لبنان بين توترات التيارات… تأرجح النفوذ الإيراني بين علاقات تاريخية متشعبة

كتبت: نادية مبروك

تشهد العلاقة بين طهران ولبنان اليوم طفرة في التغطية الإعلامية والمناهج التحليلية لاسيما بعد  زيارة على لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، إلى بيروت في أغسطس/آب 2025، التى تأتي في ظل معركة داخلية حول “نزع سلاح حزب الله” ومزايدات بين القوى السياسية حول السيادة والنفوذ، لكن هذه الزيارة ليست منعزلة عن بطانة تاريخية من الأزمات والصراعات داخل لبنان؛ بل تتقاطع معها بشكل واضح، هذا التحقيق يعرض مسبّبات هذه التوترات، ويشرح كيف أعاد تشكيل علاقات إيران مع التيارات اللبنانية على امتداد قرن من الزمن.

شجرة التيارات اللبنانية: تاريخ الصراع والترابط

 «الثنائي الشيعي»: حزب الله – حركة أمل

في أواخر ثمانينات القرن الماضي، تحولت العلاقة بين حركة أمل وحزب الله من مواجهات دامية داخل الضاحية الجنوبية إلى تحالف استراتيجي في يوميات السلطة اللبنانية. ومع مرور الوقت، أفضت هذه العلاقة إلى شراكة تكاملية؛ إذ أمّن كل منهما غطاء اجتماعيا للآخر، في مقابل دعم إيراني مستمر للحزب. سبق ذلك تصريح لـ الإعلام الإيراني بأن الطرفين يشكلان ركائز “المقاومة” في الساحة الشيعية، في إشارة واضحة لرسالة طهران بأن مطلبها لبناني داخلي وليس نظري فقط.

ومع التقلبات الإقليمية، تبرز أهمية هذا الثنائي، فكل شرخ داخلي بينهما يُصبح قطع في مصباح توازن النفوذ الإيراني داخل السلطة اللبنانية، لكن الواقع أظهر حتى زيارة لاريجاني الأخيرة نمطية التحالف، إذ جدد تأكيد دعمه لهما معا، في إشارة إلى أن طهران ما تزال توظّف الثنائي كقلب نابض في شبكتها اللبنانية.

“التيار الوطني الحر” العلاقة المسيحية المأزومة

يُعد اتفاق “مار مخايل” في يونيو 2006 بداية إعلان توافق بين التيار الوطني الحر وحزب الله، ضمن شبكة نفوذ شيعي–مسيحي يحقق مصالح الطرفين. وقد مثّل ذلك ضربة مرنة لحسابات التوازن الداخلي، وسقطة في جناح الخصم المسيحي الآخر.

Image

مع وصول ميشال عون إلى الرئاسة عام 2016، مدعوما من حزب الله، تبلورت علاقة استراتيجية مع طهران، لكن سرعان ما شابت هذه العلاقة مآخذ داخلية؛ خاصة حين بدأ الانهيار الاقتصادي وفساد المؤسسات وكأن التيار ارتبط بالخيار الإصلاحي وليس نجاحا، ووصفت جريدة الغارديان أنه “عندما تسلّم التيار الوطني الحر السُلطة بدعم شيعي، بدا وكأنه دفع ثمنا باهظا”، وهذا أثَّر على قبول طهران به شريكا قابلا للاستمرار، وعليه ركّزت رسائل دبلوماسية علي لاريجاني على “دعوة لبنانية تسامحية ورغبة في الحوار” بدل بناء نفوذٍ متشبّث كما في السابق.

“القوات اللبنانية” و”الكتائب” خلافات دفينة

يعد دعم القضية الفلسطينية محور خلاف رئيسي بين حزب القوات اللبنانية والكتائب وبين حزب الله، لاسيما مع تورط ميليشيا القوات اللبنانية في تنفيذ المجزرة جنبا إلى جنب مع الجيش اللبناني الجنوبي والجيش الإسرائيلي، ورغم أن رئيس حزب القوات اللبنانية حاليا، ورئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية حينها  سمير جعجع أعلن قبول اتفاق الطائف، والتخلي عن سلاح الكتائب، إلا أن ثلثي ميليشيا القوات اللبنانية تم استيعابه داخل الجيش اللبناني الرسمي، بالإضافة إلى تورط الحزب اللبناني في عمليات ارهابية منها تفجير كنيسة سيدة النجاة في 1994، واستمرت الخلافات تظهر على السطح بين الفينة والأخرى، أبرزها اتهام حزب الله وحركة أمل لحزب القوات اللبنانية باستهداف مظاهرة لهم ضد قاضي التحقيقات في قضية انفجار مرفأ بيروت.

يعد اعتراف القوات اللبنانية بحصرية السلاح للدولة موقفا منسجما مع خطاب غربي–سني تدينه إيران على أساس حماية القرار السيادي اللبناني، ومتوافق مع الخلافات الدفينة بين القوات اللبنانية وحزب الله، حيث قال جعجع في تصريحات إعلامية أن “حزب الله” فتح جبهة قتال مع إسرائيل لـ دعم “حماس”، مما ألحق ضرر بـ لبنان، وطالب “حزب الله” بـ الانسحاب من المناطق المحاذية للحدود مع إسرائيل، وأن يتولى الجيش اللبناني الانتشار في كل المواقع التي تمركز فيها مقاتلو حزب الله، وهو الموقف الجاذب للغطاء السعودي أو الغربي على حساب غطاء إيران، مما يرفع كلفة النفوذ الإيراني ومنظومته عن لبنان.

Image

المواجهة مع السعودية عبر تيار المستقبل

لعب سعد الحريري رئيس الوزراء اللبنانى السابق، ورئيس حزب تيار المستقبل، دور مركزي في المشهد السني المستقل عن إيران (خط 14 آذار)،  حيث ورث بعد اغتيال والده في 2005، علاقاته المتشعبة مع المملكة العربية السعودية، لذلك كان دائما في مواجهة مع أي نفوذ إيران داخل لبنان بسلوك سياسي واضح، فالمواجهة بين تيار المستقبل وبين حزب الله كانت مواجهة بين الرياض وطهران، وهو ما اتضح بصورة جلية في استقالته من رئاسة الوزراء اللبنانية عبر التليفزيون من داخل مدينة الرياض في 2017، وسط تكهنات حول احتجازه في المملكة العربية السعودية، هذه الإرث لا يزال يحدد المشهد السني حتى بعد تقلّص دور المستقبل فهو يشكل مرجعية للمعارضة المناهضة لتدخل طهران أو حزب الله.

الحزب التقدمي الاشتراكي: توازن الجبل

عبر التاريخ السياسي اللبناني، يتحرك وليد جنبلاط بين خطوط نجدية وسورية وإيرانية على قدر مصالح الشوف؛ دخولا وخروجا من الاتفاقات وفق المزاج الطائفي. صحيفة لوريان تودي رصدت موقفه المتذبذب، ووصفت تحركاته دوما بأنها محاولة لتفادي انهيار الجبل إلى فوضى هذا الحدس البراغماتي جعل طهران تراقبه، دون منحه غطاء مؤسسي ثابت؛ إذ تبعث إليه رسائل دعم مشروطة عبر حزب الله، لكنه ليس الحليف المسيحي القوي.

ما رصدته الصحيفة السابقة، يظهر بقوة في مواقف جنبلاط، ففي  2011–2015 تغيرت مواقف جنبلاط علنا أكثر من مرة بشأن التدخّل السوري وموقف حزب الله من الأزمة السورية. إيران رصدت تلك التحولات ببراغماتية: لم تعتبره صديقا ثابتا لكن تعاملت مع إشارات المصالحة أو التهدئة بإيجابية إعلامية، فتبرز لقاءات جنبلاط مع المسئولين السوريين أو الإيرانيين.

Image

ويعد موقف جنبلاط الأخير من محاولة نزع سلاح حزب الله بالمخالفة لاتفاق الطائف الذي نص على عدم المساس بسلاح المنظمات في مناطق المواجهة مع إسرائيل، حيث قال إن نزع السلاح هو إملاء اسرائيلي، دعم لموقف حزب الله، ومن ثم إيران.

زيارة لاريجاني: انعطاف استراتيجي أم تثبيت للموجود؟

زيارة علي لاريجاني في أغسطس/آب 2025، جاءت حين بدا أن الحكومة اللبنانية تمر بأصعب منعطف؛ حيث تبنت خطة لإخضاع سلاح حزب الله لجهاز الدولة، في لحظة تصاعد فيها النقاش حول السيادة. ووفق رصد رويترز، أكد الرئيس اللبناني أثناء اللقاء، مبدأ لا جماعات مسلحة خارج الدولة.

Image

في استجابة مدروسة، قال لاريجاني إن إيران “تحترم قرارات لبنان المستقلة” فيما وصف حزب الله بأنه “مصدر فخر وعزة”؛ ما يظهر أن الصيغة القائمة متمثلة في دعم غير مباشر مقنع، تتفضّلها طهران بدل المواجهة المفتوحة.

 هذا التوازن الهش تتكفل به غالبا المؤسسات الشيعية “حزب الله–أمل”؛ أما باقي الفضاء السياسي فيحمل طهران مسؤولية أزمة التوافق في ما بعد الزيارة. وأثار ذلك تشنجات داخلية في صفوف المعارضة المسيحية، حتى أن بعض الأصوات دعت إلى إعادة النظر بالعلاقات الثنائية.

سيناريوهات مستقبلية: خطوات إيران داخل بيئة التفكك السياسي

هناك عدة سيناريوهات مستقبلية تحكم التحرك الإيراني داخل لبنان، سيناريوهات مرهونة بالتحولات الداخلية، أو الضغط الدولي أو تطورات الوضع في سوريا.

نزع السلاح كما في خطة الحكومة: إذا تابعت الحكومة قرارها دون تعديل، قد تُجبر طهران على دفع ثمن سياسي بإعادة تصدير الدعم لصندوق خدماتي: وقود، إعمار، مساعدات، كمحمول للشرعية دون ظهور واضح.

فشل المسار ورجوع ساحة النفوذ لحزب الله: هنا تعيد إيران دعمها العسكري مع تفعيل الشبكة الاجتماعية وربما تكرار تجربة الممرات عبر سوريا، إذا سمحت الظروف الإقليمية.

تحول السلطة إلى الغطاء الممسوك: طهران قد تحول من بناء نفوذ إلى تثبيت موجود، عبر زيادة العطاء الاقتصادي ودعوة إلى الحوار الرسمي مع القوى غير المعارضة كاستراتيجية مواجهة

العلاقة بين لبنان وإيران ليست عقد اقتصادي أو عسكري عابر، بل هي سلسلة من التفاعلات التاريخية المتراكمة، تعكس تحولات داخلية في توازن القوى. كل تيار لبناني له ذاكرته السياسيّة، ولكل منها موقف يتغيّر وفقا لمعادلات الهوية، الإنجاز، النزاع. 

زيارة لاريجاني هي أحدث فصول هذه اللعبة، السؤال الأهم الآن: هل ستنجح طهران في “دبلوماسية الشرعية” لاستمرار حضورها، أم أن الداخل اللبناني بصراعاته سيعيد ترتيب خريطة النفوذ بوجهها المعاد؟