- زاد إيران - المحرر
- 96 Views
كتب: الترجمان
لم تعد مياه الخليج العربي مجرد ممر عالمي للطاقة، بل تحولت في الأسابيع الأخيرة إلى ساحة حرب مفتوحة أعادت رسم خارطة التوازنات الإقليمية والدولية. بعد أربعين يوما من الصراع الدامي الذي انطلق شرارته في أواخر فبراير/شباط 2026، يجد العالم نفسه أمام مشهد معقد تتداخل فيه الصواريخ الباليستية مع صراعات النفوذ السياسي، وتتهاوى فيه أحلام الاستقرار الاقتصادي تحت وطأة الطائرات المسيرة.
هذا التقرير يستعرض المشهد من زوايا متعددة، بدءا من المواجهات المباشرة بين إيران والإمارات، وصولاً إلى الفشل الاستراتيجي للمخططات الأمريكية الهادفة لتغيير النظام في طهران، وانتهاء بالتصدعات العميقة في جبهة الحلفاء الإقليميين.
الإمارات تحت النار: المواجهة الكبرى وانكسار حلم “الواحة الآمنة”
عاش سكان المدن الإماراتية الكبرى، دبي وأبوظبي، ساعات من الرعب غير المسبوق مع صدور سلسلة من التحذيرات الطارئة عبر الهواتف المحمولة، تطالبهم بالتوجه فورا إلى الملاجئ والأماكن الآمنة. وزارة الدفاع الإماراتية، التي وجدت نفسها في مواجهة واحدة من أعقد الهجمات الجوية، أعلنت عن رصد واعتراض صواريخ كروز وطائرات مسيرة انتحارية انطلقت من الأراضي الإيرانية. ورغم تأكيدات الدفاعات الجوية على إسقاط معظم الأهداف فوق المياه الإقليمية، إلا أن التقارير الميدانية وصور الأقمار الصناعية كشفت عن اندلاع حرائق هائلة في مراكز حيوية، كان أبرزها منشآت النفط في الفجيرة وميناء جبل علي، الذي يعد الرئة الاقتصادية للمنطقة.
هذه الهجمات لم تكن مجرد رسائل عسكرية، بل كانت تهدف إلى ضرب “النموذج الإماراتي” في مقتل. طوال عقود، سوقّت الإمارات نفسها كبهشت آمنة للاستثمارات العالمية والسيادة السياحية، بعيداً عن صراعات الشرق الأوسط المشتعلة. اليوم، ومع توقف حركة الطيران في مطار دبي الدولي، أحد أكثر مطارات العالم ازدحاما، وهروب رؤوس الأموال وتحويل شحنات الذهب نحو سنغافورة، يبدو أن “فقاعة الأمان” قد انفجرت بالفعل.
إن استهداف منشآت الطاقة والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات الحيوية في أبوظبي، يؤكد أن طهران قررت نقل المعركة إلى العصب الحيوي الذي تعتمد عليه الدولة في رؤيتها المستقبلية، رداً على ما تصفه طهران بالدور الإماراتي “المحوري” في تسهيل العمليات العسكرية والاستخباراتية الأمريكية والإسرائيلية ضدها.

خريف الطموحات الأمريكية: لماذا سقط مخطط “قطع الرأس”؟
في الغرف المغلقة داخل البيت الأبيض، كان الرهان لدى إدارة دونالد ترامب يتركز على استراتيجية أطلق عليها “تغيير النظام عبر قطع الرأس”. كان المخطط، الذي تم صياغته بتنسيق عالي المستوى مع الموساد الإسرائيلي، يقوم على افتراض أن اغتيال القيادات العليا في هرم السلطة الإيرانية سيؤدي تلقائيا إلى انهيار الدولة من الداخل وخروج الجماهير إلى الشوارع ترحيباً بـ “المحررين”.
إلا أن الواقع الميداني أثبت سذاجة هذا التقدير؛ فبدلا من الانهيار، أدت الضربات الجوية والاغتيالات إلى موجة قومية عارمة وحالة من الاصطفاف الشعبي خلف المؤسسة العسكرية، حتى بين أولئك الذين كانوا يتبنون مواقف نقدية تجاه الحكومة.
لقد استند مشروع التغيير الأمريكي إلى ثلاثة أعمدة تهاوت جميعها: العمود الأول كان يعتمد على هجوم بري تقوده ميليشيات كردية، وهو ما قوبل برفض حاسم من تركيا والعراق اللتين خشتا من تمدد الفوضى نحو أراضيهما. العمود الثاني كان المراهنة على احتجاجات شعبية عارمة تتزامن مع قصف مراكز الباسيج، لكن القصف العشوائي، وخاصة المجزرة التي وقعت في مدرسة بمدينة ميناب وراح ضحيتها عشرات الأطفال، حول الغضب الشعبي تجاه واشنطن وتل أبيب.
أما العمود الثالث، فكان خلق قيادة بديلة في الخارج، وهو ما فشل تماما بسبب تشرذم المعارضة الخارجية وفقدانها لأي قاعدة جماهيرية حقيقية في الداخل. والنتيجة اليوم هي أن النظام الإيراني بات يمتلك قبضة أمنية أقوى وشرعية “دفاعية” لم يكن يمتلكها قبل بدء الحرب.
المقامرة الكبرى لمحمد بن زايد: الخروج من “أوبك” والشقاق مع الرياض
في الوقت الذي كانت فيه الصواريخ تتساقط، فجرت الإمارات قنبلة سياسية من نوع آخر بإعلان خروجها من منظمة “أوبك”. هذا القرار، الذي وصفه المحللون بأنه “مقامرة بن زايد الكبرى”، لم يكن تقنيا فحسب، بل كان إعلانا صريحا عن فض الاشتباك الاقتصادي مع المملكة العربية السعودية. لطالما كانت “أوبك” هي الأداة التي تفرض من خلالها الرياض هيمنتها على سوق الطاقة العالمي، وجاء الانسحاب الإماراتي ليضرب هذه الهيمنة في مقتل، رغبةً من أبوظبي في زيادة إنتاجها النفطي بشكل مستقل لتمويل تكاليف الحرب الباهظة وتعويض الخسائر الاقتصادية الناجمة عن توقف السياحة.
هذا التحرك أدى إلى شرخ عميق في التحالف الإماراتي السعودي؛ فبينما تحاول الرياض الحفاظ على توازن الأسواق وقيادة الجبهة الدبلوماسية، اختارت أبوظبي مسارا منفردا يتسم بالمخاطرة العالية. المشاحنات الإعلامية بين المغردين المقربين من دوائر صنع القرار في البلدين، والتشبيهات القاسية التي وصلت إلى وصف السياسة السعودية بـ “سياسة النعامة”، تعكس عمق الأزمة.
هذا التوتر لا يقتصر على الملف النفطي، بل يمتد إلى اليمن وليبيا والسودان، حيث باتت المصالح والأولويات بين الحليفين اللدودين تتصادم في كل ساحة، مما يجعل الجبهة العربية في مواجهة إيران تبدو هشة ومنقسمة أكثر من أي وقت مضى.

التحالف مع “إسرائيل”: سلاح ذو حدين
لم يعد الوجود الإسرائيلي في الخليج مجرد تنسيق سري، بل أصبح واقعا عسكريا ملموسا. كشفت التقارير عن نشر منظومات دفاع جوي إسرائيلية متطورة في العمق الإماراتي لحماية المواقع الحساسة من المسيّرات الإيرانية. وبينما ترى أبوظبي في هذا التحالف درعا يحميها من التغول الإيراني، ترى طهران في هذا الوجود تهديدا وجوديا ومبررا شرعيا لتحويل الإمارات إلى “ساحة معركة شرعية”.
الاستخبارات الإيرانية تؤكد أن المنشآت الإماراتية أصبحت غرف عمليات متقدمة للموساد، وهو ما دفع القيادة العسكرية الإيرانية لاتخاذ قرار برفع سقف الاستهداف ليشمل المصالح الاقتصادية الكبرى، معتبرة أن أي بلد يقدم تسهيلات للهجوم عليها هو “طرف متجاوز” يجب تأديبه.
إن الانخراط الإسرائيلي المباشر، ورفع مستوى التأهب في تل أبيب تعقيبا على أحداث دبي، يشير إلى أننا أمام “حرب إقليمية شاملة” مصغرة. إسرائيل التي فشلت استراتيجيتها في لبنان عبر اغتيال قادة حزب الله في تحقيق انهيار الحزب، تعيد تكرار ذات الخطأ في إيران، متجاهلةً طبيعة الشبكات الأيديولوجية المعقدة التي لا تسقط بسقوط الأفراد. واليوم، يجد السياح الإسرائيليون والمستثمرون الذين تدفقوا على دبي بعد اتفاقيات إبراهام أنفسهم عالقين في صراع لا يبقي ولا يذر، حيث تحولت الفنادق الفاخرة إلى أهداف محتملة، والممرات المائية إلى حقول ألغام.

التداعيات الاقتصادية: نزيف المليارات واهتزاز “البرند” العالمي
بالأرقام، تبدو الخسائر التي تكبدتها الإمارات مذهلة؛ فقد خسر سوق دبي وأبوظبي المالي ما يقارب 120 مليار دولار من قيمته السوقية في فترة وجيزة. قطاع العقارات، الذي يعد العمود الفقري للاقتصاد غير النفطي، شهد تراجعا في المعاملات بنسبة 37%، بينما أغلقت فنادق كبرى أبوابها بعد إلغاء آلاف الحجوزات.
الحصار البحري المتبادل في مضيق هرمز لم يؤثر فقط على تدفق النفط، بل ضرب صناعات أخرى مثل الألمنيوم، حيث توقف الإنتاج في مجمع “الطويلة” الاستراتيجي، مما أحدث هزة في الأسواق العالمية.
الأخطر من الخسائر المادية هو الضرر الذي لحق بـ “سمعة المنطقة”. إن فرار المستثمرين، وسحب سبائك الذهب من خزائن دبي باتجاه سنغافورة، يعكس فقدان الثقة في قدرة الدولة على حماية الأصول في زمن الحرب. التشديدات الأمنية والاعتقالات التي طالت أشخاصاً بتهمة تصوير آثار القصف، تؤكد أن السلطات تحاول يائسة السيطرة على “الصورة الذهنية” التي تضررت بشدة. لقد أثبتت هذه الحرب أن التكنولوجيا المتقدمة والناطحات السحاب الشاهقة تظل هشة أمام إرادة الصراع الجيوسياسي، وأن الرفاهية لا يمكن أن تستمر في بيئة مشتعلة بالعداوات.

نحو نظام إقليمي جديد؟
لم تعد المنطقة بأكملها كما كانت عليها قبل اندلال حرب الـ 40 يوما. إيران أثبتت قدرتها على الوصول إلى أي نقطة في الخليج وتعطيل شريان الحياة الاقتصادي، والولايات المتحدة اكتشفت حدود قوتها في تغيير الأنظمة عبر القصف الجوي، بينما وجدت الإمارات نفسها في مواجهة واقع مرير يفرض عليها مراجعة حساباتها بين طموحات التوسع الإقليمي وبين الحفاظ على أمنها الداخلي.
المشهد القادم في الخليج العربي سيحدده مدى قدرة الأطراف على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، ليس من أجل اتفاق نووي فحسب، بل من أجل صياغة “نظام أمن إقليمي” يعترف بموازين القوى الجديدة، بعيداً عن أوهام السيطرة المطلقة أو التغيير القسري للخرائط السياسية. إن الثمن الذي دُفع بالمليارات وبالأرواح، يضع الجميع أمام مسؤولية تاريخية لتجنب الانزلاق نحو حرب شاملة قد تحول المنطقة برمتها إلى ركام.

