من رماد الحرب إلى جسور الود.. هل تُكرّر إيران مع إسرائيل ما حدث مع العراق؟

كتب: محمد مهدي زماني

شكّلت الحرب بين إيران والعراق (1980–1988) واحدة من أكثر النزاعات دمارا في القرن العشرين، إذ خلفت جراحا غائرة في جسد شعبين جارين، فقد تجاوز عدد القتلى والجرحى المليون، ودُمّرت مدن بأكملها، وتفرقت أسر لا تُحصى، وكانت هذه مجرد جوانب من كارثة إنسانية واسعة النطاق، الشهداء، والجرحى، والأسرى في كلا الجانبين، يظلون شهودا على عمق هذه المأساة.

منطقيا، كان من المتوقع أن تخلّف تلك الحرب حقدا طويل الأمد بين شعبي البلدين، وكراهية تمتد لأجيال، غير أن الواقع اليوم يروي قصة مختلفة تماما: مسيرة الأربعين، التي تُعدّ أكبر تجمّع بشري في العالم، باتت رمزا فريدا للتلاحم والتضامن بين الإيرانيين والعراقيين، فكيف أمكن، في أقل من أربعة عقود، أن تتحول آثار حرب مدمّرة إلى روابط روحية عميقة؟

في كل عام، يسافر ملايين الإيرانيين إلى العراق للمشاركة في مسيرة أربعين الإمام الحسين، وكل من خاض هذه التجربة يحتفظ في ذاكرته بلحظات لا تُنسى من كرم ومحبة الشعب العراقي، وفي هذا السياق، أسرد واقعتين لا تغيبان عن البال: إحداهما من تجربتي الشخصية، والأخرى لصديق مقرب.

الذكرى الأولى: الشيخ العراقي

في حرّ كربلاء اللاهب، وبين الزحام المكتظ، كنت أبحث عن وسيلة نقل تقلّني إلى النجف، اقترب مني شيخ عراقي بوجه ودود، وقال لي بلغة فارسية فصيحة:
“انتظر، فأنا ذاهب إلى النجف أيضا، دعني أساعدك، فأنا أستطيع التفاهم مع السائقين بشكل أفضل.”

وقفت جانبا، وهو بكل صبر أخذ يفاوض سائقي السيارات، حتى عثر لنا أخيرا على سيارة. كنا نحو عشرة إيرانيين، وذلك الشيخ العراقي كان يخدمنا جميعا بعطف وحرص، كأنه واحد منا.

حين صعدنا إلى السيارة، دفعني الفضول إلى أن أسأله:
“كيف تتكلم الفارسية بهذه الطلاقة؟”

ابتسم وقال:
“قضيت ثماني سنوات في إيران.”

فقلت: “ولماذا كنت هناك؟”
فجاء رده صادما:
“كنت أسير حرب.”

صمتُّ لحظة، وفي داخلي راح السؤال يتردد:
“كيف يمكن لإنسان أن يقضي ثماني سنوات من شبابه أسيرا في بلد ما، ثم يعود ليخدم شعب ذلك البلد بهذه المحبة؟”

الذكرى الثانية: مائدة للشهداء

في ساحة ما بين الحرمين، وهي المنطقة الواقعة بين ضريح الإمام الحسين وضريح أخيه العباس،  كانت هناك مائدة مفروشة، وعدد من الشباب منشغلون بخدمة الزوار. أردت الجلوس، فتقدّم نحوي شاب عراقي وقال:
“هذه المائدة مخصصة لعائلات الشهداء.”

فكرت قليلا، ثم قلت:
“حسنا، عمي شهيد.”

ابتسم الشاب وسأل مازحا:
“وأين استُشهد؟ في الحرب مع العراق؟ اجلس!”

لحظة صمت عابرة تملكتني، نعم، كنت قد نسيت: عمي استُشهد في الحرب العراقية الإيرانية، ومع ذلك، استقبلوني أنا وعائلتي بكل احترام، وأجلسونا على مائدة أُعدّت لتكريم عوائل شهدائهم.

كيف نشأ هذا الارتباط؟
كيف أمكن لشعبين كانا ذات يوم في مواجهة دموية أن يقتربا من بعضهما بهذا الشكل؟

الجواب يكمن في جذور تلك الحرب.
لم تكن المشكلة بين شعبي إيران والعراق، بل كانت في نظام صدام وسياساته العدوانية التي فرضت حربا لم يرغب بها أحد من الطرفين.

ومع سقوط صدام في عام 2003، انهارت الجدران المصطنعة للكراهية، وتفتحت السبل أمام المصالحة.

تشير الوثائق التاريخية، بما في ذلك تقارير الأمم المتحدة ومذكرات الدبلوماسيين، إلى أن كثيرا من الجنود العراقيين خاضوا الحرب على الجبهات مكرهين، لا بدافع العداء الشخصي، بل نتيجة قهر السلطة، هذه الحقيقة كانت المفتاح الأول لتشكل التضامن بعد الحرب، وبداية طريق جديد من الأخوّة بين الشعبين.

هل يمكن تكرار هذا النموذج بين إيران وإسرائيل؟

هذا السؤال يقودنا إلى مسألة أكثر تعقيدا: هل يمكن تعميم نموذج الفصل بين الشعوب والأنظمة الظالمة في العلاقة بين إيران وإسرائيل؟

منذ عقود، وإيران تدين الاحتلال والظلم الذي يمارسه الاحتلال الإسرائيلي،  فالموقف الرسمي الإيراني، وفقا لوثائق وزارة الخارجية وتصريحات المسؤولين، يقوم على دعم حقوق الفلسطينيين ورفض سياسات الاحتلال.

لكن هل تعني هذه المعارضة كراهية للشعب الذي يعيش في الأراضي المحتلة؟

من المهم التمييز بين اليهود الأصليين في فلسطين والمهاجرين الصهاينة، فاليهود الأصليون عاشوا في فلسطين لقرون، وكانوا جزءا من النسيج الثقافي للمنطقة، أما المهاجرون الصهاينة، فقد جاءوا بدعم من القوى الاستعمارية، وارتكبوا انتهاكات بحق الفلسطينيين عبر سياساتهم الاحتلالية.

فإذا زال الاحتلال الإسرائيلي وتوقّفت سياساته العدوانية، فهل سيبقى لدى الإيرانيين حقدٌ تجاه اليهود المقيمين في فلسطين؟ أم أن جوهر المشكلة كان في الظلم والاحتلال لا في الناس أنفسهم؟

تجربة إيران والعراق تُظهر بوضوح أنه متى ما سقطت الأنظمة الظالمة، أصبح الطريق إلى المصالحة بين الشعوب ممكنا.

لكن يبقى السؤال مفتوحا: هل يمكن أن يجلس يوما ما اليهود الفلسطينيون والإيرانيون معا، بعيدا عن ظلال الاحتلال؟

إن مسيرة الأربعين، وذكرياتها، تُثبت أن الأحقاد الناتجة عن الحروب هي نتاج قرارات الأنظمة لا مشاعر الشعوب، فرغم الجراح العميقة، وجدت إيران والعراق طريقا إلى التضامن، لأن المشكلة الحقيقية كانت في نظام صدام، لا في الشعب العراقي.

فهل يمكن تطبيق هذا الدرس على فلسطين وإسرائيل أيضا؟

إذا انتهى الاحتلال، فربما يأتي يومٌ يمد فيه الشعب الإيراني واليهود الفلسطينيون يد الصداقة لبعضهم البعض، بعيدا عن سطوة الظلم، وهذه الأمنية لا تنبع من تفاؤل ساذج، بل من تجربة تاريخية ملموسة بين إيران والعراق.