الاقتصاد الإيراني بعد الاتفاق المحتمل مع الولايات المتحدة… بين فرص الانفراج ومخاطر تأجيل الإصلاح

على امتداد السنوات الأخيرة، ظل الاقتصاد الإيراني رهينة تداخل معقد بين العقوبات الدولية والتوترات الجيوسياسية والاختلالات البنيوية الداخلية. ومع تصاعد الحديث داخل الأوساط السياسية والاقتصادية الإيرانية عن اقتراب تفاهم أو اتفاق جديد بين طهران وواشنطن، عاد الجدل حول مستقبل الاقتصاد الإيراني إلى الواجهة، وسط تساؤلات بشأن حجم المكاسب التي يمكن أن يحققها الاتفاق، ومدى قدرته على معالجة الأزمات المزمنة التي يعانيها الاقتصاد، من التضخم المرتفع وتراجع قيمة العملة الوطنية إلى ضعف الاستثمار وتباطؤ النمو.

وتتفق غالبية التحليلات الاقتصادية الإيرانية، رغم اختلاف درجات تفاؤلها، على أن أي اتفاق محتمل مع الولايات المتحدة سيشكل نقطة تحول مهمة في مسار الاقتصاد الإيراني، لكنه لن يكون بحد ذاته ضمانة لتحقيق نمو مستدام أو معالجة تلقائية للمشكلات الهيكلية التي تراكمت خلال عقود. فالتجربة الإيرانية مع الاتفاق النووي السابق عام 2015، وما أعقبها من انسحاب أمريكي عام 2018، جعلت المؤسسات الاقتصادية والمستثمرين أكثر حذرا في تقييم آثار أي اتفاق جديد وأكثر تركيزا على مسألة الاستدامة والقدرة على تحويل الانفراج السياسي إلى إصلاح اقتصادي طويل الأمد.

الدولار والتضخم… المستفيد الأول من خفض التوترات

يجمع الخبراء الإيرانيون على أن سوق الصرف سيكون أول القطاعات استجابة لأي تفاهم بين إيران والولايات المتحدة، باعتباره السوق الأكثر حساسية تجاه المتغيرات السياسية. فعلى مدار سنوات العقوبات، تحول الدولار إلى ملاذ آمن للأفراد والشركات في مواجهة التضخم وعدم اليقين، ما أدى إلى ارتفاع الطلب عليه بصورة مستمرة وساهم في موجات متتالية من تراجع قيمة الريال الإيراني.

Image

وفي حال التوصل إلى اتفاق يؤدي إلى تخفيف العقوبات ورفع جزء من القيود المفروضة على التجارة الخارجية والصادرات النفطية، فإن الطلب الاحتياطي على الدولار مرشح للتراجع بصورة ملحوظة. كما أن تحسن إمكانية الوصول إلى الموارد النقدية الأجنبية، سواء عبر زيادة صادرات النفط أو الإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج، سيؤدي إلى تعزيز المعروض من العملات الأجنبية داخل السوق المحلية.

ورغم ذلك، لا تتوقع معظم الدراسات الاقتصادية الإيرانية حدوث انهيار كبير أو دائم في سعر الدولار. فالمشكلة الأساسية، بحسب هذه الدراسات، لا تكمن فقط في العقوبات أو محدودية الإيرادات الخارجية، بل أيضا في استمرار الضغوط التضخمية الداخلية الناتجة عن نمو السيولة النقدية والعجز المزمن في الموازنة العامة. ولهذا فإن السيناريو الأكثر ترجيحا يتمثل في استقرار نسبي لسعر الصرف وانخفاض حدة التقلبات، أكثر من كونه انخفاضا حادا ومستداما في سعر الدولار.

وينعكس هذا الوضع مباشرة على التضخم الذي يمثل التحدي الأكبر للاقتصاد الإيراني. فالتقديرات الإيرانية تشير إلى أن التضخم السنوي وصل إلى مستويات قياسية تجاوزت 80 في المئة خلال الفترة الأخيرة، نتيجة تداخل عوامل متعددة تشمل ارتفاع السيولة النقدية، وتقلبات سعر الصرف، والقيود المفروضة على التجارة الخارجية، إضافة إلى الاختلالات الهيكلية في المالية العامة.

Image

ويرى الخبراء أن الاتفاق المحتمل يمكن أن يخفف جزءا من الضغوط التضخمية عبر ثلاث مسارات رئيسية، أولها تسهيل الواردات وتخفيف القيود التجارية، ما يساعد على زيادة المعروض من السلع والمواد الأولية. وثانيها تحقيق استقرار أكبر في سوق العملات الأجنبية، وبالتالي الحد من انتقال صدمات سعر الصرف إلى أسعار السلع والخدمات. أما المسار الثالث فيتمثل في تحسين التوقعات الاقتصادية وتقليص المخاوف المرتبطة بالتوترات السياسية والأمنية.

غير أن أغلب المحللين يؤكدون أن انخفاض التضخم بشكل جوهري سيظل مرتبطا بإصلاحات مالية ونقدية داخلية، تشمل ضبط نمو السيولة، وتقليص العجز في الموازنة، وإصلاح النظام المصرفي، لأن الاتفاق السياسي وحده لا يستطيع معالجة الأسباب البنيوية للتضخم.

النفط والاستثمار والنمو الاقتصادي… الرابح الأكبر من الاتفاق

إذا كان الدولار والتضخم يمثلان أول المؤشرات التي ستتفاعل مع الاتفاق، فإن النمو الاقتصادي يعد المستفيد الأكبر على المدى المتوسط والطويل. فقد عانى الاقتصاد الإيراني خلال السنوات الأخيرة من تراجع الاستثمارات وتقلص الصادرات النفطية وارتفاع تكاليف التجارة الخارجية، ما انعكس على معدلات النمو وأدى إلى دخول العديد من القطاعات في حالة ركود أو نمو ضعيف.

وتشير التقديرات الإيرانية إلى أن أولى نتائج الاتفاق المحتمل ستظهر في قطاع النفط والغاز، الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد الإيراني ومصدر الجزء الأكبر من الإيرادات بالعملة الأجنبية. فرفع القيود المفروضة على صادرات النفط سيمكن إيران من بيع إنتاجها عبر قنوات رسمية وبأسعار أقرب إلى الأسعار العالمية، بدلا من الاعتماد على الخصومات الكبيرة والوسطاء الذين فرضتهم ظروف العقوبات.

Image

ومن المتوقع أن يؤدي ذلك إلى زيادة الإيرادات النفطية وتحسين الوضع المالي للدولة، فضلا عن خفض التكاليف المرتبطة بالالتفاف على العقوبات. كما أن عودة شركات الطاقة العالمية واستئناف التعاون التقني والاستثماري في قطاع النفط والغاز يمكن أن يرفع القدرة الإنتاجية للقطاع ويزيد من مساهمته في النمو الاقتصادي.

ولا تقتصر المكاسب المحتملة على قطاع الطاقة وحده، بل تمتد إلى قطاعات البنوك والخدمات المالية والنقل والشحن البحري والبتروكيماويات والصناعات المرتبطة بالتجارة الخارجية. فاستعادة العلاقات المصرفية الطبيعية مع النظام المالي العالمي ستؤدي إلى خفض تكاليف التحويلات المالية وفتح الاعتمادات المستندية وتسهيل حركة التجارة والاستثمار.

كما يتوقع أن تستفيد صناعة السيارات من عودة التعاون مع الشركات الأجنبية ونقل التكنولوجيا الحديثة، في حين يمكن لقطاع السياحة أن يشهد نموا ملحوظا إذا ترافق الاتفاق مع تحسن صورة إيران الخارجية وتراجع المخاطر الأمنية.

Image

أما في قطاع التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، فتشير بعض التقديرات إلى إمكانية دخول استثمارات أجنبية جديدة أو إقامة شراكات مع شركات دولية، وهو ما قد ينعكس إيجابا على الشركات الإيرانية العاملة في مجالات التكنولوجيا والخدمات الإلكترونية.

وفي هذا السياق، يرى بعض المحللين أن الاتفاق قد يدفع الاقتصاد الإيراني تدريجيا نحو نموذج أكثر انفتاحا على الاقتصاد العالمي، مع زيادة دور القطاع الخاص وارتفاع معدلات الاستثمار. غير أن الرئيس السابق للبنك المركزي الإيراني ولي الله سيف يحذر من المبالغة في التفاؤل، مؤكدا أن الاتفاق لا يصنع النمو تلقائيا، بل يخلق فرصة يمكن استثمارها إذا ترافق ذلك مع إصلاحات اقتصادية داخلية حقيقية.

بين فرصة تاريخية ومخاطر تكرار أخطاء الماضي

رغم الصورة الإيجابية التي ترسمها معظم التوقعات الاقتصادية لمرحلة ما بعد الاتفاق، فإن جزءا مهما من النقاش داخل إيران يتركز على المخاطر التي قد ترافق مرحلة الانفراج، خصوصا في ظل التجارب السابقة التي شهدت تدفقا للإيرادات النفطية دون أن تتحول إلى تنمية مستدامة.

وتحذر العديد من الدراسات الاقتصادية من الوقوع فيما يعرف بوهم الوفرة، أي الاعتقاد بأن زيادة الإيرادات النفطية كافية لحل المشكلات الاقتصادية. فالتجارب السابقة أظهرت أن ارتفاع العائدات النفطية قد يؤدي أحيانا إلى تأجيل الإصلاحات الهيكلية وتعزيز الاعتماد على الإنفاق الحكومي بدلا من تحسين الإنتاجية والتنافسية.

Image

كما يحذر الخبراء من مخاطر تثبيت سعر الصرف بصورة مصطنعة اعتمادا على الإيرادات النفطية الجديدة، لأن ذلك قد يؤدي إلى إضعاف القدرة التنافسية للصادرات غير النفطية وزيادة الاعتماد على الواردات، وهو نمط سبق أن ساهم في خلق أزمات اقتصادية لاحقة.

وفي المقابل، تؤكد معظم التقديرات أن النجاح الحقيقي لأي اتفاق سيعتمد على قدرة الحكومة الإيرانية على استغلال فترة الانفراج لتنفيذ إصلاحات مؤجلة منذ سنوات، تشمل إصلاح الموازنة العامة، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وتحسين بيئة الاستثمار، ومعالجة أزمة الطاقة، وتوحيد أسعار الصرف، وتوسيع القاعدة الضريبية.

ويبرز ملف مجموعة العمل المالي (FATF) كأحد التحديات الرئيسية أمام تحقيق الاستفادة الكاملة من أي اتفاق محتمل، فحتى في حال رفع جزء من العقوبات، ستظل قدرة إيران على الاندماج في النظام المالي العالمي محدودة إذا لم تحل الإشكالات المرتبطة بالمعايير المالية الدولية، وهو ما قد يعيق تدفق الاستثمارات ويحد من الاستفادة من الانفتاح الاقتصادي.

Image

كما يشير بعض الخبراء إلى أن استدامة أي تحسن اقتصادي ستبقى مرتبطة بمدى استقرار الاتفاق نفسه. فالمستثمرون المحليون والأجانب لا يركزون فقط على توقيع الاتفاق، بل على ضمان استمراره وقدرته على الصمود أمام التغيرات السياسية في البلدين. ولذلك فإن الأسواق ستراقب ليس فقط الإعلان عن الاتفاق، بل أيضا مدى تحول التفاهمات السياسية إلى مصالح اقتصادية متشابكة تجعل التراجع عنها أكثر صعوبة.

في الأخير، يبدو أن الاتفاق المحتمل بين إيران والولايات المتحدة يمكن أن يشكل نقطة تحول مهمة للاقتصاد الإيراني عبر تخفيف الضغوط على سوق الصرف، وتهدئة التضخم، وزيادة الصادرات النفطية، وتحفيز الاستثمار والنمو. إلا أن التجربة الإيرانية، كما يؤكد العديد من الخبراء، تشير إلى أن الاتفاق بحد ذاته ليس سوى نافذة فرصة. أما تحويل هذه الفرصة إلى مسار تنموي مستدام، فسيظل رهنا بقدرة صناع القرار في إيران على تنفيذ إصلاحات اقتصادية عميقة ومعالجة الاختلالات الهيكلية التي ظلت تشكل عبئا على الاقتصاد طوال العقود الماضية.

كلمات مفتاحية: