- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 10 Views
تحولت أزمة الدواء في إيران خلال الأشهر الأخيرة من مشكلة قطاعية إلى واحدة من أكثر الأزمات الاجتماعية والصحية إلحاحا، بعدما تزامنت حالات النقص المتزايدة في الأدوية مع ارتفاعات حادة في الأسعار، وتعثر سلاسل الإمداد، وتفاقم أزمة السيولة لدى شركات الإنتاج والصيدليات وشركات التأمين. وبينما تؤكد وزارة الصحة أن الإنتاج الدوائي لم يتوقف وأن منظومة العلاج ما زالت تعمل، تكشف شهادات المرضى والصيادلة والخبراء عن واقع أكثر تعقيدا، تتداخل فيه عوامل العقوبات والعملة الأجنبية والنقل الدولي والتمويل الحكومي، لتشكل جميعها حلقات أزمة تهدد الأمن الدوائي في البلاد.
أزمة مركبة تضرب الإنتاج والاستيراد وسلاسل الإمداد
يرى مسؤولون وخبراء في قطاع الدواء الإيراني أن الأزمة الراهنة لا يمكن اختزالها في نقص بعض الأصناف أو ارتفاع أسعارها، بل هي نتيجة تراكم اختلالات هيكلية تمتد من مرحلة تأمين المواد الأولية وحتى وصول الدواء إلى المريض. وفي هذا السياق، أكد حسين كرمان بور، المتحدث باسم وزارة الصحة، أن الدواء أصبح جزءا من دورة اقتصادية عالمية تتأثر بشكل مباشر بأسعار الصرف وتكاليف الاستيراد والنقل، موضحا أن العديد من الأدوية المصنعة محليا ما زالت تعتمد على مواد خام ومعدات إنتاج وتغليف مستوردة من الخارج.

ويشير كرمان بور إلى أن ارتفاع أسعار العملات الأجنبية أدى إلى زيادة كبيرة في تكاليف المواد الأولية ومواد التعبئة والتغليف، في وقت لا تعدل فيه أسعار الأدوية بالسرعة نفسها، ما يضع الشركات المنتجة أمام معادلة صعبة تتمثل في ارتفاع تكاليف الإنتاج مقابل بقاء الأسعار الرسمية دون تعديل لفترات طويلة. ووفقا له، فإن بعض الشركات تجد نفسها عاجزة عن مواصلة الإنتاج بالأسعار القديمة، ما يؤدي إلى تراجع الإنتاج أو توقفه مؤقتا ونشوء حالات نقص في السوق.
وتتفاقم هذه المشكلة بسبب اضطرابات النقل وتحويل الأموال، حيث يكشف رئيس منظمة الغذاء والدواء، مهدي بير صالحي، أن جزءا كبيرا من المواد الأولية اللازمة لإنتاج أدوية الأمراض العصبية والنفسية وبعض اللقاحات يأتي من الهند، وأن العديد من الشحنات واجهت صعوبات في الوصول إلى إيران. كما أشار إلى بقاء نحو 100 طن من المواد الأولية الدوائية عالقة في منطقة جبل علي بالإمارات، إضافة إلى شحنات أخرى متوقفة في ميناء كراتشي الباكستاني.

وفي تصريحات أخرى، تحدث كرمان بور عن نحو 400 طن من المواد الأولية الدوائية التي ظلت عالقة لأشهر خارج البلاد قبل بدء إدخالها تدريجيا إلى إيران، مؤكدا أن اضطرابات النقل والتحويلات المالية أصبحت من أبرز أسباب الاختناقات الدوائية خلال الفترة الأخيرة.
وفي خضم هذا الجدل، وجه محمود هادي بور دهشال، الصيدلي ومستشار مؤسسة الأمراض الخاصة، انتقادات حادة إلى قطاع صناعة الدواء المحلي، معتبرا أن الشركات المنتجة لم تنجح في تحقيق الهدف الذي روج له على مدى عقود والمتمثل في تحقيق الاكتفاء الذاتي. وأشار إلى أن الحكومة دعمت هذا القطاع لسنوات طويلة بحجة تقليل الاعتماد على الخارج ومنع خروج العملة الأجنبية، إلا أن الأزمة الحالية أظهرت استمرار الاعتماد على الخارج في توفير المواد الأولية.

وتساءل هادي بور عن أسباب اختفاء بعض الأدوية المنتجة محليا مثل أسوفيكس الإيراني المستخدم للوقاية من الجلطات، في حين لا يزال دواء بلافيكس الفرنسي متوافرا في الأسواق رغم أنه منتج أجنبي يتم تعبئته داخل إيران. وبرأيه فإن هذا الواقع يثير تساؤلات جوهرية حول حقيقة الاكتفاء الذاتي الذي تم الترويج له طوال السنوات الماضية.
كما حذر من أن نقص الأدوية لا يقتصر على الأصناف العادية، بل يشمل أدوية حيوية يحتاجها المرضى المصابون بأمراض مزمنة ومستعصية، مشيرا إلى صعوبات يواجهها مرضى الثلاسيميا في الحصول على أدوية مثل ديسفيرال وجادينيو، إضافة إلى معاناة مرضى الهيموفيليا بسبب نقص بعض العوامل العلاجية الأساسية مثل العامل الثالث عشر، فضلا عن المشكلات المتزايدة المتعلقة بمشتقات البلازما الدوائية.
المرضى في مواجهة الغلاء والنقص… العلاج يتحول إلى عبء معيشي
انعكست الأزمة الدوائية بصورة مباشرة على حياة الإيرانيين، خاصة المرضى المصابين بأمراض مزمنة يحتاجون إلى أدوية مستمرة. ففي طهران ومدن أخرى، باتت أسعار العديد من الأدوية ترتفع بوتيرة أسرع من نمو الدخول، ما دفع كثيرا من المرضى إلى تقليص نفقاتهم الأساسية أو حتى التخلي عن بعض العلاجات.
وتنقل تقارير ميدانية لوكالة ارنا شهادات لمرضى يعانون من تداعيات الأزمة، فقد أوضحت مينا أحمدي، وهي مريضة سكري، أن سعر عبوة الميتفورمين التي تعتمد عليها يوميا ارتفع من نحو 2.2 مليون ريال إيراني، أي ما يعادل نحو 1.3 دولار، إلى 6 ملايين ريال إيراني، أي ما يعادل نحو 3.5 دولارات، خلال أشهر قليلة، ما ضاعف نفقاتها الشهرية بشكل كبير.

أما رضا، الذي يتولى رعاية والدته المصابة بالسكري، فأشار إلى أن أسعار الأنسولين ومستلزمات قياس السكر ارتفعت بصورة لافتة، مضيفا أن ندرة بعض الأصناف اضطرته إلى إعادة استخدام الإبر الطبية عدة مرات، ما تسبب في مضاعفات صحية لوالدته استدعت دخولها المستشفى.
وفي شهادة أخرى، قالت افسانة إن أسعار شرائط قياس السكر ارتفعت من 800 ألف ريال إيراني، أي ما يعادل نحو 0.47 دولار، إلى 4 ملايين ريال إيراني، أي ما يعادل نحو 2.35 دولار للعبوة الواحدة خلال فترة قصيرة، بينما تحدث عباس عن الارتفاع المستمر في تكاليف الاستشارات الطبية والفحوصات المخبرية، والتي أصبحت تشكل عبئا إضافيا على المرضى.
ومن أكثر الشهادات تعبيرا عن حجم الأزمة، ما روته مهدية، وهي متقاعدة خضعت لعملية قلب مفتوح، حيث أكدت أن نفقات أدويتها الشهرية تصل إلى 30 مليون ريال إيراني، أي ما يعادل نحو 17.6 دولار، حتى عند شراء أقل البدائل جودة، وأنها لم تعد قادرة على شراء دواء بلافيكس بانتظام بسبب ارتفاع سعره، رغم حاجتها اليومية إليه.

وتكشف هذه الشهادات عن فجوة متزايدة بين القدرة الشرائية للمواطنين وتكاليف العلاج. كما تعكس مشكلة أخرى أشار إليها محمود هادي بور، وهي الفجوة بين تعريف السلطات لمفهوم النقص وبين ما يعيشه المرضى فعليا. فبينما تعتمد الجهات الرسمية على توفر المادة الفعالة أو البديل الجنيس للحكم على وجود الدواء، يرى المرضى أن غياب المنتج الذي اعتادوا عليه أو الذي أثبت فعاليته بالنسبة لهم يمثل نقصا حقيقيا، خاصة بالنسبة للمصابين بالأمراض المزمنة أو النادرة الذين لا يستطيعون بسهولة تبديل أنواع الأدوية.
وفي ظل هذه الظروف، تزداد المخاوف من لجوء بعض المرضى إلى وقف العلاج أو تقليل الجرعات بسبب التكلفة المرتفعة أو عدم توفر الأدوية، وهو ما قد يؤدي إلى تدهور أوضاعهم الصحية وارتفاع الأعباء المستقبلية على النظام الصحي برمته.
أزمة السيولة والتأمين… الحلقة الخفية التي تخنق القطاع
إذا كان نقص المواد الأولية واضطرابات النقل يمثلان الوجه الظاهر للأزمة، فإن نقص السيولة المالية وتأخر سداد المستحقات يشكلان الحلقة الخفية التي تهدد استقرار القطاع الدوائي بأكمله، فيؤكد حسين كرمان بور أن دورة العمل في قطاع الدواء تعتمد على سلسلة مترابطة تبدأ بالدولة ثم شركات التأمين، فالصيدليات، ثم شركات التوزيع والمصانع المنتجة. وأي تأخير في إحدى هذه الحلقات ينعكس على بقية السلسلة. وعندما تتأخر الحكومة في تمويل شركات التأمين أو تتأخر شركات التأمين في سداد مستحقات الصيدليات، تتراجع السيولة المتاحة لدى جميع الأطراف، ما يؤدي في النهاية إلى تعثر الإنتاج والتوزيع.

وتبرز هذه الأزمة بوضوح في قطاع الصيدليات. فقد كشفت جمعية الصيادلة الإيرانيين أن الصيدليات أصبحت عمليا تشتري الأدوية نقدا وتبيعها بالأجل، لأن مستحقاتها من شركات التأمين لا تدفع إلا بعد أشهر طويلة. وأوضح رئيس الجمعية، شهرام كلانتري، أن حجم المستحقات المتأخرة للصيدليات بلغ نحو 500 تريليون ريال إيراني، أي ما يعادل نحو 294 مليون دولار، في حين ما زالت بعض شركات التأمين تسدد مستحقات تعود إلى عام سابق.
وحذر هادي أحمدي، عضو مجلس إدارة جمعية الصيادلة الإيرانيين، من أن استمرار هذا الوضع يهدد سلسلة الإمداد الدوائي بأكملها، مشيرا إلى أن نقص السيولة بات يمنع بعض الصيدليات حتى من شراء أدوية أساسية مثل الأنسولين.

وفي السياق نفسه، أشار أحمدي إلى أن برنامج دارويار الحكومي، الذي أنشئ لدعم أسعار الأدوية، لم يحصل على التمويل الكافي. فبينما طلبت منظمة الغذاء والدواء نحو 1.8 كوادريليون ريال إيراني، أي ما يعادل نحو 1.06 مليار دولار لهذا البرنامج، لم تتم الموافقة إلا على 800 تريليون ريال إيراني، أي ما يعادل نحو 470.6 مليون دولار، كما أن جزءا مهما من هذا التمويل لم يصرف فعليا.
من جهته، أقر محمد مهدي ناصحي، المدير العام لمنظمة التأمين الصحي الإيرانية، بأن المؤسسة تمكنت من تغطية الزيادات السعرية التي طالت 519 صنفا دوائيا بهدف تخفيف العبء عن المرضى، لكنه حذر من أن استمرار هذه السياسة يتطلب توفير موارد مالية إضافية. كما أشار إلى أن تأخر السداد للمؤسسات الصحية والصيدليات قد يدفع بعضها إلى إنهاء تعاقداته مع شركات التأمين، الأمر الذي سيؤدي إلى زيادة مباشرة في النفقات التي يتحملها المرضى.

وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو أزمة الدواء في إيران نتاجا لتداخل عوامل متعددة تبدأ من اضطرابات الاقتصاد الكلي وأسعار الصرف والعقوبات ومشكلات النقل الدولي، ولا تنتهي عند حدود الإنتاج أو الاستيراد. وبينما تؤكد وزارة الصحة أن منظومة العلاج ما زالت تعمل وأن الإنتاج الدوائي لم يتوقف، فإن استمرار الضغوط المالية ونقص السيولة وتزايد الأعباء على المرضى يطرح تحديات كبيرة أمام قدرة النظام الصحي على الحفاظ على استقرار سوق الدواء وضمان وصول العلاج إلى جميع الفئات، خصوصا المرضى المزمنين وأصحاب الأمراض الخاصة الذين يقفون اليوم في الخط الأول لمواجهة تداعيات هذه الأزمة المتفاقمة.

