مضيق هرمز في قلب المواجهة من جديد…البرلمان الإيراني يفتح ملف الإدارة الاستراتيجية

عاد ملف مضيق هرمز إلى واجهة المشهد السياسي والإعلامي الإيراني بصورة متصاعدة خلال الأسابيع الأخيرة، بعدما ظل حاضرا في النقاشات المرتبطة بالتوترات الإقليمية واحتمالات إغلاق المضيق وتداعيات ذلك على الملاحة الدولية وأسواق الطاقة العالمية. ومع استمرار التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، لم يعد الحديث عن المضيق يقتصر على كونه ورقة ضغط سياسية أو أداة ردع استراتيجية، بل تطور إلى مسار تشريعي داخل البرلمان الإيراني، عقب الإعلان عن تسلم مشروع عاجل يتعلق بما سمي الإدارة الإستراتيجية للمضيق. هذا التطور فتح الباب أمام مرحلة جديدة من الجدل السياسي والقانوني داخل إيران، وأعاد طرح تساؤلات أوسع بشأن مستقبل مضيق هرمز، وحدود النفوذ الإيراني فيه، وانعكاسات أي تغييرات محتملة على التوازنات الإقليمية والدولية.

البرلمان الإيراني ومشروع الإدارة الاستراتيجية لمضيق هرمز

بدأ الجدل السياسي والإعلامي في إيران يتصاعد عقب إعلان عدد من النواب الإيرانيين عن تقديم مشروع عاجل بثلاث صفات استعجال يتعلق بالإدارة الاستراتيجية لمضيق هرمز، وهو المشروع الذي قالت هيئة البرلمان الإيراني إنها تسلمته رسميا تمهيدا لإحالته إلى اللجان المختصة ومناقشته في البرلمان.

وكان النائب علي بابايي كارنمي، ممثل ساري وميان ورود في البرلمان، أول من كشف تفاصيل الخطوة البرلمانية، عندما أعلن، على هامش تجمع شعبي في مدينة ساري، أن البرلمان تسلم مشروعا عاجلا يتعلق بإدارة مضيق هرمز، في إطار ما وصفه بتعزيز السيادة الوطنية الإيرانية، وأوضح أن المشروع جاء ردا على التجاوزات الأجنبية والتحركات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، معتبرا أن إيران تسعى من خلاله إلى وضع هذا الممر الاستراتيجي بالكامل تحت إدارتها.

Image

وبحسب التصريحات التي نقلتها وسائل الإعلام الإيرانية، فإن المشروع لا يقتصر على الجانب الأمني فقط، بل يتناول أيضا الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المرتبطة بالمضيق، حيث أكد بابايي كارنمي أن الهدف النهائي للمشروع يتمثل في منح الجمهورية الإيرانية سيطرة كاملة على إدارة المضيق من مختلف الجوانب، مشددا على أن البرلمان عازم على المضي في إقراره باعتباره خارطة طريق جديدة للمستقبل الإيراني على المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية.

Image

وفي السياق ذاته، تحدث نائب رئيس البرلمان، حميد رضا حاجي بابائي، عن وجود مشروع استراتيجي قيد الإعداد بشأن مضيق هرمز، مؤكدا أن المشروع يأخذ بعين الاعتبار جميع الجوانب القانونية، والأمنية، والبيئية، والدولية. وقال إن طهران تعتبر نفسها مسؤولة عن أمن الملاحة البحرية وإدارة الحركة البحرية وحماية البيئة في المنطقة، وإن هذه المسؤوليات تستند، وفق رؤيته، إلى القوانين والأنظمة الدولية.

Image

كما اعتبر حاجي بابائي أن مضيق هرمز يمثل أحد أهم عناصر القوة الجيوسياسية لإيران، وأن الولايات المتحدة وحلفاءها ينظرون بقلق إلى الموقع الاستراتيجي الإيراني وقدرته على التأثير في معادلات المنطقة، رابطا بين مشروع إدارة المضيق وبين ما وصفه بالضغوط والحروب التي تتعرض لها إيران، مشددا على أن طهران ستستخدم جميع قدراتها القانونية والمشروعة للدفاع عن مصالحها الوطنية.

من جهته، شدد عباس صوفي، نائب رئيس لجنة الإعمار في البرلمان الإيراني، على أن المشروع المطروح لا يزال قيد الدراسة في عدد من اللجان البرلمانية، من بينها لجان الأمن القومي والاقتصاد والسياسة الخارجية والقضاء، نظرا لتعدد أبعاده القانونية والأمنية والاقتصادية. وأوضح أن أهمية مضيق هرمز لا تنبع فقط من دوره الاقتصادي، بل من مكانته الدفاعية والجيوسياسية والدبلوماسية، معتبرا أن فرض السيادة الإيرانية على المضيق يمكن أن يؤدي إلى نظام جديد لإدارة البحر.

Image

كما أشار صوفي إلى أن المضيق تحول بعد الحروب والتوترات الإقليمية الأخيرة إلى ما يشبه السلاح الاستراتيجي بالنسبة لإيران، نظرا لتأثيره المباشر في أسواق الطاقة العالمية وخطوط التجارة الدولية، وهو ما يمنح طهران قدرة ردع تتجاوز البعد العسكري التقليدي حسب تصريحاته.

وفي خضم الجدل المتصاعد حول المشروع، برزت تصريحات لعضو هيئة رئاسة البرلمان عليرضا سليمي، الذي دافع عن حق البرلمان الإيراني في التشريع بشأن مضيق هرمز، معتبرا أن المضيق جزء من الأراضي والسيادة الإيرانية، وليس من المياه الحرة الدولية. وقال إن الجهة الوحيدة المخولة بوضع القوانين المتعلقة بالأراضي الوطنية هي مجلس الشورى الإسلامي، منتقدا الأصوات التي شككت في صلاحية البرلمان لمناقشة مثل هذه المشاريع.

Image

وأضاف سليمي أن ما يسعى إليه البرلمان هو تحويل آليات ممارسة السيادة الإيرانية على مضيق هرمز إلى إطار قانوني واضح، مؤكدا أن النقاش لا يتعلق فقط بإقرار مشروع سياسي، بل بإعادة تنظيم مفهوم النفوذ والسيطرة الإيرانية في هذا الممر البحري الحيوي.

مضيق هرمز بين الأهمية الاستراتيجية وخطاب الردع الإيراني

لم يكن التركيز الإيراني المتزايد على مضيق هرمز منفصلا عن التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، ولا عن الخطاب الإيراني الذي بات ينظر إلى المضيق باعتباره إحدى أهم أوراق القوة الاستراتيجية في مواجهة الولايات المتحدة والضغوط الغربية، فقد تعاملت وسائل الإعلام الإيرانية مع المضيق بوصفه سلاحا استراتيجيا بيد إيران، يمكن أن يكون أكثر تأثيرا من كثير من الأسلحة التقليدية.

 وفي هذا السياق، تداولت الصحافة الإيرانية تقارير تحدثت عن أن صحيفة تليجراف البريطانية وصفت مضيق هرمز بأنه سلاح هجومي أكثر فعالية من السلاح النووي بالنسبة لإيران، في إشارة إلى قدرة طهران على التأثير في حركة الطاقة العالمية وأسواق النفط عبر هذا الممر البحري.

Image

هذا ويعد مضيق هرمز واحدا من أهم الممرات البحرية في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية، ما يجعله نقطة ارتكاز رئيسية في أمن الطاقة الدولي. وتشير تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن نحو 20 مليون برميل من النفط ومشتقاته تمر يوميا عبر المضيق، بقيمة تجارية سنوية تقدر بمئات المليارات من الدولارات.

وفي ظل هذه المعطيات، يرى المسؤولون الإيرانيون أن السيطرة على المضيق أو توسيع النفوذ فيه يمنح طهران أوراق ضغط سياسية واقتصادية كبيرة، ليس فقط في مواجهة الولايات المتحدة، بل أيضا في علاقاتها الإقليمية والدولية. ولهذا السبب، ظهرت خلال الفترة الأخيرة دعوات إيرانية لتثبيت الحاكمية الإيرانية، حسب المصطلح الشائع في الأوساط الإعلامية الإيرانية، على المضيق بوصفه جزءا من الأمن القومي الإيراني.

كما ربطت طهران بين مشروع إدارة المضيق وبين ما تسميه الحقوق الوطنية في أي مفاوضات مقبلة مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية. وضمن هذا الإطار، طرحت وسائل إعلام إيرانية ما وصفته بـالشروط الوطنية الخمسة لأي اتفاق مستقبلي، والتي تضمنت رفع العقوبات، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، ودفع تعويضات لإيران، وإنهاء الحصار البحري، إضافة إلى تثبيت السيادة الإيرانية على مضيق هرمز.

Image

واعتبرت وسائل إعلام إيرانية أن المضيق يمثل عنصرا أساسيا في تعزيز القوة الجيوسياسية الإيرانية، وفي حماية صادرات النفط والتجارة البحرية الإيرانية، فضلا عن كونه أداة ردع في مواجهة التهديدات العسكرية الخارجية.

وفي المقابل، سعت شخصيات سياسية وإعلامية إيرانية إلى توظيف البعد التاريخي والرمزي للمضيق في تعزيز الخطاب الوطني المرتبط به. وفي هذا السياق، نشرت الباحثة الإيرانية سهيلة جكيني دراسة مطولة استعرضت فيها تاريخ الصراع على مضيق هرمز منذ الاحتلال البرتغالي وحتى الصراعات الحديثة، معتبرة أن المضيق ظل عبر التاريخ محورا للتنافس الاستعماري الدولي.

Image

وأشارت جكيني إلى أن الإيرانيين واجهوا عبر القرون محاولات للسيطرة على المضيق والممرات البحرية المرتبطة به، بدءا من البرتغاليين والإسبان وصولا إلى البريطانيين، معتبرة أن ما يحدث اليوم يمثل امتدادا للصراع التاريخي على الخليج والممرات البحرية الاستراتيجية.

كما ربطت الكاتبة بين الوضع الحالي والتوترات الإقليمية، معتبرة أن الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان، وفق رؤيتها، إلى فرض ترتيبات إقليمية جديدة تخدم مصالحهما، وأن السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز تشكل عقبة أمام هذه المشاريع.

وفي سياق مشابه، برز خطاب سياسي وإعلامي داخل إيران يربط بين أي توتر عسكري محتمل وبين قدرة إيران على التأثير في الملاحة البحرية والطاقة العالمية. وجرى تقديم مضيق هرمز بوصفه أداة ردع يمكنها رفع تكلفة أي مواجهة عسكرية ضد إيران، نظرا للتداعيات الاقتصادية العالمية المحتملة لأي اضطراب في حركة الملاحة عبره.

الانتقادات الداخلية والجدل حول مستقبل المشروع

على الرغم من الدعم الذي أبدته شخصيات سياسية وبرلمانية إيرانية للمشروع، فإن مشروع الإدارة الاستراتيجية لمضيق هرمز أثار في المقابل موجة من الانتقادات والاعتراضات داخل إيران، سواء من جانب سياسيين أو محللين أو ناشطين إعلاميين، رأوا أن الخطوة قد تحمل تداعيات سياسية وقانونية واقتصادية معقدة.

وكان من أبرز المنتقدين الناشط السياسي الأصولي محمد مهاجري، الذي هاجم بشدة النواب الداعمين للمشروع، معتبرا أنهم “يفتقرون إلى الدراية بمصالح البلاد”، وأن تحركهم لن يؤدي إلى نتائج عملية. وكتب مهاجري في منشور على صفحته في منصة إكس، الجمعة 5 يونيو/ حزيران 2026، “أن النواب الذين يسعون إلى تمرير المشروع لا يمتلكون المعرفة الكافية بهذا الملف، وأن ما يقومون به لا يتجاوز إلقاء حجر في البئر”، مضيفا أن أحدا “لن يأخذ هذا القرار على محمل الجد في المستقبل”

Image

كما أثار المشروع نقاشات قانونية تتعلق بوضع مضيق هرمز في القانون الدولي، وحدود السيادة الإيرانية عليه، وإمكانية تحويل النفوذ السياسي والأمني إلى إطار تشريعي ملزم. وفي هذا السياق، رأى بعض المنتقدين أن الحديث عن السيطرة الكاملة على المضيق قد يثير حساسيات إقليمية ودولية، خاصة أن المضيق يمثل شريانا حيويا للتجارة والطاقة العالمية.

Image

وفي ظل استمرار التوترات في المنطقة، وتصاعد الصراع على النفوذ في الخليج، يتوقع أن يبقى ملف مضيق هرمز حاضرا بقوة في الخطاب السياسي الإيراني، سواء على مستوى البرلمان أو في سياق التفاوض مع القوى الدولية. كما أن النقاش الدائر حول المشروع يكشف في الوقت نفسه عن تباينات داخلية بين من يرى في المضيق ورقة استراتيجية ينبغي توظيفها بأقصى قدر ممكن، وبين من يخشى أن تؤدي المبالغة في الخطاب المرتبط به إلى تعقيد علاقات إيران الإقليمية والدولية بصورة أكبر.