البرلمان الإيراني في برزخ الحرب: ما بين تعليق الجلسات والنشاط المتخفي

دخلت إيران منعطفا تاريخيا خطيرا بعد الحرب التي اندلعت في الثامن والعشرين من فبراير/شباط 2026. هذه الحالة الحربية لم تكن مجرد تحدٍ عسكري ميداني، بل أحدثت شللا في مفاصل العمل المؤسسي التقليدي، وكان البرلمان في قلب هذه العواصف. 

فقد أُسدلت الستائر على جلسات البرلمان العلنية، ليدخل “بيت الشعب” في أطول فترة صمت تشريعي حضوري منذ عقود. ومع دخول البلاد في حالة وقف إطلاق النار الهشة، وتحول الصراع من الميدان العسكري إلى الميدان الاقتصادي، برزت تساؤلات حادة في الشارع الإيراني حول دور نواب الشعب: هل توقف نبض البرلمان أم أن هناك محركات تعمل في الخفاء بعيدا عن أضواء الصحافة؟

الخارطة الأمنية: لماذا انطفأت أنوار البرلمان؟

على عكس النزاعات القصيرة الأمد السابقة، مثل “حرب الـ 12 يوما” التي لم تعطل العمل البرلماني الحضوري، جاءت “حرب الـ 40 يوما” في رمضان لتفرض واقعا أمنيا معقدا. لم يكن تعطيل البرلمان قرارا إداريا داخليا، بل كان التزاما بقرارات “المجلس الأعلى للأمن القومي” (شعام) الذي صنف العاصمة طهران ضمن “المنطقة الحمراء”. 

تكمن الحساسية الأمنية في أن انعقاد جلسة علنية يعني تجمع كامل أعضاء إحدى السلطات الثلاث في البلاد في نقطة جغرافية واحدة معلومة، مما يحول البرلمان إلى “هدف استراتيجي دسم” قد يؤدي استهدافه إلى انهيار هيكلي في مؤسسات الدولة.

ورغم تصريحات النواب بأن دمائهم ليست أغلى من دماء المواطنين، إلا أن الاعتبارات السيادية فرضت التحرك بحذر، وهو ما يفسر غياب الجلسات لمدة تجاوزت 80 يوما، حيث ظلت السلطة التشريعية تعمل وفق استراتيجية “الأضواء المنطفئة” لتجنب المخاطر الأمنية مع الحفاظ على الحد الأدنى من التواصل المؤسسي.

Image

البرلمان الافتراضي: التكنولوجيا كبديل للمقاعد الخضراء

في يوم الأحد الموافق 10 مايو/أيار 2026 شهدت إيران تجربة فريدة من نوعها ببدء أول جلسة رسمية للبرلمان عبر تقنية (الفيديو كنفرانس). هذه الجلسة، التي ترأسها علي نيك زاد نائبا عن رئيس البرلمان، لم تكن مجرد اجتماع تقني، بل كانت إعلانا سياسيا عن عودة السلطة التشريعية لممارسة مهامها في ظل استمرار الحظر الأمني على التجمعات. شارك أغلبية النواب من مواقعهم المختلفة في هذا الفضاء المجازي، مما كسر حالة العزلة التشريعية. 

واعتُبرت هذه الخطوة ردا على الانتقادات الواسعة التي اتهمت البرلمان بالتقاعس أو الاختفاء في وقت يحتاج فيه الشعب إلى صوت ممثليه. ورغم أن الجلسة كانت “غير علنية” من الناحية الفنية، إلا أنها شكلت سابقة قانونية قد تفتح الباب أمام تعديلات في اللائحة الداخلية للبرلمان لتشريع العمل عن بُعد في حالات الحروب والكوارث المستقبيلة، خاصة في ظل اعتراف النواب بوجود ثغرات قانونية لا تغطي مثل هذه الظروف الاستثنائية.

أزمة الغلاء: الحرب الثانية التي يواجهها المواطن

بينما هدأت أصوات المدافع نسبيا، انفجرت في وجه الحكومة والبرلمان أزمة لا تقل ضراوة وهي أزمة الغلاء الفاحش وتدهور الوضع المعيشي. كانت الجلسة الافتراضية الأولى مخصصة بالكامل لمناقشة الارتفاع الصاروخي في أسعار السلع الأساسية والمواد الاستهلاكية التي تضاعفت بعد عطلة العام الجديد. اتهم النواب بعض الجهات باستغلال حالة الحرب لفرض زيادات غير مبررة في الأسعار، مشيرين إلى أن القلق المعيشي بات يهدد الاستقرار النفسي للمجتمع أكثر من التهديدات العسكرية. 

التقارير الميدانية التي استعرضها النواب عكست فجوة كبيرة بين القدرة الشرائية للمواطن وبين واقع السوق، وطالب النواب بضرورة تدخل حاسم من فريق حكومة مسعود بزشكيان الاقتصادي للسيطرة على التضخم، محذرين من أن الصبر الشعبي بدأ ينفد تجاه “موجات الغلاء” التي تزامنت مع ظروف الحرب القاسية.

Image

الاستجواب غير المباشر: وزراء الحكومة تحت المجهر 

لم تكن الجلسة الافتراضية مجرد منبر للخطابات، بل شهدت حضورا حكوميا تمثل في وزير الزراعة، غلام رضا نوري قزلجة، الذي وجد نفسه في مواجهة حادة مع النواب. قدم الوزير تقريرا حاول فيه طمأنة البرلمان بأن مخازن السلع الاستراتيجية مؤمنة، وأن الحكومة اتخذت تدابير استثنائية خلال الـ 40 يوما الماضية لضمان تدفق السلع والعملة الصعبة وتغيير مسارات الاستيراد لتجنب القصف. 

ومع ذلك، لم تكن إجابات الوزير كافية لإقناع اللجان التخصصية، خاصة لجنة الزراعة، التي رأت أن هناك “سوء إدارة” واضحا وتشتتا في الصلاحيات بين وزارة الصناعة ووزارة الزراعة ومنظمة التعزيرات. هذا التشتت أدى بحسب النواب إلى “موازاة في العمل” وضياع المسؤولية، مما دفع البرلمان للمطالبة بإصلاحات قانونية عاجلة توحد جهة الرقابة على الأسواق وتمنع التلاعب بأسعار الأغذية والأدوية.

Image

اللجان التخصصية: العمل في الخطوط الخلفية

كشفت التقارير المسربة من أروقة البرلمان أن العمل لم يتوقف يوما واحدا داخل اللجان التخصصية، رغم توقف الصحن العلني. فاللجنة الثقافية، على سبيل المثال، عقدت سلسلة اجتماعات حضورية في مقار الوزارات والهيئات التابعة لها، مثل وزارة الإرشاد ومنظمة التبليغ الإسلامي، لمتابعة التداعيات الثقافية والاجتماعية للحرب. 

كما أن “لجنة الهجرة” استكملت صياغة قانون المنظمة الوطنية للهجرة وأرسلته إلى مجلس صيانة الدستور في عز الأزمة العسكرية. هذا النشاط يثبت أن الهيكل الإداري والتشريعي للبرلمان يمتلك مرونة كافية للعمل في ظروف “اللامركزية”. 

النواب أكدوا أنهم استمروا في ممارسة أدوارهم الرقابية عبر إصدار البيانات الجماعية وتوجيه التذكرات المكتوبة للوزراء حول قضايا حساسة، مثل تعرفات الخدمات الطبية لعام 2026  ورواتب أعضاء هيئة التدريس، مما يؤكد أن البرلمان كان يمارس “الرقابة الصامتة” حتى وهو مغلق الأبواب.

مضيق هرمز: الرد التشريعي والاستراتيجي على الهجوم

من أبرز الملفات التي نضجت خلال فترة الحرب وتحضر الآن للطرح على الجلسات العلنية هو “مشروع قانون إدارة مضيق هرمز“. صرح رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية، إبراهيم عزيزي، بأن البرلمان انتهى من إعداد ركائز قانونية جديدة تحدد النظام الحقوقي للمرور في المضيق الاستراتيجي، وذلك بالتنسيق مع القوات المسلحة ووزارة الخارجية. 

هذا التحرك التشريعي يُنظر إليه كرسالة سياسية قوية للولايات المتحدة وإسرائيل، مفادها أن إيران ستمارس سيادتها القانونية على ممراتها المائية كرد فعل على العدوان العسكري. يطمح البرلمانيون أن يتحول هذا المشروع إلى “قانون رادع” يمنح الدولة أدوات ضغط دولية وقانونية تساهم في حماية الأمن القومي، ومن المتوقع أن يكون هذا القانون هو “درة تاج” الجلسات القادمة بمجرد العودة للحالة الحضورية الكاملة.

Image

الانتقادات الداخلية: ديمقراطية تحت ظلال الحرب

لم يخلُ أداء البرلمان خلال هذه الفترة من الانتقادات، حتى من داخل التيار الأصولي والمحافظ نفسه. فقد اتُهم بعض النواب بالتركيز على الظهور الإعلامي في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون والمشاركة في التجمعات الليلية بدلا من الضغط لاستعادة الجلسات الرسمية. كما أثيرت انتقادات حول “القطبية الثنائية” التي خلقها بعض النواب في الفضاء المجازي، مما أدى إلى انقسامات داخلية في وقت تتطلب فيه الجبهة الداخلية أقصى درجات الوحدة. 

ورد النواب على هذه الاتهامات بأن “الغياب القسري” عن الجلسات العلنية لم يكن اختيارا، بل التزاما بقرارات أمنية عليا، وأن تواصلهم مع الجماهير في المساجد والمحافل العامة كان يهدف إلى الحفاظ على الروح المعنوية للشعب وتفسير الموقف السياسي والعسكري للجمهور الذي كان يعيش تحت وطأة الصدمة.

الفراغ التشريعي: هل نحتاج لـ “برلمان طوارئ”؟

طرحت الأزمة الحالية تساؤلا جوهريا حول بنية النظام البرلماني الإيراني في مواجهة الكوارث والحروب. فقد اعترف نواب مخضرمون، مثل علاء الدين بروجردي، في تصرريحات سابقة، بأن الدستور واللوائح الداخلية تفتقر لنصوص واضحة تحدد كيفية عمل السلطة التشريعية في حال تعذر الانعقاد الجسدي. إن تجربة “الويبينار” الحالية هي محاولة لسد هذا الفراغ، ولكنها تظل قاصرة من الناحية الرسمية عن إصدار قوانين وتشريعات ملزمة دون حضور فعلي وتصويت علني.

لذا، ثمة توجه قوي داخل البرلمان لإطلاق “خلية تفكير” قانونية تهدف إلى وضع بروتوكولات لمواجهة الأزمات، تضمن عدم انقطاع الدور الرقابي والتشريعي للبرلمان تحت أي ظرف، بما في ذلك إمكانية انعقاد “صحن علني مصغر” أو افتراضي بآليات حماية سيبرانية متقدمة تمنع اختراق العدو لبيانات المداولات السرية.

مستقبل البرلمان الإيراني 

التجربة التي خاضها البرلمان في إيران خلال “حرب الـ 40 يوما” وما تلاها من انعقاد عبر الفيديو كونفرانس، تمثل نقطة تحول في تاريخ العمل السياسي في البلاد. لقد أثبتت الحرب أن “الأمن” هو المحدد الأول لمسارات الديمقراطية والتشريع، ولكنها أثبتت أيضا أن المؤسسات يمكنها التكيف مع أقسى الظروف. يتطلع الشعب الإيراني اليوم إلى أن تترجم هذه العودة الافتراضية إلى قرارات ملموسة تكبح جماح التضخم وتصحح مسار الاقتصاد المتضرر من الحرب. 

إن التحدي القادم للبرلمان ليس فقط في العودة إلى المقاعد الخضراء بل في قدرته على استعادة ثقة الشارع عبر ممارسة رقابة حقيقية وصارمة على الحكومة، والتأكد من أن فاتورة الحرب لن تدفعها الطبقات الضعيفة من جيوبها، بل من خلال إدارة حكيمة لموارد البلاد واستراتيجيات قانونية تعيد الهيبة للسيادة الإيرانية في البر والبحر.

كلمات مفتاحية: