- زاد إيران - المحرر
- 587 Views
أجرت وكالة “خبر أونلاين” الإيرانية، السبت 6 ديسمبر/ كانون الأول 2025، حوارا مع كوروش أحمدي، الدبلوماسي الإيراني الأسبق، ناقشت فيه معه حالة الغموض السياسي الراهنة وغياب مؤشرات التقدم في مباحثات الملف النووي الإيراني، إضافة إلى تقييمه للتحركات الدبلوماسية الأخيرة في المنطقة.

نص الحوار:
كيف تقيّمون التحركات الدبلوماسية الأخيرة المرتبطة بزيارات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ووزيري خارجية السعودية وتركيا؟

من الطبيعي أن تكون إيران، باعتبارها واحدة من أهم دول المنطقة، في اتصال مستمر مع الدول الأخرى في المنطقة، ولا سيما أن المنطقة تمر بتحولات مهمة، ولهذا السبب تعاني من كثير من حالات عدم الاستقرار وعدم اليقين.
الأمر الذي يجعل التواصل المستمر بين دول المنطقة ضرورة أكثر من أي وقت مضى.
وفي ما يتعلق بتركيا، فلدى البلدين مصالح مهمة في مجالات مشتركة، ومن الضروري أن يكونا في تواصل مستمر، وتعد قضايا القوقاز الجنوبي وسوريا، وكذلك تحركات واعتداءات وتوسعات إسرائيل في كامل المنطقة، من أهم الموضوعات التي تفرض هذا الاتصال المستمر.
إضافة إلى ذلك، يلتزم البلدان برفع حجم مبادلاتهما إلى 30 مليار دولار سنويا، في حين أنه لا يتجاوز حاليا 6.5 مليار، وبالتالي فمن هذه الناحية أيضا يتطلب الأمر تحركا في علاقات البلدين.
وكانت زيارة وزير الخارجية إلى فرنسا بعد زيارته الى هولندا للمشاركة في اجتماع منظمة مكافحة الاسلحة الكيميائية والميكروبية مهمة بطبيعة الحال.
إذ أنها، بحسب ما قاله بقائي، المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، جاءت بدعوة من وزير الخارجية الفرنسي. ومع ذلك، لا توجد أي إشارة تدل على حدوث تقدم في ما يتعلق بالمسائل المرتبطة بالبرنامج النووي الايراني.
وقد تكون هذه الزيارة مرتبطة أكثر بالمسائل الثنائية، ومنها السجناء في البلدين.
وبالنسبة للسعودية، ومع زيارة مسؤولي بلادنا إليها، كان من المتوقع إجراء زيارة على مستوى أعلى، لكن تزامن عدة تطورات أثار شائعات تربطها بالسعودية.

ومنها زيارة بن سلمان، ولي العهد السعودي للولايات المتحدة، والرسالة المثيرة من إيران، وتصريحات مجتبي ذو النوري، عضو البرلمان الإيراني، حول شروط ترامب المنسوبة لبن سلمان.
ونفت السلطات صلة الرسالة بالزيارة، وحاملها كان رئيس منظمة الحج والزيارة، والمتسلم هو وزير الداخلية السعودي، أما تصريحات ذو النوري فلا يمكن اعتبارها نهائية دون دليل إضافي.
وأشار ذو النوري إلى أن بلاده طالبت بالتخلي عن دعم إسرائيل كي تنهار تلقائيا، لكنه موقف غير واقعي أثبت الزمن أنه لم يجلب سوى الخسارة، رغم أن البرنامج الصاروخي وقضايا المنطقة تظل ذات أهمية.
الوضع الراهن يثير تساؤل العامة: ماذا تفعل وزارة الخارجية؟
بالنظر إلى التجارب والخبرات من جانب، وحالة اللا حرب واللا سلم الراهنة التي تلحق ضررا بالاقتصاد والمجتمع من جانب آخر، فمنطقا وقطعا يكون مستوى التوقع من وزارة الخارجية مرتفعا جدا، ولا شك أن الخطوة الأولى للخروج من حالة التعليق الحالية ينبغي أن تؤخذ في مجال الدبلوماسية.
وقد صرح عراقجي مؤخرا في مقابلة مع برنامج موسي الفرعي قائلا: “المبدأ الأول للدبلوماسية والتفاوض هو أن يأتي الطرفان إلى طاولة المفاوضات بنية حقيقية للتبادل المنصف والمتكافئ، لكن إذا كان هدف أحد الطرفين فرض مطالبه، فلن تتشكل مثل هذه المفاوضات ولن تثمر شيئا”.
ومثل هذا الفهم والتصور بطبيعة الحال لا يمكن أن يكون مفتاح الحل. “النية الحقيقية والتبادل المنصف” لا يكونان أبدا أساس الدبلوماسية، وقراءة النيات أساسا ليست مجدية في أي مجال.
والفرضية القطعية في الدبلوماسية هي أنه لا يمكن من خلال تصريحات السياسيين ورؤساء الدول العلنية معرفة نياتهم الحقيقية، فكثيرا ما تكون الخطابات شيئا والنيات الحقيقية شيئا آخر.
والنية الحقيقية لا تتضح إلا في غرفة التفاوض، وفي المراحل النهائية من المفاوضات”، مثل هذا الفهم والتصور بطبيعة الحال لا يمكن أن يكون مفتاح الحل.
وهذا يعني أن حتى التصريحات الاولية في جولة تفاوضية قد تكون، على حد التعبير، موقفا تفاوضيا يُطرح فقط من أجل المساومة، فما بالك بالمواقف الدعائية لرؤساء الدول التي لها جمهور متعدد وتخضع لمقتضيات السياسة الداخلية.
وما هو مهم في الدبلوماسية أولا هو الحوار المباشر بين الأطراف، حتى إذا لم تكن هناك أي بارقة أمل بانفراجة؛ لأن الطرفين يحصلان على الأقل على فهم أكبر أحدهما للآخر في هذه الحوارات، وفي غرفة التفاوض ايضا لا يُجبر أي طرف الطرف الآخر على توقيع شيء.
وثانيا أن الابتكار والخلاقة هما الأصل في الظروف المعقدة والصعبة، وهذا في حين أننا لا نرى أثرا للحوار ولا للابتكار والخلاقة.
مع تصاعد مؤشرات الحرب عالميا من الكاريبي إلى بحر الصين، وتقول لنا هذه المؤشرات أن الحرب على ما يبدو حتمية بالنسبة لإيران، ما مدى حاجة إيران لتغيير جذري في سياستها الخارجية؟
أنا لا أؤمن كثيرا بأن حربا أخرى ضدنا باتت حتمية، فالحرب لا يمكن أن تقع مرة أخرى إلا في ظل ظروف معينة، وتأكيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على «التدمير الكامل» لبرنامج تخصيب إيران هو أحد الأسباب التي تمنعه من خوض مغامرة عسكرية أخرى.
ومن دون إتهام إيران باستئناف التخصيب، فلا يمكن لترامب أن يخوض حربا أخرى ضد إيران، لأن ذلك سيضعه في مواجهة مشاعر مناهضة للحرب داخل قاعدته السياسية.
وإذا سمعتم يوما أن ترامب كرر إتهام تنفيذ التخصيب في إيران، فاعلموا أن هجوما آخر قيد الدراسة، وأما بالنسبة لإسرائيل، فإنها من دون إذن الولايات المتحدة ومرافقتها ودعمها العسكري والاستخباراتي لا تستطيع خوض حرب أخرى ضد إيران.
وبالطبع فإن ما يهم إسرائيل، إضافة الى توقف التخصيب في إيران، هو استمرار التحكم في أجواء إيران، وقد يكون بدء إحياء الدفاع الجوي الإيراني ذريعة اخرى لاستئناف هجمات محدودة، وعلى أي حال، من دون موافقة الولايات المتحدة يبدو شن هجوم واسع آخر ضد إيران مستبعدا.
ومن جهة أخرى، وبالنظر إلى الأزمة الناشئة عن أنواع الاختلالات وفي مقدمتها مشكلة الماء الحادة، فمن الضروري أن تبتعد إيران لفترة عن الانخراط في المنازعات الجيوسياسية.
وتسعى لكي لا تكون لعدة أعوام في صدارة عناوين وسائل الإعلام الدولية، وأن تركز حصرا على القضايا الداخلية والاقتصادية. وإذا أردتم تسمية ذلك تغييرا جذريا في السياسة الخارجية، فلا مانع.
ما تأثير التغيير الجذري في السياسة الخارجية على الردع العسكري وإمكانية امتلاك الردع النووي؟
إذا تم تبني تغييرا جذريا بالطريقة المشار إليها، فلن تكون هناك أي عجلة في إعادة بناء الردع، ومن خلال اغتنام الفرصة يمكن إعادة بناء القدرة الرادعة بشكل مستمر وفعال.
ولا امتلك اطلاعا على وضع الدفاع الجوي الذي يعد عنصرا مهما في الردع العسكري، رغم أن التقارير وتصريحات المسؤولين تشير إلى تضرر هذه القدرة.
وإذا صحت هذه التصريحات والتقارير، فالمشكلة تكمن في عدم ظهور أي مؤشر على إعادة بنائها، كما قد تجعل قرارات مجلس الأمن، التي يدعي الغرب اعادة تفعيلها، مهمة الصين في المساعدة على إعادة بناء الدفاع الجوي الإيراني أكثر صعوبة.
أما الردع النووي، إن كان المقصود به امتلاك سلاح نووي، فهو موضوع بالغ التعقيد ويتطلب وقتا طويلا وتوفّر حد أدنى من الظروف التي لا تتوفر لنا حاليا.
أعتقد، أولا، أن امتلاك الردع النووي يستغرق وقتا، ومكلف جدا، ويحتاج إلى جهاز ضد استخبارات قوي للغاية، والأهم من ذلك أن الدخول في مثل هذه العملية قد يجلب مخاطر هائلة على البلاد.
في هذا السياق، حذر الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني خلال لقائه بأعضاء حكومته قائلا إننا لا نملك ردعا وإن الاجواء بيد إسرائيل والولايات المتحدة. ما تحليلكم لهذا التحذير الأمني؟
المشكلة هي أن أجواء دول المنطقة أيضا بيد إسرائيل والولايات المتحدة، فكل من سوريا والعراق والأردن وحتى فيما يبدو السعودية لا تملك أي سيطرة على اجوائها.
ويبدو أن الطائرات التي هاجمت قطر مرت عبر أجواء السعودية، وروحاني كان لسنوات قائدا للدفاع الجوي الموحد، ومن المفترض أن يكون مطلعا على الأمور، ولم يكن عادة يطلق كلاما غير محسوب، كما ظهرت خلال الاشهر الاخيرة أدلة ومؤشرات تؤكد صوابية مثل هذا الكلام.
ما تحليلك للوضع الحالي؟ ماذا يمكن أن يحدث غدا؟ وهل يمكن توقع السيناريو المنتظر لإيران؟

في ظل وقف التخصيب، أي استمرار توقف التخصيب الذي أقر به المسؤولون، استبعد أن يكون لدى ترامب رغبة أو استعداد لشن حرب جديدة ضد إيران، وفي مثل هذا الوضع، لن يكون إسرائيل أيضا مخولا لشن هجوم واسع وشامل ضد إيران.
ولكن، في غياب اتفاق بين إيران والولايات المتحدة حول البرنامج النووي، سيستمر وضع «لا حرب ولا سلم»، وليس من المستبعد أن تسعى إسرائيل كل فترة عبر تنفيذ مناورات الى إبقاء إيران في حالة قلق من حرب أخرى، وأن يقوم بإرهاق قواتنا المسلحة عبر حالات الاستنفار المتكررة.
وبالتوازي مع ذلك، ستسعى الولايات المتحدة إلى استمرار وتوسيع العقوبات، ومثل هذا الوضع سيكون بالغ الضرر بالنسبة لنا، أما بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل فلن يكلفهما شيئا، وقد يكون قابلا للاستمرار إلى أجل غير محدود، ومن البديهي أن على مسؤولينا السعي لإنهاء هذا الدوران في الحلقة المفرغة.

