاميا إلى مرحلة تقديم حلول عملية. فالمواطن الإيراني لا ينتظر بيانات جديدة أو هياكل إضافية بقدر ما ينتظر عودة الإنترنت بشكل مستقر، ووضوحا في السياسات، وضمانات تمنع تكرار الانقطاعات التي باتت تمس تفاصيل الحياة اليومية والاقتصاد ومستقبل قطاع التكنولوجيا في البلاد.
ويبقى السؤال الأهم مطروحا داخل إيران اليوم: هل يستطيع المنصب الجديد إعادة التوازن بين الاعتبارات الأمنية ومتطلبات الاقتصاد الرقمي والحياة الحديثة، أم أن الهيئة الجديدة ستكون مجرد حلقة إضافية في سلسلة الهياكل الإدارية التي لم تنجح حتى الآن في إنهاء أزمة الإنترنت الإيرانية؟

