- زاد إيران - المحرر
- 857 Views
أجرت صحيفة شرق الإصلاحية، الثلاثاء 29 يوليو/تموز 2025، حوارا مع حشمت الله فلاحت بيشه، السياسي والبرلماني السابق، حول الارتباك في السياسة الخارجية الإيرانية بعد الحرب الأخيرة، وتعقيدات العلاقة مع الغرب والوكالة الدولية للطاقة الذرية، والحاجة إلى إعادة صياغة الاستراتيجية الدبلوماسية لتفادي الأزمات القادمة، وفي ما يلي نص الحوار:
كيف تفسرون التناقض بين تصريح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي حول تواصله الدائم مع المفاوض الأمريكي، وتصريح متحدث الخارجية بنفي وجود مفاوضات وشيكة؟
من دون مجاملة وبكل صراحة، أقول إن السياسة الخارجية في إيران ظلت دوما أسيرة التهرب من المسؤولية والشعارات الجوفاء، فإلى جانب الأمريكيين، كانت أكبر عمليات إهدار الوقت الدبلوماسي في تاريخ السياسة الخارجية الإيرانية خلال المفاوضات مع الأوروبيين.
وكونوا على يقين أن أوروبا، في هذه المرحلة ما بعد الحرب التي استمرت 12 يوما، تلعب دور محقّق الولايات المتحدة، ومن المؤكد أن آلية الزناد لا يمكن أن تُفعّل من قبل أوروبا من دون ضوء أخضر ومعرفة أمريكية مسبقة.
لقد شاهدتم الأسبوع الماضي، وقبل بدء مفاوضات إسطنبول، كيف أمضى مسؤولو وزارة الخارجية أسبوعا كاملا في إجراء المقابلات، وإلقاء الخطب، وإصدار المواقف، لكن كما رأيتم، لم يحدث أي تطور في العلاقات بين إيران وأوروبا بعد يوم الجمعة 25 يوليو/تموز 2025، لم تُسفر تلك الجهود عن أي خفض للتوترات، ولم تفضِ إلى تأسيس أي أرضية دبلوماسية أو قانونية أو فنية حقيقية.

أليس الموضوع الرئيسي هو العلاقة مع واشنطن، بينما تبقى أوروبا في موقع ثانوي؟
لقد أشرتُ إلى مفاوضات يوم الجمعة 25 يوليو/تموز 2025 مع أوروبا لأنها تمثل دليلا إضافيا على الوضع الخاص الذي تعيشه السياسة الخارجية الإيرانية هذه الأيام، وإلا، كما ذكرتم، لا يمكن أن يكون عراقجي على تواصل دائم ومباشر مع كبير المفاوضين الأمريكيين، ومع ذلك يُقال إنه لا توجد مفاوضات؛ فحتى أقرب الأصدقاء لا يتواصلون مع بعضهم يوميا أو يسألون عن أحوال بعضهم باستمرار.
لذا، عندما يقول عراقجي إنه على تواصل دائم ومباشر مع المبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، فمن المؤكد أن هذا التواصل يدور حول قضايا متعددة وخلافات وتحديات وأزمات جارية في العلاقات بين إيران والولايات المتحدة، وهو ما مُنح من أجله هذا التفويض.
إذا كان هذا التفويض قد مُنح للوزير بهدف الحفاظ على الحد الأدنى من الاتصال بعد الحرب التي استمرت 12 يوما، وإنشاء ما يمكن تسميته بخط اتصال أحمر لمنع تصاعد الأزمات، فإن المنطقي هو بدء المفاوضات لحل الأزمة من جذورها.
هل من الممكن أن يكون بدء المفاوضات واتخاذ خطوة أعلى مرهونا ببعض التمهيدات والضمانات التي لم تتوفر بعد؟
إذا كان الاتصال مسموحا، فمن الطبيعي أن تكون المفاوضات ممكنة أيضا، لكن ما يمنعها هو استمرار اعتبارها من المحظورات، فقد حولت التيارات الراديكالية داخل إيران، منذ سنوات، مفهوم التفاوض إلى خط أحمر، وهو ما أدى إلى أن تسجّل إيران أكبر حالات إهدار للفرص في تاريخ الدبلوماسية العالمية خلال مفاوضاتها مع الغرب.

فلو جمعنا عدد ساعات التفاوض بين إيران والغرب منذ نهاية الحرب المفروضة التي دامت ثماني سنوات، لوجدنا أنها من أكثر وأطول جولات التفاوض في العلاقات الدولية، ولكن من دون نتائج تُذكر، وهو أمر نادر الحدوث في التاريخ العالمي.
على سبيل المثال، في عهد الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي، ورغم أنه كان يتبنى سياسة خفض التوتر، وأن جوهر التوترات كان مع الولايات المتحدة، إلا أن المفاوضات مع أوروبا استمرت طوال ثماني سنوات من حكم الإصلاحيين، فيما وضعتنا أوروبا، من خلال آلية ما يسمى بالحوار النقدي، في فخ دبلوماسي، وأُهدرت فرصة الانفتاح الدبلوماسي لخاتمي مع الولايات المتحدة.

وفي النهاية، لم تحقق تلك المفاوضات أي مكسب لإيران، بل على العكس، وبعد وصول الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش إلى الحكم، جرى تصنيف إيران ضمن ما سُمي بمحور الشر.
رغم علم مسؤولي الخارجية بعجز الأوروبيين عن تحقيق أي اختراق، وضمن ذلك فشلهم في تفعيل إنستكس، يواصلون مفاوضات إسطنبول التي لا تعدو كونها محاولة أوروبية لاستعادة الاعتبار، بينما تؤدي أوروبا فعليا دور محقق أمريكي، ولا يمكن أن نجني شيئا من التفاوض معهم.
وهذا المسار يبدد وقت إيران الدبلوماسي بدلا من استثماره في تخفيف التوتر مع واشنطن، ولا مبرر منطقي لترك مفاوضات مسقط والذهاب إلى طاولة لا جدوى منها في إسطنبول.
ألا يكشف الانتقال من مسقط وروما إلى إسطنبول، ثم العودة لأوروبا، عن ارتباك واضح في سياسة إيران الخارجية بعد الحرب؟
في سؤالك نقطة مهمة أرغب في تناولها من زاوية مختلفة، فمن وجهة نظري، ما شهدته السياسة الخارجية خلال السنوات الخمس الأخيرة كان بمثابة ضرر حقيقي، وقد وقعت دبلوماسيتنا في شرك هذا الوضع.
كيف ذلك؟
عندما تُطرَح تحليلات نقدية كهذه من قِبلي، يُثار دوما الادعاء المكرر بأننا نتجاهل دور الولايات المتحدة وإسرائيل، لكنني أؤكد أن ما حدث خلال السنوات الخمس الماضية كان فتنة إسرائيلية خالصة، وقد كنت أول من طرح هذا الموضوع في وسائل الإعلام، وذلك في مقابلة معكم في صحيفة «شرق»، مباشرة بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

ولقد كررت مرارا أن ما يحدث بعد ذلك التاريخ هو فتنة تقودها إسرائيل، وكان على إيران أن تتعامل معها بوعي وحذر لتجنب الانزلاق فيها، ونحن اليوم نواجه اثنين من أكثر الساسة خبثا في تاريخ السياسة الخارجية العالمية، ونادرا ما يجتمع سياسيان بهذه الدرجة من الحقد والعزم على العدوان كما اجتمعا في هذه المرحلة، وهما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

إذا كان العدو واضحا، فلماذا لم تضع السياسة الخارجية مسارا يحمي إيران من فخ فتنة إسرائيل والولايات المتحدة بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023؟
ما كان يُعدّ محظورا في إيران هو التفاوض مع الولايات المتحدة، لا الوصول إلى اتفاق معها، وحين تم تخطّي هذا الحاجز السياسي، كانت هناك فرصة حقيقية للتوصل إلى اتفاق نهائي في مفاوضات مسقط وتفادي الانزلاق في فتنة أمريكا وإسرائيل.
إن العلاقة المباشرة بين عراقجي وويتكوف، مقابل نفي الخارجية لأي مفاوضات، تعكس الخطأ المتجذّر منذ الثورة، باعتبار التفاوض مع الولايات المتحدة من المحظورات.
ولطالما قامت السياسة على وهم أن التفاوض غير المباشر مع الأمريكيين يُعدّ وسيلة لإذلالهم، بينما كان الأجدر بنا أن نتفاوض معهم مباشرة ونصل إلى اتفاق، بدلا من السقوط في فخ الفتنة الأمريكية–الإسرائيلية والانجرار إلى حافة الحرب.
لقد سبق أن تخطّت إيران عقبتين استراتيجيتين: أولهما التفاوض مع الهيكل الكامل للسلطة في الولايات المتحدة خلال عهد الرئيس الأمريكي الأسبق أوباما، وثانيهما التفاوض مع إدارة ترامب في محادثات مسقط.

وبما أن هذين الحاجزين قد أزيلا، فإن التراجع عن طاولة مسقط بعد الحرب الأخيرة والتوجه نحو مفاوضات إسطنبول يُعدّ خطوة غير مجدية، خاصة أن مفاوضات تركيا لن تثمر لإيران شيئا في ظل تحرك أوروبا وفقا للإرادة الأمريكية.
هل كان من الممكن فتح مسار تفاوض مواز مع أوروبا إلى جانب مفاوضات مسقط وروما، نظرا لدور أوروبا في منع تفعيل آلية الزناد سابقا وثقلها في مجلس الأمن؟
ملاحظتك صحيحة إلى حدّ ما، لكن لا يمكن للدور الإيجابي الذي لعبته أوروبا في منع تفعيل آلية الزناد خلال إدارة ترامب الأولى أن يبرر دورها التخريبي في الوضع الراهن، فطوال السنوات التي تلت انسحاب ترامب من الاتفاق النووي عام 2018، لم تتمكن أوروبا من اتخاذ أي خطوة عملية لتخفيف العقوبات، بل إن بعض الدول الأوروبية كانت شريكة في تنفيذ جزء من حملة الضغط الاقتصادي والعقوبات.
واليوم، أكرر مجددا أن أوروبا في مفاوضات إسطنبول تنفذ مشروع الضغط الأمريكي، وتؤدي فعليا دور المحقق الأمريكي في مواجهة إيران.
على سبيل المثال، فإن حجم العلاقات الاقتصادية بيننا وبين العراق يفوق بعدة أضعاف إجمالي علاقاتنا الاقتصادية مع الدول الـ28 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وهذا يبيّن بوضوح أن السياسة الخارجية في الظروف الراهنة تعاني من حالة من الغموض؛ لأن مراكز الأزمات الحقيقية لا تؤخذ بعين الاعتبار، بينما يتم تركيز الجهد على التفاوض مع أوروبا، وهو مسار لا يفضي إلى نتائج حقيقية.
إن الواقع اليوم يفرض الاعتراف بأن الحرب قائمة والمفاوضات خيار ممكن، لكن البقاء بينهما يفاقم الأزمات، ولا سبيل لتجاوز المرحلة الراهنة إلا عبر مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، فالحوار مع أطراف أخرى كالصين وروسيا وأوروبا لا يعدو كونه مضيعة للوقت.
لذلك، الجهد الدبلوماسي تجاه أوروبا يجب أن يقتصر على مستوى السفراء، بينما ينبغي أن تتركّز طاقات وزارة الخارجية على التفاوض مع الولايات المتحدة، إذ أن الأوروبيين لا يتصرفون باستقلالية بل ينفذون ما تمليه عليهم واشنطن.
والدولة التي تتردد بين الحرب والتفاوض لا يصح أن تهدر دبلوماسيتها في حوارات مع أطراف تابعة، ولا أن تتصرف بما يزيد حساسيتها ويعرضها للاستهداف الأمريكي، فالمطلوب هو استراتيجية جديدة لا تقوم على التوجس، ولا تنزلق من جديد إلى مستنقع الحرب أو مكائد نتنياهو.
برأيكم، ما هي الدولة الأنسب لاستضافة المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في ظل الحاجة إلى استراتيجية جديدة؟
بالتأكيد، الدولة الأنسب والأكثر تأهيلا لاستضافة المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة هي تلك التي لا تُعرّف لنفسها مصالح وسيطة في هذا الملف، ومن وجهة نظري، لا تزال عُمان أو قطر أفضل الخيارات المتاحة، أما الصين والنرويج، بل وحتى تركيا، فلها مصالح وسيطة واضحة، وبالتالي لا تنطبق عليها المعايير المطلوبة.

أما روسيا، فليست طرفا صادقا في أي مسار دبلوماسي بين إيران والغرب، ولم تكن كذلك يوما، أود أن أذكر تجربة شخصية لي مع النرويج، فعندما زرت هذا البلد لمتابعة اتفاق تجاري بقيمة مليار دولار خلال فترة الاتفاق النووي (برجام)، رأيت بوضوح أنه بعد انسحاب ترامب من الاتفاق، لم يكن لدى النرويج أي رغبة حقيقية في استئناف العلاقات الاقتصادية والتجارية مع إيران.
ودولة بهذا الحجم وبهذا القدر من التبعية، والتي تفتقر إلى الاستقلال السياسي والدبلوماسي، لا يمكن أن تكون مؤهلة لاستضافة مفاوضات من هذا النوع.
أما الصين، فهي في مواجهة شديدة مع الولايات المتحدة، سواء بسبب حرب الرسوم الجمركية أو ملف تايوان، وقد عرّفت لنفسها مصالح وساطة واضحة، وهي تستخدم ورقة المفاوضات مع إيران والملف النووي لخدمة مصالحها الخاصة. وينطبق الأمر نفسه بدرجات متفاوتة على بقية الدول، لذا أرى أن استئناف المفاوضات في عُمان أو قطر هو الخيار الأفضل من جديد.

