إيران ورهانات “الردع المرن”: هل تنجو المنطقة من فخاخ التفاوض وجولة الحرب الثانية؟ 

كتب: الترجمان

يجد العالم نفسه اليوم أمام تساؤل محوري يفرض نفسه على طاولة مراكز الدراسات الاستراتيجية وغرف صناعة القرار: هل انتهت الحرب فعليا أم أننا نعيش مجرد “هدنة تكتيكية” تسبق عاصفة أكبر؟ إن الإجابة على هذا التساؤل لا تنفصل عن قراءة عميقة لما حدث في “حرب الأربعين يوما”، تلك المواجهة التي يصفها المحللون بأنها كانت صداما غير مسبوق بين جغرافيا صلبة وتكنولوجيا عسكرية متطورة. 

فبينما يروج البعض لفكرة أن التفاوض هو المخرج الوحيد، يرى تيار آخر أن العدو لا يتراجع إلا إذا استشعر أن كلفة الاستمرار في الحرب تتجاوز قدرته على الاحتمال، مما يجعل المشهد الحالي أشبه بـ “بندول” يتحرك ببطء نحو توازن هش، قد ينكسر في أي لحظة إذا ما تغيرت مدخلات الصراع أو أخطأ أحد الأطراف في حسابات المسافة والزمن.

سقوط أسطورة “الحسم السريع” واصطدام التكنولوجيا بجدار الواقع

انطلقت الشرارة الأولى للعدوان الأخير بناء على حسابات استراتيجية كانت تفترض أن “الضربة الصاعقة” كفيلة بتركيع الدولة الإيرانية في غضون أيام معدودة، حيث راهنت دوائر القرار في واشنطن وتل أبيب على أن استهداف رأس الهرم القيادي وتدمير البنية التحتية الحيوية سيؤدي إلى شلل تام في الإرادة القتالية. 

إلا أن هذا المخطط، الذي بُني على أوهام “تكرار النموذج الفنزويلي” أو السقوط السريع، اصطدم بواقع مغاير تماما؛ فمنذ الساعة الثانية للهجوم، أظهرت إيران قدرة فائقة على الاستفاقة من الصدمة وإعادة تنظيم الصفوف، مما حول الحرب من عملية “خاطفة” إلى استنزاف طويل الأمد. 

هذا الفشل في الحسم المبكر لم يكن مجرد إخفاق عسكري، بل كان انهيارا كاملا للبنية المحاسبية التي بنى عليها ترامب ونتنياهو مغامرتهما، حيث ثبت أن القوة النيرانية المفرطة لا تضمن بالضرورة نتائج سياسية ملموسة إذا واجهت عقيدة قتالية صلبة وتخطيطا دفاعيا محكما.

لقد كشفت الأيام الأربعون من القتال أن هيبة “البنتاغون” التي تراكمت على مدار عقود قد وُضعت على المحك في صحارى وجبال إيران، حيث تساقطت الطائرات المسيرة والمقاتلات الأحدث في العالم أمام دفاعات جوية أثبتت كفاءة غير متوقعة.

ولم يتوقف الأمر عند الدفاع، بل انتقلت المبادرة إلى القوات المسلحة الإيرانية التي أذاقت القواعد الأمريكية في المنطقة “مرارة الرد”، مما أدى إلى خروج العديد من القواعد الاستراتيجية عن الخدمة وسقوط الرادارات والمنظومات الدفاعية الأمريكية في فخ العجز. 

هذا التحول الدراماتيكي دفع بالجنرالات الأمريكيين إلى تحذير البيت الأبيض من أن الاستمرار في هذه الحرب لأكثر من بضعة أسابيع سيؤدي إلى خسائر بشرية ومادية لا يمكن للداخل الأمريكي تحملها، وهو ما يفسر الإقالات الجماعية في صفوف قيادات البحرية والجيش الأمريكي نتيجة “الارتباك العملياتي” الذي أصاب مفاصل القوة الأمريكية أمام صلابة الرد الإيراني.

Image

سلاح “الجغرافيا السياسية” واختناق الاقتصاد العالمي

في خضم المواجهة، برزت عبقرية استخدام “الجغرافيا” كأداة ردع لا تقل تأثيرا عن الصواريخ الباليستية، حيث نجحت طهران في نقل ثقل المعركة إلى الممرات المائية الحيوية، وتحديداً مضيق هرمز. إن تحويل الحرب من مواجهة في الجبهة إلى تهديد مباشر لشرايين الطاقة العالمية جعل من “تنسيق الضغوط” أمرا مستحيلا بالنسبة لواشنطن؛ فالضغط العسكري لم يعد يقابل بانسحاب إيراني، بل بتضييق الخناق على الاقتصاد الدولي. 

هذا التكتيك وضع الإدارة الأمريكية في وضع يكون فيه أي تحرك سببا في تدهور الموقف، إذ إن التصعيد يعني اشتعال أسعار النفط لتصل إلى مستويات جنونية تهدد الاستقرار السياسي لترامب نفسه، بينما التراجع يعني قبول الهزيمة والاعتراف بفشل استراتيجية “الضغط الأقصى”.

وعلى الرغم من محاولات واشنطن فرض “حصار بحري” أو إطلاق مشاريع تحت مسمى “حماية الملاحة”، إلا أن القبضة الإيرانية في عرض البحر والسيطرة الميدانية على المضائق أثبتت أن التكنولوجيا العسكرية الأمريكية تظل عاجزة أمام قوة تتحكم في تضاريس المنطقة وتمتلك القدرة على شل حركة الناقلات والقطع البحرية المخالفة. 

إن هذا التفوق الجغرافي أجبر واشنطن على خفض سقف طموحاتها، فبعد أن كانت تتحدث عن “إعادة إيران إلى العصر الحجري”، بدأت تبحث عن وسطاء في عواصم إقليمية للوصول إلى صيغ لإطفاء الحرائق المشتعلة. ولم يكن هذا التحول نابعا من رغبة في السلام، بل كان إذعانا لواقع مرير أثبت أن أي استهداف للبنية التحتية الإيرانية سيقابله فورا تدمير لمنشآت النفط في عمق حلفاء واشنطن بالمنطقة، مما يعني انتحارا اقتصاديا جماعيا لا يستطيع أحد تحمل تبعاته.

Image

دبلوماسية “ما بعد البارود”: فخاخ التفاوض وضمانات الاستدامة

مع بدء الحديث عن مسارات دبلوماسية في إسلام آباد ومقترحات لوقف الخصومات، يبرز تحذير استراتيجي من مغبة الوقوع في فخ “الخديعة الدبلوماسية”. يرى المحللون أن الإدارة الأمريكية، ومعها إسرائيل، قد تستخدم طاولة المفاوضات ليس لتحقيق سلام عادل، بل لالتقاط الأنفاس وإعادة رصد الأهداف وتنفيذ عمليات “أمنية غادرة” تحت غطاء الحوار. 

إن التجربة المريرة مع الوعود الأمريكية وسابقة نقض الاتفاقات الدولية تجعل من الضروري بمكان عدم الركون إلى لغة “التهدئة” ما لم تكن مقترنة بضمانات حقيقية ورفع شامل للحصار الاقتصادي. فالتفاوض في مفهوم الخصم قد يكون مجرد وسيلة لتعويض الفشل العسكري عبر انتزاع تنازلات سياسية لم يستطع الحصول عليها بالصواريخ.

علاوة على ذلك، فإن شبح “الحرب المستمرة” يظل قائما ما دام هناك تيار داخل واشنطن وتل أبيب يرى في الهدنة “هزيمة استراتيجية”. إن التخوف من أن تستغل إيران وقت السلم لإعادة بناء ما دمرته الحرب وتعزيز ترسانتها العسكرية يدفع بالمتطرفين إلى التفكير في “ضربة استباقية” جديدة لكسر ميزان القوى الحالي.

لذلك، فإن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يبنى على أساس “الندية الكاملة” ورفض أي شروط تمس بالسيادة أو القدرات الدفاعية. إن ماراتون “صراع الإرادات” لم ينتهِ بوقف إطلاق النار، بل انتقل إلى أروقة الدبلوماسية وحروب الأعصاب، حيث تظل القدرة على العودة إلى الميدان هي الضمانة الوحيدة لنجاح أي مسار تفاوضي يحفظ حقوق الأمة ويمنع تكرار المأساة.

Image

آفاق المستقبل: استعداد دائم لحرب “متعددة الأبعاد”

في الختام، يظل التساؤل “هل ستعود الحرب؟” معلقا بمدى قدرة إيران وحلفائها على الحفاظ على مستوى عالٍ من اليقظة والجاهزية. إن الحرب لم تكن عسكرية فحسب، بل هي حرب “هجينة” تشمل أبعادا اقتصادية وإعلامية ونفسية، تهدف في جوهرها إلى كسر إرادة الصمود لدى الشعب. 

إن التحضير للمرحلة المقبلة يتطلب استراتيجية “شاملة” لا تكتفي بالردع العسكري، بل تمتد لتشمل تحصين الاقتصاد وتحطيم سلاح العقوبات عبر ابتكار مسارات بديلة للتجارة والتعاون الإقليمي. فالعدو لن يتوقف عن محاولاته التخريبية، ولكنه سيغير تكتيكاته من المواجهة المباشرة إلى “الحروب الظلية” أو الضغوط الاقتصادية المكثفة.

إن الدرس الأكبر من حرب الأربعين يوما هو أن “ثمن المقاومة أقل بكثير من ثمن الاستسلام”. فالمقاومة أثمرت ردعا أجبر القوى العظمى على التراجع والجلوس خلف طاولات المفاوضات، بينما كان الاستسلام سيؤدي إلى تمزيق البلاد وضياع ثرواتها. 

وبناء على ذلك، فإن صياغة المستقبل تتطلب توازنا دقيقا بين الانفتاح الدبلوماسي الحذر وبين الحفاظ على “إصبع الزناد” جاهزاً، فالسلام في هذا الجزء من العالم لا يحميه حسن النوايا، بل تحميه القوة القادرة على إلحاق الهزيمة بأي مغامرة عدوانية جديدة. 

المنطقة اليوم تقف على مفترق طرق؛ إما استقرار مبني على توازن القوى والاعتراف بالحقوق، أو انفجار قادم قد يكون أوسع مدى وأكثر تدميراً مما سبق إذا ما غلب الوهم مرة أخرى على عقول قادة واشنطن وتل أبيب.