- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 6 Views
منذ ما يقرب من أربعة أشهر، يعيش البرلمان الإيراني حالة من الجمود غير المسبوق بعد تعليق جلساته العلنية بدواع أمنية أعقبت الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران في فبراير/شباط 2026. ورغم استمرار عمل اللجان التخصصية وعقد اجتماعات افتراضية بين النواب والحكومة، فإن غياب الجلسات العامة فتح الباب أمام خلافات سياسية متصاعدة داخل البرلمان نفسه، حيث يقود عدد من النواب حملة متزايدة للضغط على هيئة رئاسة المجلس من أجل استئناف الجلسات، معتبرين أن استمرار الإغلاق يحد من الدور الرقابي والتشريعي للمؤسسة البرلمانية، بينما تتمسك هيئة الرئاسة بأن قرار التعليق جاء استجابة لتقديرات أمنية فرضتها ظروف استثنائية. وبين هذين الموقفين، برزت اتهامات متبادلة بشأن الدوافع الحقيقية لاستمرار تعطيل البرلمان، وسط حديث عن ارتباط الأزمة بملفات سياسية داخلية وخارجية، وفي مقدمتها المفاوضات مع الولايات المتحدة وأداء الحكومة.
أربعة أشهر من التعطيل… قرار أمني يتحول إلى أزمة سياسية
بدأت أزمة الجلسات العلنية للبرلمان في إيران عقب الهجمات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت مواقع داخل إيران، وما رافقها من عمليات اغتيال طالت عددا من المسؤولين. وفي ظل تلك الظروف، تقرر تعليق انعقاد الجلسات العامة للبرلمان، في خطوة بررتها هيئة رئاسة المجلس باعتبارات أمنية هدفت إلى حماية النواب وضمان سلامتهم. ومنذ ذلك الحين، اقتصرت أنشطة البرلمان على اجتماعات اللجان التخصصية، بينما انتقلت اللقاءات الدورية بين النواب وأعضاء الحكومة إلى منصات الاتصال المرئي، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من العمل البرلماني. وحتى انتخابات هيئة رئاسة المجلس، التي تعد من أهم الاستحقاقات البرلمانية السنوية، لم تعقد داخل القاعة الرئيسية، وإنما نقلت إلى مبنى آخر خارج البرلمان مراعاة للظروف الأمنية.

ورغم أن هذه الإجراءات اعتبرت في بدايتها استجابة مؤقتة لظرف استثنائي، فإن استمرارها طوال أربعة أشهر أثار تساؤلات متزايدة داخل الأوساط السياسية والبرلمانية، خصوصا مع تراجع حدة التهديدات الأمنية وعودة مؤسسات حكومية أخرى إلى ممارسة أعمالها بصورة طبيعية.
وفي هذا السياق، أكد عضو هيئة رئاسة البرلمان عليرضا سليمي أن تعليق الجلسات لم يكن قرارا سياسيا، وإنما جاء تنفيذا لتوجيهات أمنية فرضتها المرحلة السابقة، موضحا أن هيئة الرئاسة وجميع النواب كانوا يدركون أن ما حدث كان استجابة لاعتبارات أمنية بحتة. لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن تغير الظروف ألغى الأسباب التي استوجبت استمرار الإغلاق، معربا عن اعتقاده بأن البرلمان سيستأنف جلساته العلنية قريبا. فيما أعطت هذه التصريحات انطباعا بأن المؤسسة البرلمانية نفسها باتت ترى أن الظروف التي فرضت الإغلاق لم تعد قائمة، وهو ما عزز توقعات بعودة العمل البرلماني خلال الفترة المقبلة، إلا أن عدم صدور قرار رسمي حتى الآن أبقى الأزمة قائمة، ودفع عددا من النواب إلى تصعيد مطالباتهم.

ولم تقتصر الضغوط على تصريحات فردية، بل تحولت إلى بيانات ورسائل مفتوحة وجهها نواب إلى الشعب الإيراني وهيئة رئاسة البرلمان، شددوا فيها على أن استمرار تعطيل الجلسات ألحق ضررا مباشرا بأداء المجلس، خاصة فيما يتعلق بممارسة صلاحياته الدستورية في الرقابة على الحكومة وسن التشريعات.

وفي رسالتهم، اعتبر النواب أن الشعب ظل طوال الأشهر الماضية يطالب بحقوقه، بينما بقي البرلمان عاجزا عن أداء مهامه الكاملة تجاه المواطنين، مؤكدين أن جزءا كبيرا من الاختصاصات الرقابية والتشريعية للنواب تعطل نتيجة غياب التخطيط اللازم من قبل هيئة الرئاسة لتوفير الظروف المناسبة لانعقاد المجلس.
كما أشار البيان إلى أن استمرار تعليق البرلمان جاء رغم الرسالة التي وجهها المرشد الإيراني، مجتبى خامنئي إلى المجلس، والتي دعا فيها النواب إلى الاقتداء بالشعب في الميدان وبذل مزيد من العمل والجهد، معتبرين أن استمرار الإغلاق بعد هذه الرسالة يثير علامات استفهام إضافية، خاصة بعد توقيع مذكرة التفاهم التي كانت تستخدم، بحسب تعبيرهم، مبررا لاستمرار إغلاق المجلس، فبالنسبة لهؤلاء النواب، لم تعد القضية مرتبطة فقط بعقد جلسة علنية، بل أصبحت تتعلق بالحفاظ على الدور الدستوري للبرلمان ومنع تحوله إلى مؤسسة محدودة التأثير في إدارة الشأن العام، وهو ما يفسر انتقال مطالبهم من البيانات المكتوبة إلى التهديد بخطوات احتجاجية ميدانية في حال استمرار الوضع على ما هو عليه.

وفي الوقت الذي تؤكد فيه هيئة رئاسة المجلس أن العمل البرلماني لم يتوقف بالكامل، وأن اللجان المتخصصة واصلت أداء مهامها خلال الأشهر الماضية، يرى النواب المطالبون بإعادة فتح البرلمان أن الاجتماعات الافتراضية لا يمكن أن تعوض الجلسات العلنية التي تمثل المنصة الأساسية لممارسة الرقابة على الحكومة، ومناقشة التشريعات، وإيصال مواقف ممثلي الشعب إلى الرأي العام.
وبهذا، أصبحت قضية إعادة فتح البرلمان تتجاوز مجرد تحديد موعد لأول جلسة علنية، لتتحول إلى عنوان لصراع سياسي أوسع حول حدود الدور الذي ينبغي أن يؤديه البرلمان في مرحلة تشهد تحولات داخلية وخارجية حساسة، الأمر الذي مهد لتصعيد غير مسبوق من جانب عدد من النواب، الذين انتقلوا من المطالبة اللفظية إلى الإعلان عن خطوات احتجاجية مباشرة لإجبار هيئة الرئاسة على إعادة فتح المجلس.
تصعيد داخل البرلمان… رسائي وغضنفري يقودان حملة الضغط لإعادة فتح المجلس
مع استمرار غياب أي قرار رسمي يحدد موعد استئناف الجلسات العلنية، انتقلت مطالب عدد من النواب من مستوى الانتقاد السياسي إلى خطوات تصعيدية غير مسبوقة، تصدرها النائبان الأصوليان حميد رسائي وكامران غضنفري، اللذان اعتبرا أن استمرار تعطيل البرلمان لم يعد مبررا في ظل تغير الظروف الأمنية، وأن استعادة عمل المؤسسة التشريعية باتت ضرورة دستورية وسياسية لا تحتمل مزيدا من التأجيل. وقد شكلت تحركاتهما بداية حملة ضغط داخلية استهدفت هيئة رئاسة المجلس، وأعادت إلى الواجهة الخلافات الكامنة بين التيارات البرلمانية حول إدارة المرحلة الحالية.
وكان حميد رسائي أول من رفع سقف الانتقادات بصورة علنية، إذ استغل اجتماعا غير رسمي ليهاجم استمرار تعطيل الجلسات العامة، معربا عن استغرابه من عدم عقد جلسة رسمية بعد مرور أربعة أشهر على تعليق أعمال البرلمان. وقال إن النواب كانوا يتوقعون أن تشهد الأيام الأخيرة عودة المجلس إلى ممارسة مهامه بصورة طبيعية، معتبرا أن استمرار الإغلاق لم يعد مقنعا في ظل التطورات الأخيرة.

ولم يكتف رسائي بتوجيه الانتقادات، بل أعلن ما وصفه بخطوة عملية، مؤكدا أنه سيتوجه مع عدد من النواب إلى مبنى البرلمان في الساعة الثامنة من صباح يوم الأحد السابع من تير، وأنهم سيعقدون جلسة أمام مبنى المجلس إذا وجدوا أبوابه لا تزال مغلقة، حتى وإن اضطروا إلى عقدها في الهواء الطلق وبحضور المواطنين. وحملت هذه الدعوة رسالة سياسية واضحة، مفادها أن النواب مستعدون لممارسة مهامهم خارج القاعة الرسمية إذا استمر تعطيلها.
وبالتوازي مع ذلك، أعلن النائب كامران غضنفري انضمامه إلى هذا التحرك، ونشر بيانا أكد فيه أن مجموعة من أعضاء مجلس الشورى الإسلامي ستتوجه إلى البرلمان في الموعد ذاته، مضيفا أن النواب سيعتصمون أمام مبنى المجلس إلى حين إعادة فتحه إذا استمرت أبوابه مغلقة. وبذلك، تحولت الدعوة من مجرد موقف فردي إلى تحرك جماعي أعلن عنه أكثر من نائب، الأمر الذي منحها بعدا سياسيا أكبر داخل المؤسسة التشريعية.

ولم يكن الإعلان عن الاعتصام سوى امتداد لسلسلة من البيانات التي وقعها عدد من النواب، طالبوا فيها هيئة رئاسة المجلس بإعادة فتح الجلسات العامة، مؤكدين أن استمرار تعطيل البرلمان أضعف قدرة النواب على أداء واجباتهم الرقابية والتشريعية. واعتبر الموقعون أن غياب الجلسات العلنية أدى إلى تعطيل جزء كبير من اختصاصات المجلس، وهو ما انعكس، بحسب تعبيرهم، على قدرة النواب في متابعة أداء الحكومة والتفاعل مع مطالب المواطنين.
ولم تتوقف حملة المطالبة بإعادة فتح البرلمان عند البيانات الرسمية، بل امتدت إلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث نشر عدد من النواب تصريحات وتغريدات تدعو إلى استئناف الجلسات، فيما تحولت القضية إلى محور نقاش واسع داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإيرانية. ورافق ذلك تداول صور قديمة لرسائي داخل البرلمان في سياق ساخر، إذ اعتبر بعض المستخدمين أن إصراره على إعادة فتح المجلس يهدف إلى استعادة حضوره الإعلامي أكثر من كونه دفاعا عن الدور التشريعي للمؤسسة البرلمانية، وهو ما يعكس حجم الاستقطاب الذي رافق هذه القضية.

في المقابل، أصر النواب المؤيدون لإعادة فتح البرلمان على أن مطالبهم لا تستهدف تحدي المؤسسات الرسمية أو التشكيك في الاعتبارات الأمنية التي فرضت تعليق الجلسات في بداية الأزمة، وإنما تنطلق من قناعة بأن الظروف تغيرت، وأن استمرار تعطيل المجلس بات ينعكس سلبا على الحياة السياسية وعلى قدرة البرلمان في ممارسة دوره الطبيعي.
كما أكد هؤلاء أن البرلمان لا يمكن أن يكتفي بالاجتماعات الافتراضية أو أعمال اللجان المتخصصة، لأن الجلسات العلنية تمثل الإطار الدستوري الذي تناقش فيه القوانين، وتوجه فيه الأسئلة والاستجوابات إلى الحكومة، وتطرح عبره القضايا الوطنية أمام الرأي العام. ومن هذا المنطلق، اعتبروا أن إعادة فتح المجلس لم تعد مطلبا لفريق سياسي بعينه، بل استحقاقا مؤسساتيا يتعلق بمكانة البرلمان في النظام السياسي الإيراني.
ومع اقتراب الموعد الذي حدده النواب لتنفيذ اعتصامهم، بدت الأزمة مرشحة للانتقال من دائرة السجال السياسي إلى اختبار عملي للعلاقة بين هيئة رئاسة المجلس والنواب المعترضين، في وقت بدأت فيه مؤشرات الانقسام داخل البرلمان تظهر بصورة أكثر وضوحا، لتكشف أن الخلاف لم يعد يقتصر على موعد استئناف الجلسات، بل امتد إلى تقييم طبيعة المرحلة السياسية نفسها، وحدود الدور الذي ينبغي أن يلعبه البرلمان خلالها، وهو ما مهد لظهور تفسيرات متباينة بشأن الدوافع الحقيقية وراء الإصرار على إعادة فتح المجلس أو استمرار تعطيل جلساته.
بين الاعتبارات الأمنية والحسابات السياسية… خلاف يتجاوز إعادة فتح البرلمان
رغم أن المطالبات بإعادة فتح الجلسات العلنية رفعت تحت شعار استعادة الدور الدستوري للبرلمان، فإن الجدل سرعان ما تجاوز الإطار الإجرائي، ليتحول إلى مواجهة سياسية حول الدوافع الحقيقية لكل طرف. ففي حين يؤكد النواب المطالبون باستئناف الجلسات أن هدفهم هو تمكين المجلس من ممارسة صلاحياته التشريعية والرقابية كاملة، ترى أصوات سياسية وإعلامية أخرى أن هذه التحركات تخفي أهدافا تتجاوز مجرد إعادة الحياة إلى المؤسسة البرلمانية، وترتبط بمحاولة التأثير في المشهد السياسي الداخلي، ولا سيما في ظل الملفات الحساسة التي تشهدها البلاد.
وفي هذا السياق، رأت صحيفة آرمان ملي، الثلاثاء 23 يونيو/ حزيران 2026، أن النواب المتشددين يسعون إلى استخدام الجلسات العلنية كمنصة لتكثيف الضغوط على الحكومة، وإعادة طرح مواقفهم المعارضة على نطاق واسع، مستفيدين من التغطية الإعلامية المباشرة التي تحظى بها جلسات البرلمان. وذهبت الصحيفة إلى أن الاجتماعات الافتراضية حرمت هؤلاء من الظهور الإعلامي الذي اعتادوا عليه داخل القاعة العامة، الأمر الذي يفسر إصرارهم على استئناف الجلسات في أقرب وقت.

كما ربطت الصحيفة بين حملة المطالبة بإعادة فتح البرلمان وبين مسار المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة، معتبرة أن التيار المتشدد ينظر بقلق إلى أي تقدم في هذا الملف، ويخشى أن يؤدي التوصل إلى تفاهمات جديدة إلى تعزيز موقع الحكومة سياسيا. ومن هذا المنطلق، ترى الصحيفة أن استعادة المنبر البرلماني تمنح هؤلاء فرصة لمهاجمة الحكومة بصورة مباشرة، وإثارة ملفات من شأنها زيادة الضغوط عليها، سواء عبر الاستجوابات أو من خلال الاعتراض على التفاهمات السياسية المطروحة.
ويستند هذا الطرح إلى تصريحات سبق أن أطلقها حميد رسائي وعدد من النواب المقربين منه، الذين اعتبروا أن استمرار إغلاق البرلمان حال دون مناقشة قضايا يرونها ذات أولوية، من بينها مشروع قانون يتعلق بمضيق هرمز، فضلا عن حرمان النواب من استخدام أدواتهم الرقابية في مساءلة الحكومة. كما ربط هؤلاء بين تعليق الجلسات وبين تعطيل مناقشة ملفات سياسية حساسة، معتبرين أن البرلمان يجب أن يكون حاضرا في جميع القضايا الوطنية، لا سيما في ظل التحولات التي تشهدها البلاد.
وفي المقابل، يرى منتقدو هذا التوجه أن غالبية النواب لم تعترض طوال الأشهر الماضية على تعليق الجلسات، إدراكا منهم لطبيعة الظروف الأمنية التي رافقت القرار، وأن الأصوات المطالبة بإعادة فتح البرلمان تمثل تيارا محدودا يسعى إلى فرض أجندته السياسية داخل المجلس. ويستدل هؤلاء بأن معظم الكتل البرلمانية لم تنخرط في حملات التصعيد أو الدعوات إلى الاعتصام، الأمر الذي يعكس وجود تباين واضح في تقدير أولويات المرحلة.

ومن بين أبرز الأصوات المنتقدة لتحركات النواب المتشددين، برز الناشط السياسي الأصولي محمد مهاجري، الذي اعتبر أن المطالبة بإعادة فتح البرلمان لا تنطلق من الحرص على أداء المجلس بقدر ما تستهدف تحقيق مصالح فئوية وحزبية. وقال إن هؤلاء النواب يرغبون في استغلال منصة البرلمان لخدمة أجنداتهم السياسية، منتقدا في الوقت ذاته صمت غالبية أعضاء المجلس، الذين رأى أنهم لم يستخدموا ثقلهم البرلماني للحد من تصعيد الأقلية المتشددة.

وذهب مهاجري إلى أبعد من ذلك عندما وصف البرلمان الحالي بأنه من أقل البرلمانات إنتاجا على مستوى الإنجاز التشريعي، معتبرا أن حضوره خلال السنوات الماضية ارتبط بإثارة الجدل أكثر من ارتباطه بإقرار قوانين مؤثرة في حياة المواطنين. ورأى أن استمرار الجدل حول إعادة فتح البرلمان يعكس أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الأداء البرلماني نفسه، وليس فقط بطريقة إدارة الجلسات.
تكشف هذه المواقف المتباينة أن الجدل الدائر لا يقتصر على موعد استئناف الجلسات، بل يعكس انقساما أوسع حول موقع البرلمان في إدارة المرحلة الحالية، وحدود العلاقة بين مقتضيات الأمن ومتطلبات العمل المؤسسي. فبين من يرى أن الأولوية لا تزال تفرضها الاعتبارات الأمنية، ومن يعتبر أن هذه الاعتبارات فقدت مبرراتها، يبقى البرلمان الإيراني أمام اختبار جديد يتعلق بقدرته على استعادة نشاطه الكامل دون أن يتحول ذلك إلى ساحة إضافية للصراع السياسي.

