خبير إيراني: غياب الإرادة الحكومية يجمّد نهضة الإسكان ويُبقي ملايين الأسر بلا مسكن

ترجمة: دنيا ياسر نور الدين

أجرت وكالة أنباء “مهر” الإيرانية الأصولية، الاثنين 15 سبتمبر/أيلول 2025، حوارا مع الخبير في سوق الإسكان بهزاد عمران‌ زادة، حول أوضاع خطة النهضة الوطنية للإسكان وأسباب تعثرها في تلبية احتياجات ملايين المتقدمين.

السكن يبتلع 43.7% من نفقات الأسر الإيرانية

ذكر بهزاد عمران‌ زادة، أن أزمة الإسكان في البلاد وصلت إلى مرحلة لا تؤثر فقط على معيشة ملايين الأسر الإيرانية، بل أصبحت أيضا أحد التحديات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى. فقد أدى الارتفاع المستمر في تكاليف تأمين السكن خلال السنوات الأخيرة إلى أن يذهب أكثر من نصف إنفاق الأسر، خصوصا في المدن الكبرى، لتأمين أو استئجار المأوى. 

وأوضح أن أحدث بيانات مركز الإحصاء تشير إلى أن متوسط حصة السكن من مجموع إنفاق الأسر عام 2024 بلغ 43.7%، وتجاوز هذا المعدل في بعض المناطق الحضرية.

وتابع أن هذا الوضع يأتي في وقت امتنعت فيه الحكومة، رغم التزاماتها القانونية في توفير السكن لمختلف الشرائح، لا سيما ذوي الدخل المحدود، عن تسجيل أسماء جديدة في المشاريع الداعمة بسبب مشكلات مثل اختلال التوازن في الطاقة وزيادة الكثافة السكانية في المدن الكبرى كطهران. 

وأكد أن هذا القرار يعكس بوضوحٍ حجم الضغط المتزايد على نظام العرض والطلب في قطاع الإسكان، وكذلك فشل السياسات الحالية في احتواء الأزمة.

Image

المرشد الإيراني يطالب بتحرك عاجل لحل أزمة الإسكان

أضاف عمران‌ زادة أن السكن لم يعد مجرد بند مرتفع التكاليف في حياة الأسر، بل إن بلوغ نسبته إلى 50–60% من النفقات الشهرية يشكل دليلا قاطعا على ضرورة إعادة النظر في البرامج القائمة وقد بلغت أهمية هذا الملف حدا دفع المرشد الإيراني، خلال لقائه بأعضاء الحكومة ورئيس الجمهورية، إلى التشديد على ضرورة اتخاذ خطوات عاجلة وعملية لتحسين أوضاع الإسكان.

وقال المرشد الإيراني إن “مسألة السكن من القضايا المهمة، وهي بالفعل من المشاكل الأساسية تُعرض علينا مقترحات للحل، ولأن التنفيذ ليس بأيدينا فنُحيلها إلى المسؤولين، يجب على المعنيين أن يتابعوا هذه المقترحات من أجل الوصول إلى نتيجة، حتى لو كان الحل جزئيا وليس كاملا”.

أوضح بهزاد عمران‌ زادة، أن خطة “النهضة الوطنية للإسكان” انطلقت استنادا إلى “قانون قفزة إنتاج السكن” الذي أقره البرلمان وألزم حكومة إبراهيم رئيسي ببناء مليون وحدة سكنية سنويا، وقدمت الحكومة هذا المشروع بغية تنفيذ القانون.

وتابع الخبير قائلا إن “صدور هذا القانون كان حصيلة تقاعس حكومتي حسن روحاني (الحادية عشرة والثانية عشرة) في ملف الإسكان الاجتماعي والداعم، إذ لم تُتخذ خلالهما إجراءات مؤثرة، بل إن روحاني نفسه اعترف في أواخر ولايته الثانية بعدم إنجاز خطوات جدية”. 

وأوضح عمران‌ زادة أن جزءا كبيرا من المشكلة ارتبط برؤية وزير الطرق والإعمار في تلك الفترة، الذي كان يعتقد أن السوق قادر بمفرده على حل أزمة السكن، وهو ما لم يتحقق وأدى إلى تراكم الطلبات المؤجلة.

وأضاف أن البرلمان تدخل فأقر القانون، ثم بادرت حكومة  إبراهيم رئيسي إلى إطلاق “النهضة الوطنية للإسكان” بهدف بناء أربعة ملايين وحدة خلال أربع سنوات أو إدخالها في مسار التنفيذ.

وأوضح أن حكومة رئيسي  أبدت إرادة واضحة لتنفيذ الخطة، إذ كان الرئيس يعقد بانتظام اجتماعات المجلس الأعلى للإسكان، ما يعكس تركيز الدولة على معالجة الملف، كما شهدت وزارة الطرق والإعمار تقسيما للعمل بين مختلف القطاعات والهيئات التابعة لها مثل هيئة المدن الجديدة، في إطار إستراتيجيات متعددة لحل الأزمة.

وتابع أن الخطة لم تكن مجرد إنتاج وحدات سكنية، بل تضمنت أيضا أدوات للسيطرة على السوق، مثل تخصيص الأراضي، دعم الإسكان الريفي، منح القروض للمالكين، وتشجيع البناء الكثيف في إطار الإسكان الداعم، فالهدف كان الجمع بين زيادة المعروض وضبط السوق معا.

Image

بزشكيان جمد الخطة وترك ملايين الأسر بلا مسكن

أشار عمران‌ زادة إلى أن الوضع تغيّر في حكومة مسعود بزشكيان، حيث لم تظهر بوادر جدية على مواصلة المشروع سواء في الحكومة أو الوزارة، وأبرز دليل هو أن المجلس الأعلى للإسكان لم يجتمع سوى ثلاث مرات فقط خلال العام الماضي، في حين أن انتظام جلساته ضروري للتنسيق بين الأجهزة، كما أن القرارات الصادرة لم تكن فعّالة في معالجة الأزمة.

وأضاف أن لجنة تنظيم السوق تعطلت، وخطة النهضة الوطنية جُمّدت عمليا، ولم يُفتح باب التسجيل من جديد، وبعد أن كان الهدف بناء أربعة ملايين وحدة، اقتصر الأمر على 850 ألف متقدم دفعوا مبالغ أولية. وهؤلاء يُعدّون متقدمين فعليين، بينما العدد الحقيقي للراغبين في السكن يصل إلى خمسة ملايين شخص.

وأوضح أنه في البداية كان خمسة ملايين شخص مؤهلين للتسجيل، لكن بعد تطبيق الشرط الخامس انخفض العدد إلى مليون ونصف. ومن هؤلاء، تمكن ما بين 800 إلى 850 ألفا فقط من تقديم المبالغ المطلوبة حتى نهاية حكومة إبراهيم رئيسي، لتقتصر الحكومة الحالية “حكومه مسعود بزشکیان” عليهم وتستبعد ثلاثة ملايين ونصف.

وتابع قائلا: “عندما يقتصر المشروع على 850 ألفا فقط، فهذا يعني أن الخطة التي كان يفترض أن تخدم مليونا ونصف على الأقل تقلّصت إلى النصف وفي الواقع، العدد الحقيقي للمتقدمين الفعّالين لا يقل عن خمسة ملايين”.

وأضاف أن القروض الممنوحة لشراء السكن غير كافية ولا تؤدي الغرض، إذ تُستهلك نسبة كبيرة منها في النفقات الجانبية، فلا تساهم عمليا في تمكين المواطن من شراء بيت، والمشكلة أكثر تعقيدا في طهران والمدن الكبرى.

وأوضح أن القرض الفعّال هو الذي يغطي ما بين 60 و70% من تكلفة المسكن، بحيث يتمكن المستفيد من توفير النسبة المتبقية، أما القروض التي لا تتجاوز تغطيتها 10 إلى 15% من التكلفة فهي غير مجدية ولا تسهم عمليا في تملك السكن.

وتابع قائلا إن “المسألة تحتاج إلى حل جذري يتطلب إرادة حقيقية من الحكومة، خاصة وأن بيدها جميع الأدوات القانونية، مثل قانون قفزة إنتاج السكن، قانون ضريبة المساكن الشاغرة، قانون تنظيم سوق الإيجار والإسكان، إضافة إلى أحكام الخطة التنموية السابعة، ومع توافر هذه القوانين، إذا اقترنت بالإرادة السياسية، يمكن إشراك المواطنين أنفسهم في الحل”.

وأضاف أنه رغم ذلك، فإن المؤشرات تدل على غياب مثل هذه الإرادة لدى الحكومة، والسؤال يبقى موجها إلى وزارة الطرق والإعمار عن سبب هذا الغياب.

وأوضح أن وضع الإسكان في البلاد بلغ مرحلة الأزمة، إذ يوجد حاليا نحو ثمانية ملايين مستأجر بلا مسكن، وهو رقم مرتفع للغاية، وإذا ما نظرنا إلى مؤشرات مثل القدرة على الوصول للسكن وفترة الانتظار للحصول عليه بالنسبة للطبقات الفقيرة، فسنجدها قد تجاوزت الحدود الطبيعية.

واختتم مؤكدا أن الإجراءات المتخذة من قبل الجهات المسؤولة لا تتناسب مع حجم الأزمة، وأن ما يجري حاليا لا يعكس إرادة جدية للحل، بل مجرد إدارة روتينية للأزمة بخطوات عادية.