الدعم النقدي بدل الإصلاح.. سياسات تقود إيران نحو مزيد من الفقر والتضخم

نشرت الصحيفة الإيرانية “دنياي اقتصاد“، يوم الأحد 13 يوليو/تموز 2025، تقريرا تحليليا موسّعا أوضحت فيه أن السياسات الاقتصادية المتّبعة في إيران خلال العقود الأخيرة اعتمدت بشكل مفرط على ضخ الأموال كحلول مؤقتة، بدلا من تنفيذ إصلاحات هيكلية وجذرية. 

ذكرت الصحيفة أن أحد أبرز سمات السياسات الاقتصادية في إيران خلال العقود الأخيرة يتمثل في الميل الشديد إلى اعتماد حلول مبسّطة، مؤقتة، وغالبا قائمة على ضخ الأموال بدلا من إجراء إصلاحات هيكلية وجذرية. 

وأضافت أن هذا النهج، رغم قدرته على التخفيف من بعض الآثار السلبية للأزمات على المدى القصير أو القيام بدور المهدئ المؤقت، إلا أنه لا يؤدي في الأجل الطويل إلى تحقيق تحسن مستدام، بل يُفضي إلى تفاقم الاختلالات، وزيادة اعتماد الاقتصاد على الحكومة، وتوسيع القاعدة النقدية، ونمو السيولة النقدية، وفي نهاية المطاف إلى تضخم مزمن.

وتابعت أن هذا النمط من السلوك كان واضحا في التعاطي مع العديد من الأزمات والمشكلات الاقتصادية التي شهدتها إيران، بما في ذلك ما يتعلق بسوق المال، وارتفاع سعر صرف العملة، والاختلالات في القطاع المصرفي وقطاع الطاقة، وضعف النمو الاقتصادي، وأزمة صناديق التقاعد.

وبيّنت أن هنري هازليت، الكاتب والاقتصادي الأمريكي، يرى أن الاقتصاد هو “فن دراسة النتائج الفورية وطويلة الأجل لأي إجراء أو سياسة اقتصادية، ليس فقط لمجموعة واحدة، بل لجميع المجموعات”، ويؤكد أن الفهم السليم للاقتصاد يتطلب النظر إلى ما وراء المصالح السطحية والقصيرة الأجل، والالتفات إلى العواقب غير المقصودة التي قد تترتب على السياسات المعتمدة.

وتابعت الصحيفة بالقول إن التمعّن في هذا التعريف لعلم الاقتصاد يبرز أن السياسات القائمة على ضخ الأموال وتغليب المصالح الآنية تتعارض فعليا مع مبادئ علم الاقتصاد، وتؤدي في المدى الطويل إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية بدلا من تحسينها.

سوق الأسهم

ذكرت الصحيفة أن من بين الأزمات التي لا يمكن معالجتها بضخ الأموال، تلك المتعلقة بسوق الأسهم، حيث يُعدّ أحد الأمثلة الحديثة على اللجوء إلى هذا النهج بدلا من الإصلاحات الهيكلية هو ضخ السيولة المباشرة في البورصة.

 وأضافت أن صناع القرار الاقتصادي، منذ فترة طويلة، يتجهون نحو تقديم دعم مالي مباشر لسوق الأسهم أو إطلاق وعود بالدعم النقدي من خلال “صندوق تثبيت السوق المالية”، بدلا من مراجعة أساليب الرقابة، وتوفير الشفافية المعلوماتية، وإنشاء بنى تحتية فعالة للتداول، أو إصلاح الآليات التحفيزية الخاصة بالشركات المدرجة.

وتابعت أن جوهر الأزمة في مثل هذه الحالات لا يكمن في نقص الموارد المالية المؤقتة، بل في غياب الثقة، وضعف الحوكمة المؤسسية، وغياب الشفافية المعلوماتية، وعدم قدرة الشركات على تحقيق أرباح مستدامة.

 وأوضحت أن هذه التدخلات النقدية قد تؤدي مؤقتا إلى الحيلولة دون المزيد من تراجع المؤشر، لكنها لا تعالج جذور الأزمة ولا تعيد بناء الثقة العامة، بل تتحوّل هي نفسها إلى مصدر جديد للتوقعات التضخمية.

وبيّنت الصحيفة أن الأمر لا يقتصر على سوق المال، بل يظهر أيضا في مجال العملة الصعبة، حيث تُعزى الزيادة في سعر الصرف، في الغالب، إلى عوامل مثل تذبذب التوقعات بشأن الأوضاع الاقتصادية، ضعف الصادرات غير النفطية، العقوبات، القيود المفروضة على الوصول إلى الموارد الأجنبية، والنمو الطويل الأمد في معدلات التضخم، ومع ذلك، فإن الاستجابة لهذه الأوضاع غالبا ما تكون عبر سياسات سطحية مثل ضخ المزيد من العملة الصعبة في السوق، وتزويد محال الصرافة بالدولارات، أو التلاعب المصطنع بسعر الصرف.

وتابعت بالقول إن هذه الإجراءات، بحسب رأي الخبراء، لا تكتفي بهدر الموارد الأجنبية المحدودة للبلاد، بل تؤدي أيضا، في ظل غياب الإصلاحات الأساسية في التجارة الخارجية، وهيكل الإنتاج، والعلاقات الدولية، إلى زيادة الطلب المضاربي على العملة، وظهور أسواق غير رسمية، وتفاقم التقلبات في سوق الصرف.

قطاع الطاقة 

ذكرت الصحيفة أن اختلال التوازن في قطاع الطاقة يُعد من بين الأزمات المزمنة التي لم تجد لها الحكومات سوى استجابات مالية، رغم التحذيرات المتكررة من الخبراء.

 وأضافت أنه بدلا من تعديل أسعار حوامل الطاقة، وتنفيذ سياسات ترشيد الاستهلاك، ودعم مصادر الطاقة المتجددة، وإلغاء الدعم غير الموجّه، تلجأ الحكومات باستمرار إلى تقديم المزيد من الإعانات، وتوزيع البنزين بأسعار أرخص، أو إصدار بطاقات وقود جديدة في محاولة للسيطرة على الوضع.

وتابعت أن هذه السياسات، في الوقت الذي تزيد فيه العبء المالي على الميزانية العامة، تقلل من الحافز على الاستهلاك الرشيد، وتُسهم في اتساع ظاهرة تهريب الوقود، كما تؤدي إلى تفاقم الأضرار البيئية، وبيّنت أن الطاقة، عوضا عن أن تكون أداة لتحقيق التنمية المستدامة، أصبحت أحد بؤر الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.

وأضافت الصحيفة أن من بين أوجه الخلل الأخرى التي تواجهها البلاد هي اختلالات النظام المصرفي، الناجمة عن عدم التوازن الهيكلي بين إيرادات البنوك ونفقاتها، وديون الحكومة للمصارف، وضعف نظام تقييم الجدارة الائتمانية، وفرض قروض إلزامية، وانعدام المنافسة السليمة في سوق المال.

 وأوضحت أن هذه الأزمات تُدار عادة عبر أدوات مثل توسيع خطوط الائتمان من البنك المركزي، وطباعة النقود لتعويض خسائر البنوك، وإعادة توزيع الموارد بين المصارف الكبرى والصغرى.

وتابعت الصحيفة  بالتحذير من أنه ما لم يُعاد هيكلة النظام المصرفي، من خلال وقف القروض الريعية، وإرساء الانضباط المالي في الحكومة، وتعزيز الشفافية، والحد من الديون المتعثرة، فإن أي ضخ مالي إضافي لن يؤدي إلا إلى تضخم حجم السيولة، وتراجع القدرة الشرائية لدى المواطنين، وزيادة الضغوط التضخمية. 

وأشارت إلى أن هذه السياسات أدت، خلال العقد الأخير، إلى ارتفاع نسبة السيولة إلى الناتج المحلي الإجمالي في إيران إلى واحدة من أعلى المستويات بين الدول النامية.

وأضافت أن ضعف النمو الاقتصادي في إيران يعود إلى جملة من العوامل، من بينها عدم استقرار القوانين واللوائح، غياب الاستثمارات الأجنبية، تدني مستوى الإنتاجية، ضعف أداء المؤسسات، تفشي الفساد، وانعدام المنافسة في العديد من القطاعات الاقتصادية. 

وأضافت أن الحكومات غالبا ما تلجأ إلى ضخ ميزانيات إنمائية، وتقديم قروض منخفضة الفائدة لمشروعات غير ضرورية، أو تقديم إعفاءات ضريبية غير موجهة كحلول بديلة عن معالجة الأسباب الجذرية لهذا التباطؤ.

وتابعت الصحيفة أن تحقيق نمو اقتصادي مستدام يتطلب، في المقابل، تراكما في رأس المال البشري، واستقرارا في السياسات، وكفاءة في سوق العمل، وإصلاحا لبيئة الأعمال، وليس مجرد زيادة إنفاق الدولة أو توزيع الموارد نقدا.

 وبيّنت أن اللجوء إلى ضخ الأموال في هذا المجال لا يضمن تحقيق نمو طويل الأجل، بل يؤدي إلى تفاقم عجز الموازنة، وزيادة ديون الحكومة، وتراجع فعالية الاستثمارات.

وفي ما يتعلق بصناديق التقاعد، أوضحت “دنياي اقتصاد” أن الحكومات، بدلا من إصلاح سن التقاعد، أو تعديل طريقة احتساب المعاشات، أو إلغاء الامتيازات الريعية، أو تعزيز الاستثمارات طويلة الأجل لهذه الصناديق، تعمد إلى إدارة الوضع مؤقتا من خلال تقديم مساعدات مالية سنوية، وضخ الموارد من الميزانية العامة أو عبر الاقتراض من البنك المركزي.

وتابعت الصحيفة مشيرة إلى أن هذا النهج أدى إلى تحول العديد من صناديق التقاعد عمليا إلى كيانات مفلسة، غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها، وأصبحت مصدرا لضغط إضافي على الموازنة العامة، ولزيادة عبء الديون بين الأجيال.

عائدات النفط

ذكرت الصحيفة أن من أبرز العوامل التي أدّت إلى ترسيخ نمط السياسات القائمة على ضخ الأموال، التبعية التاريخية للحكومة الإيرانية لعائدات النفط، وإمكانية تمويل الإنفاق العام بسهولة من خلال بيع الموارد الطبيعية. 

وأضافت أن الحكومات، خلال الفترات التي ارتفعت فيها أسعار النفط، اعتمدت على هذه العائدات لتجنب تنفيذ الإصلاحات الهيكلية، وبدلًا من ذلك لجأت إلى ضخ الموارد المالية في أي قطاع يعاني من أزمة، بهدف السيطرة على الأوضاع في المدى القصير.

وتابعت الصحيفة أن هذا السلوك أصبح تدريجيا جزءا من البنية الذهنية لصنع القرار في إيران، حتى تحوّل إلى “قاعدة” راسخة، لدرجة أن هذه القناعة – بأن “المال يحلّ المشكلة” – لا تزال مهيمنة في السياسات الحكومية حتى في ظل التراجع الحاد لعائدات النفط.

غير أن الفارق بين المرحلة الحالية والفترات السابقة يتمثل في تراجع القدرة على ضخ الأموال، ما أدى إلى نقل عبء التمويل إلى البنك المركزي والنظام المصرفي، وهو ما نتج عنه تفاقم التضخم، وتراجع قيمة العملة الوطنية، وتنامي معدلات الفقر.

وبيّنت الصحيفة أنه في المقابل، فإن الاقتصادات المتقدمة، بل وحتى العديد من الدول النامية، وإن كانت تلجأ إلى استخدام أدوات السيولة في فترات الأزمات، مثل فترات الركود الحاد أو الأزمات المالية العالمية، فإن هذه التدخلات تتم بصورة مؤقتة، وهادفة، وتحت رقابة صارمة، مع الإبقاء على القاعدة الأساسية المتمثلة في الاعتماد على آليات السوق وتعزيز المؤسسات الاقتصادية.

وأوضحت أنه على سبيل المثال، خلال الأزمة المالية العالمية في عام 2008، وعلى الرغم من أن الحكومة الأمريكية ومجلس الاحتياطي الفيدرالي لجأ إلى ضخ الأموال لمنع إفلاس البنوك، فإنه تم لاحقا تنفيذ إصلاحات عميقة في النظام المصرفي، وتنظيمات السوق، وآليات الرقابة المالية، بهدف منع تكرار الأزمة.

 أما في إيران، فليست المشكلة فقط في غياب الإصلاحات بعد التدخل، بل في تكرار نفس نمط ضخ الأموال مرارا، دون أن تؤخذ تجارب الماضي بعين الاعتبار.

تابعت الصحيفة أن تجاوز هذا المسار المختلّ يتطلب من صانعي السياسات الإيرانيين تحوّلا جوهريا في الرؤية، من منطق “الاستجابة السريعة للأزمات” إلى نهج “الإصلاحات الهيكلية”. 

وأضافت أن تحقيق النمو المستدام في الاقتصاد الإيراني يتطلّب استقرارا في السياسات، وتعزيز دور المؤسسات التنظيمية، وتقليص هيمنة الدولة على الاقتصاد، ومكافحة الفساد، ورفع مستوى الشفافية، ودعم التنافسية، وإعادة تعريف دور الحكومة باعتبارها ميسّرا لا موزعا للموارد.

وتابعت أن هذا المسار قد يكون مكلفا ويتطلب وقتا طويلا، لكنه يُعد الطريق الوحيد لإنقاذ الاقتصاد الإيراني من الحلقة المفرغة للأزمات والتدخلات المتكررة.

واختتمت الصحيفة بتأكيد أن إدراك حقيقة أن ضخ الأموال ليس علاجا بل مجرد مُسكّن مؤقت للأزمات، يشكل أحد أهم الخطوات في تصحيح النظرة الاقتصادية السائدة في عملية صنع القرار داخل إيران.