- زاد إيران - المحرر
- 343 Views
إذا كان الإنفاق العسكري والأمني يمثل الذراع الصلبة للدولة الإيرانية، فإن الإنفاق الثقافي والإعلامي والرياضي يشكل ذراعها الناعمة، والأداة التي تراهن عليها السلطة في إدارة المجتمع، وتوجيه الرأي العام، وإعادة إنتاج منظومة القيم التي ترى أنها الضامن الأساسي للاستقرار الداخلي. وفي موازنة 2026، لا يظهر هذا القطاع بوصفه هامشيا أو ثانويا، بل كحقل إنفاق منظم بعناية، ومحمل بدلالات سياسية وأيديولوجية عميقة.
حيث يكشف الجدول رقم 12 في مشروع الموازنة، والمخصص لبرامج التآزر والارتقاء بالأنشطة و الإنتاجات الثقافية، عن حجم هذا الرهان بوضوح، فقد خصص لهذا الجدول ما مجموعه 100 27.3 مليون دولار تقريبا، ورغم أن هذا الرقم يبدو محدودا مقارنة بإجمالي الموازنة، إلا أن أهميته تكمن في طبيعة البنود التي يموّلها، لا في حجمه المطلق، إذ يتركز هذا الإنفاق على مجالات تشكيل الوعي الجمعي، وتعزيز الهوية الأيديولوجية، وضبط المجال الثقافي والإعلامي.

على أن هذا الجدول يمول من مصدر خاص نصت عليه الخطة التنموية السابعة، يقضي بتخصيص 1% من نفقات الشركات الحكومية للبرامج الثقافية، وبهذا المعنى، لا يأتي الإنفاق الثقافي هنا على حساب بنود اجتماعية مباشرة، بل يقتطع من فوائض الاقتصاد الحكومي، ما يمنحه حصانة سياسية نسبية، ويجنبه المنافسة المباشرة مع مطالب الصحة أو التعليم.
يتوزع هذا الإنفاق على ثمانية محاور رئيسية، أبرزها وأكثرها كلفة محور الارتقاء بنمط الحياة الإيراني الإسلامي وتطوير الثقافة والفنون، الذي استحوذ وحده على 20.1مليون دولار، ليكون البند الأكبر في الجدول بأكمله. هذا الرقم يعكس بوضوح أولوية الدولة في الاستثمار في نمط حياة محدد، لا بوصفه خيارا ثقافيا، بل كسياسة عامة تدار بأدوات مالية.
ضمن هذا المحور، خصص ما يقارب 7.19 ملايين دولار، لدعم إنتاجات الصناعات الثقافية، وعلى رأسها الرسوم المتحركة وألعاب الفيديو. كما خصص المبلغ نفسه لإنتاج أفلام سينمائية فاخرة وقيمية تتناول موضوعات التاريخ، والدفاع المقدس، ومحور المقاومة، ونمط الحياة الإيراني الإسلامي، هذا التوازي في التمويل بين السينما وألعاب الفيديو يكشف إدراك الدولة لأهمية الوسائط الحديثة في مخاطبة الأجيال الشابة، ومحاولة استعادة التأثير في فضاء ثقافي بات شديد التنافسية.
في المقابل، خصص لتطوير البنى التحتية السينمائية 500 نحو 360 ألف دولار، وهو رقم متواضع يعكس أن الأولوية ليست لبناء صناعة سينما مستقلة ومستدامة، بل لإنتاج محتوى موجه يخدم سرديات بعينها، أما بند تعزيز ثقافة الإيثار والشهادة، فقد حصل على 2.16مليون دولار، وهو رقم يفوق بستة أضعاف موازنة البنى التحتية السينمائية، ما يوضح طبيعة التوازنات القيمية التي تحكم هذا القطاع.
وفي أدنى سلم هذا المحور، نجد بند إطلاق منظومة رصد وقياس مؤشرات الثقافة العامة ونمط حياة المجتمع والمرجعية الإعلامية، الذي خصص له 144 ألف دولار. ورغم تواضع الرقم، إلا أن دلالته السياسية كبيرة، إذ يشير إلى اهتمام الدولة بقياس التحولات الثقافية والاجتماعية، ورصد اتجاهات الرأي العام، ولو بأدوات محدودة ماليا.

أما محور الخطاب الديني، والتبيين، والترويج للمعارف الدينية، فقد خصص له ما مجموعه 18.3 مليون دولار، فيما يعد هذا المحور ثاني أكبر بنود الجدول من حيث الحجم، ويضم أربعة برامج رئيسية، أبرزها تنفيذ وثيقة توجيه ودعم مساجد البلاد، التي استحوذت وحدها على 7.38ملايين دولار، لتكون أكبر بند منفرد في الجدول بأكمله.

ويكشف هذا الرقم عن الرهان المستمر على المسجد بوصفه وحدة اجتماعية ثقافية سياسية، لا تقتصر وظيفته على العبادة، بل تمتد إلى التعبئة الاجتماعية، والضبط القيمي، وإعادة إنتاج الخطاب الرسمي في الفضاء المحلي، ويأتي هذا الاستثمار في وقت تتراجع فيه، بحسب تقارير غير رسمية، معدلات المشاركة الشبابية في المؤسسات الدينية التقليدية، ما يعكس محاولة الدولة تعويض التراجع الاجتماعي بالضخ المالي.
إلى جانب ذلك، فقد خصص مبلغ 6.22ملايين دولار، لتنفيذ الوثائق الاستراتيجية لتطوير الثقافة القرآنية، فيما خصص نحو 3.24 ملايين دولار، للترويج لأفكار وآثار إمامي الثورة كما ذكر البند، إضافة إلى 1.44 مليون دولار، لترويج ثقافة المهدوية والانتظار، والتي ترتبط بأصل المذهب الشيعي.
أما في مجال الإعلام، فقد خصص محور تقديم الخدمات والإنتاجات الإعلامية نحو 7.55 ملايين دولار، خصص بالكامل لدعم وتعزيز الإنتاجات والمرجعية الإعلامية للإعلام الوطني، ورغم أن هذا الرقم لا يشمل كامل موازنة هيئة الإذاعة والتلفزيون، إلا أنه يعكس استمرار دعم الدولة للإعلام الرسمي بوصفه أداة مركزية في مواجهة الإعلام الخارجي ووسائل التواصل الاجتماعي.
والدبلوماسية الثقافية، فقد خصص لها نحو 8.53ملايين دولار، لتنفيذ وثيقة الأنشطة الثقافية الدولية، ويأتي هذا الاستثمار في سياق سعي الدولة للحفاظ على حضورها الثقافي خارج الحدود، لا سيما في البيئات التي تعتبرها امتدادا استراتيجيا لها، في ظل تراجع أدوات التأثير التقليدية.
على الجانب الرياضي، خصص محور تطوير الرياضة الجماهيرية والبطولية مبلغ 7.19ملايين دولار، لدعم البرامج الأولمبية والبارالمبية والاتحادات الرياضية، ورغم أن هذا الرقم يبدو إيجابيا في ظاهره، إلا أن مقارنته بالإنفاق الثقافي الأيديولوجي تطرح تساؤلات حول موقع الرياضة بوصفها حقا اجتماعيا، لا مجرد أداة تمثيل دولي.

تكشف القراءة الشاملة لهذا المحور أن الإنفاق الثقافي والإعلامي في موازنة 2026/2027 لا يدار بمنطق التنوع أو الحرية الثقافية، بل بمنطق الهندسة القيمية، فالدولة لا تمول الثقافة بوصفها مجالا مفتوحا للإبداع، بل كأداة لإعادة إنتاج سرديتها، وضبط التحولات الاجتماعية، ومواجهة ما تعتبره اختراقا ثقافيا، وفي حين تواجه قطاعات الصحة والتعليم ضغوطا تمويلية حقيقية، لا يبدو أن الإنفاق الثقافي الأيديولوجي خضع لمنطق التقشف نفسه. وهو ما يطرح سؤالا مركزيا، هل ترى الدولة في الثقافة والإعلام خط الدفاع الأول عن النظام، تماما كما ترى في الجيش والأمن خط الدفاع الأخير؟

