كيف تحولت الشاشة الوطنية في إيران إلى خندق للتيارات المتشددة؟

تعيش المؤسسة الإعلامية الرسمية في إيران واحدة من أعقد مراحلها التاريخية، حيث لم يعد الصراع داخل أروقتها مجرد خلاف حول جودة الإنتاج أو نسب المشاهدة، بل تحول إلى معركة وجودية حول هوية “الرسالة الوطنية”. في الوقت الذي تمر فيه البلاد بظروف إقليمية ودولية بالغة الحساسية، وتواجه ضغوطا اقتصادية وسياسية تتطلب أقصى درجات التماسك الداخلي، تشير الدلائل والوقائع الأخيرة إلى أن التلفزيون الرسمي اختار الخروج عن سياق “الوفاق” ليرتمي في أحضان تيار سياسي راديكالي ضيق. هذا التحول لم يؤدِ فقط إلى تراجع مرجعية الإعلام الرسمي، بل حوله إلى أداة لتعميق الفجوات الاجتماعية وتفتيت النسيج الوطني، من خلال تبني خطاب إقصائي يرى في كل مخالف “عدوا” أو “خائنا”.

صناعة الكراهية: حين تصبح الإهانة سياسة تحريرية

ما شهدته الشاشة الوطنية مؤخرا، وتحديدا عبر القناة الثالثة، من بث لقاءات ميدانية تتضمن إهانات صريحة ونابية بحق رموز وطنية ورياضية ودبلوماسية، لا يمكن تصنيفه ضمن دائرة “الأخطاء الفنية” العفوية. عندما يُسمح لمواطن في بث شبه مباشر بوصف شخصية بحجم أسطورة كرة القدم “علي دائي” بأوصاف تحط من قدره الإنساني، أو حين يتم اتهام وزير الخارجية “عباس عراقجي” بالخيانة ودوس دماء الشهداء وهو في خضم معركة دبلوماسية شرسة، فإننا نكون أمام “سياسة ممنهجة” لكسر الرموز. 

إن تكنولوجيا البث في جميع أنحاء العالم، وفي إيران أيضا، تتيح للمخرجين والمنتجين تأخيرا زمنيا لثوانٍ معدودة كفيلة بقطع أي تجاوز لفظي، لكن تعمُّد تمرير هذه الشتائم يعكس رغبة جامحة لدى القائمين على المؤسسة في شرعنة خطاب الكراهية واستخدامه كسلاح لترهيب الخصوم السياسيين وإضعاف القاعدة الشعبية للمعتدلين.

Image

سلطة “الجليليسم” واحتلال الفضاء العام

لا يمكن فهم هذا التغيير الجذري في بوصلة الإذاعة والتلفزيون دون النظر إلى مراكز القوى التي تسيطر على مطبخ القرار داخل المؤسسة، والتي يشار إليها بوضوح تحت مسمى تيار “الجليليسم”. هذا التيار، الذي يتزعمه “وحيد جليلي” والمقربون من جبهة “بايداري”، نجح في تحويل المؤسسة الإعلامية إلى ما يشبه “الجزيرة المستقلة” التي لا تخضع لرقابة الحكومة أو تطلعات المجتمع العريضة. 

لقد أصبحت الشاشة “ملكا طلقا” لمجموعة محدودة من المنظرين الذين لا يؤمنون بالتعددية، بل يسعون لإعادة صياغة المجتمع وفق قالب أيديولوجي متصلب. هذا الاستحواذ أدى إلى إقصاء الكفاءات الإعلامية التقليدية واستبدالها بوجوه تدين بالولاء للتيار لا للوطن، مما جعل من الشاشة الوطنية منبراً لجناح سياسي واحد، يُفصل البرامج والتحليلات على مقاس أهدافه الحزبية، ضاربا عرض الحائط بمفهوم “الإعلام الوطني” الذي يمثل كافة أطياف الشعب.

المهمة الإعلامية: شيطنة النخبة وتصفية الحسابات

لقد انتقلت المؤسسة من دورها كجسر يربط بين الدولة والمجتمع، لتصبح “مقصلة إعلامية” تستهدف كل من يتمتع بشعبية خارج إطار التيار المتشدد. لم يسلم من هذه الحملات نجوم الفن مثل حامد بهداد، أو الإعلاميون الذين صنعوا مجد التلفزيون لسنوات مثل عادل فردوسي بور ورضا رشيد بور. إن هذا الاستهداف ليس مجرد كراهية شخصية، بل هو مشروع استراتيجي يهدف إلى تجفيف منابع القوة الناعمة التي لا يسيطر عليها المتشددون. 

يرى هؤلاء أن محبوبية “علي دائي” أو “فردوسي بور” تمثل تهديدا لخطابهم الإقصائي، ولذلك يتم استغلال المنبر الوطني لتشويه صورهم واتهامهم بالخيانة والتبعية للخارج. هذا النهج أدى إلى خلق حالة من “الطلاق العاطفي” بين الشارع وبين التلفزيون الرسمي، حيث بدأ المواطن يشعر أن هذه المؤسسة التي تُمول من ميزانية الدولة لم تعد تعبر عنه، بل أصبحت صوتا لمن يهينه ويهاجم رموز اعتزازه الوطني.

Image

لغة “اللا عقلانية” في إدارة الأزمات الكبرى

في الوقت الذي تخوض فيه إيران مفاوضات معقدة وتواجه تحديات عسكرية ودبلوماسية مصيرية، تبرز خطورة التيار المتشدد داخل الإعلام عبر لغته التصادمية التي تفتقر لأبسط قواعد الكياسة السياسية. فبينما تحاول الحكومة انتهاج سياسة “الوفاق” لتقليل الأخطار الدولية، يقوم التلفزيون الرسمي وعبر ضيوفه المكررين بإطلاق تهديدات جوفاء ضد دول الجوار، والمطالبة بإعدام مسؤولين سابقين مثل الرئيس الأسبق حسن روحاني ووزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف، وإحراج الجهاز الدبلوماسي بخطاب “عنترِي” لا يخدم سوى أعداء البلاد. 

إن استضافة شخصيات تطلق أحكاما دينية وقانونية بالقتل والإقصاء على الهواء مباشرة ينسف فكرة “دولة القانون” ويحول الفضاء الإعلامي إلى غابة من التحريض. هذا السلوك الإعلامي لا يعرقل مسار المفاوضات فحسب، بل يرسل رسالة سلبية للعالم بأن مراكز القرار في إيران مشتتة، وأن هناك “دولة داخل الدولة” تملك القدرة على إفساد أي تحرك عقلاني يهدف لحماية المصالح القومية.

Image

المذيعون والجمهور: من الحوار إلى “طرد المخالف”

واحدة من أكثر الظواهر استفزازا للرأي العام كانت لغة “التعالي” التي يتبناها بعض المذيعين الجدد الذين تم فرضهم على الشاشة بناءً على معايير الولاء السياسي لا الكفاءة المهنية. لقد وصل الاستخفاف بالمواطن الإيراني إلى حد مطالبته بـ “الرحيل عن البلاد” إذا لم تكن الظروف الراهنة تعجبه، وهي لغة تعكس عقلية إقصائية ترى أن الوطن حصري لمن يوافقهم الرأي فقط. 

هذه الفلسفة التي يروج لها التلفزيون الرسمي، والتي تقسم الشعب إلى “مالكين للبلاد” و”غرباء”، هي أخطر ما يمكن أن يواجه أي نظام سياسي. إن المذيع الذي يسخر من مطالب الناس بالإنترنت والرفاهية والارتباط بالعالم، ويقترح عليهم الذهاب إلى أفغانستان أو سوريا، يرتكب جريمة بحق الوحدة الوطنية، لأنه يقطع خيوط الثقة الأخيرة بين الشارع ومؤسسات الدولة، ويحول الإعلام من وسيلة لاحتواء الغضب الشعبي إلى محرك أساسي لهذا الغضب.

Image

احتکار المنبر: ضيوف تكررهم الأيديولوجيا وتغيبهم الحقيقة

عند تحليل قائمة الضيوف في البرامج السياسية الكبرى خلال الأشهر الماضية، نجد أن التلفزيون أصبح “دائرة مغلقة” لأسماء لا تتغير، مثل سعيد جليلي، ومالك شريعتي، علي خضريان، وآخرين من رموز التيار الراديكالي. هذا الاحتكار للمنبر الوطني يحرم الجمهور من سماع وجهات نظر متنوعة، ويجعل من الحوارات التلفزيونية مجرد “ترديد للصدى” لآراء محددة سلفا. 

إن غياب الخبراء المستقلين، والمحللين المنتمين لتيار الاعتدال، أو حتى الشخصيات الأكاديمية المرموقة التي تختلف مع توجهات المؤسسة، يعكس خوف القائمين عليها من “قوة المنطق”. لقد أصبح الهدف هو غسل أدمغة المشاهدين برواية واحدة للأحداث، حتى لو كانت هذه الرواية بعيدة كل البعد عن الواقع المعاش، مما أدى إلى سقوط مروع في مرجعية التلفزيون الإعلامية لصالح القنوات الفضائية والمنصات الرقمية التي يجد فيها المواطن مساحة للتنفس الفكري.

انعكاسات “الراديكالية الإعلامية” على الأمن القومي

لا يدرك القائمون على الإعلام الرسمي في الإذاعة والتلفزيون أن تفتيت المجتمع من الداخل عبر التفرقة والتخوين هو أكبر هدية تقدم لأعداء إيران. إن الأمن القومي لا يتحقق فقط بالترسانة العسكرية، بل بالتماسك الاجتماعي والثقة بين الشعب والقيادة. عندما يرى المواطن أن إعلامه الرسمي يهاجم أبطاله القوميين مثل “علي دائي” ويهين وزراءه في عز أزماتهم، فإنه يفقد الشعور بالانتماء لهذه المؤسسة، ويبدأ في البحث عن “حقيقة” بديلة لدى جهات قد لا تضمر الخير للبلاد. 

إن السياسة الإعلامية الحالية تضعف موقف إيران في الخارج، لأنها تظهر المجتمع الإيراني ككتل متناحرة، وتعطي انطباعا بأن الدولة عاجزة عن لجم الأصوات المتطرفة التي تضرب عرض الحائط بالمصالح العليا. إن “وفاقا وطنيا” لا تدعمه ماكنة إعلامية قوية وشاملة هو مجرد حلم بعيد المنال، وتصرفات التلفزيون الحالية تعمل بجدية على وأد هذا الحلم في مهده.

ضرورة الإصلاح أو الغرق في العزلة

في نهاية المطاف، تقف هيئة الإذاعة والتلفزيون أمام مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن تعود لتكون “رسالة وطنية” حقيقية تعكس ألوان الطيف الإيراني وتدعم توجهات الدولة نحو الاستقرار والوحدة، وإما أن تظل حبيسة “خندق المتشددين” وتخسر ما تبقى لها من جمهور. إن الإصلاح في التلفزيون ليس ترفاً، بل هو ضرورة أمنية واجتماعية ملحة. 

يتطلب هذا الإصلاح إبعاد الشخصيات التي تستخدم الشاشة لتصفية حساباتها السياسية، وإعادة الاعتبار للمهنية الإعلامية، وفتح الأبواب أمام الكفاءات والمفكرين من كافة التيارات. إن الاستمرار في لغة “التفرقة” وتحويل المنبر الوطني إلى ساحة لعقده الكراهية سيعمق الشرخ بين السلطة والمجتمع، وقد يأتي يوم يجد فيه هؤلاء المتشددون أنفسهم يتحدثون لأنفسهم فقط، بينما المجتمع قد غادر محطتهم منذ زمن طويل. إن الحفاظ على إيران يبدأ من الحفاظ على لسانها الإعلامي، ليكون لسان صدق وجمع، لا لسان فحش وتفرقة.

كلمات مفتاحية: