تصاعد التوتّر حول الجزر الثلاث: قراءة في الخطاب الإيراني ورسائل الخليج المتبادلة

Image

كتب: الترجمان

تصاعدت حدّة المواجهة الخطابية بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي عقب القمة السادسة والأربعين للمجلس في البحرين، والتي حمل بيانها الختامي أحد أكثر المواقف الخليجية تشدّدا خلال السنوات الماضية تجاه وحدة الأراضي الإيرانية، خصوصا فيما يخص الجزر الثلاث: أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، إضافة إلى النزاع حول الحقل النفطي «آرش». 

هذا التصعيد نقل الخلاف من خانة التباين الدبلوماسي إلى مستوى أشمل، يختلط فيه القانون الدولي بالمصالح الجيوسياسية وبإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية. وفي قلب هذه المعادلة، تبدو إيران بأنها تواجه تهديدا متعدد الأبعاد: سياسيا من خلال تدويل الملف، وأمنيا عبر محاولات تحجيم نفوذها في مضيق هرمز، وقانونيًا عبر الدفع باتجاه المسارات القضائية الدولية.

البيان الخليجي… نبرة غير مسبوقة وتوسيع لملف الخلاف

أعاد البيان الختامي لقمة مجلس التعاون المزاعم الإماراتية حول ملكية الجزر الثلاث، لكنه ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ وصف زيارة مسؤولين إيرانيين للجزر بأنها «اعتداء» و«انتهاك للقانون الدولي». 

كما أعلنت الدول الخليجية توافقا كاملا مع السعودية والكويت بشأن ملكية الحقل النفطي «آرش»، ودعت إلى إشراك دول المجلس في أي مفاوضات تخصه.

تكتسب هذه اللغة أهميتها من عناصر عدة وهي أنها الأكثر حدّة منذ سنوات، وتعيد ربط الملف بنقاشات الأمن الخليجي الشامل، وأنها تضع الوجود العسكري الإيراني في الجزر تحت مجهر الشرعية الدولية، وأنها تربط بين الجزر وحقل آرش، بما يوسّع مساحة النزاع من “جزر” إلى “موارد”.

إضافة إلى أنها تتناغم مع تحركات إماراتية سابقة لاستصدار بيانات داعمة من قوى دولية كالصين وروسيا وأوروبا.

بهذا المعنى، يشكّل البيان تهديدا لإيران عبر محاولة تعديل قواعد النقاش: من موضوع تاريخي محسوم لطهران إلى ملف عابر للمنصات الخليجية والدولية.

Image

ردود طهران… خطاب دفاعي حاد ورسائل ردع

جاء الرد الإيراني سريعا وعلى أكثر من مستوى. فقد أكد علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى علي خامنئي، أن الجزر الثلاث والحقل النفطي «آرش» جزء «غير قابل للتصرف» من الأراضي الإيرانية، مؤكدا أن «صبر الشعب الإيراني ليس بلا حدود». 

ولايتي لم يكتفِ برفض المزاعم، بل وجّه نقدا لسياسات الإمارات الإقليمية، متسائلا عن دورها في اليمن والسودان، ومتهما إياها باتباع سياسات القوى الأجنبية.

هذا الخطاب يعكس مسارين أولهما توجيه الاتهام المضاد من خلال التركيز على تدخلات الإمارات في ملفات إقليمية، فطهران تسعى إلى تحويل النقاش من مسألة “سيادة” إلى مسألة “سياسات”، وإلى إبراز أن الإمارات ليست في موقع يسمح لها بطرح قضايا تخص وحدة الأراضي.

والثاني التأكيد على معادلة الردع، فتصريحات ولايتي، إلى جانب المناورات العسكرية التي سبقت البيان، توحي بأن إيران تريد تثبيت رسالة مفادها أن أي محاولة لفتح الباب أمام تدويل الملف ستواجه بتصعيد ميداني وسياسي.

أما رد وزارة الخارجية الإيرانية، عبر المتحدث الرسمي إسماعيل بقائي، فقد جاء متسقا مع هذه النبرة، لكنه أضاف بُعدا قانونيا للقضية إذ ذكر أن السيادة فاعلة ومستمرّة وغير قابلة للنقض، وتكرار الادعاء لا يخلق حقًا للمدّعي، والحوار ممكن… لكن ليس حول الملكية

هذا المزج بين الردع العسكري والرفض القانوني يعكس قلقا إيرانيا من المسار الذي تحاول الإمارات بناءه داخل الأطر الدولية.

Image

البُعد الدولي… حين يتجاوز الخلاف حدود الخليج

الإمارات نجحت خلال السنوات الأخيرة في تدويل قضية الجزر، من خلال بيانات مشتركة مع الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي. ورغم أن هذه البيانات لا تتضمن اعترافا صريحا بسيادة الإمارات، إلا أنها تضع سيادة إيران في موضع الشك.

وتكمن خطورة هذه التطورات في ثلاثة عوامل رئيسية:

أولا: الصين وروسيا لم تعودا ثابتتين في دعم الموقف الإيرانيـ فعلى الرغم من العلاقات الاستراتيجية بين طهران وبكين وموسكو، إلا أن الدولتين تبنّتا عبارات تدعو إلى حل «سلمي» و«ثنائي»، وهي صياغة تسمح بوجود نزاع قائم. بالنسبة لإيران، هذا تغيير مقلق يفتح الباب أمام تدويل أكبر للملف.

ثانيا:  احتمال اللجوء إلى مجلس الأمن، فالإمارات قد تحاول مستقبلا طرح القضية في مجلس الأمن، وفي ظل مواقف الصين وروسيا الأخيرة، فإن وجود «فيتو» مضمون سيكون محل شك.

ثالثا: المقارنة بقضايا حدودية مشابهة، فإحالة النزاعات الإقليمية إلى محكمة العدل الدولية ليس جديدًا، وقد سبق أن أدّت قضايا مثل نيكاراغوا – كولومبيا إلى تغييرات حدودية رغم التاريخ الطويل لطرفَي النزاع. هذا يعني أن مجرد دخول الملف إلى ساحة التقاضي الدولية سيكون تهديدًا مباشرًا لإيران.

الداخل الإيراني… صراع الهوية وأجيال جديدة في قلب النقاش

هناك بُعد غير شائع في تغطية قضية الجزر وهو  تأثير النزاع على الهوية الوطنية للأطفال. فالمحلّلون الإيرانيون يشيرون إلى أن الجزر ليست مجرد أراضٍ استراتيجية، بل جزء من الذاكرة الوطنية الممتدة عبر العصور.

وتبرز عدة نقاط منها التشكيك في السيادة قد يخلق أزمة هوية للأجيال الناشئة، والمدرسة والبيئة التعليمية يجب أن تُبقي الجزر جزءا من السردية الوطنية، وأي هزة في ملف السيادة تُعد تهديدا لهوية الأطفال وثقتهم بالدولة.

هذا الربط بين الجغرافيا والهوية يقدم بُعدا إنسانيا للقضية، لكنه أيضًا يكشف أن إيران تنظر إلى النزاع لا بوصفه خلافا حدوديا فحسب، بل تهديدا مباشرا لثبات الهوية الوطنية.

Image

حسابات القوة ومخاوف المستقبل

ترى بعض التحليلات الإيرانية أن دول الخليج تحاول استثمار ما تعتبره «أزمة داخلية» و«وضعا اقتصاديا صعبا» في إيران لانتزاع مكاسب سياسية. وفي المقابل، تعتقد الإمارات أن تحالفاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل وشبكاتها الاقتصادية والعسكرية تضعها في موقع أقوى يسمح لها بإعادة طرح الملفات المؤجلة.

لكن هذه الرؤية المتبادلة ترتبط بعدة تطورات منا مفاوضات إيران الغربية حول الملف النووي، والتحولات الاقتصادية في الإمارات والسعودية، والصراع في البحر الأحمر واليمن والسودان، وعودة سباق النفوذ في القرن الأفريقي

كل هذه العوامل تخلق بيئة مضطربة تجعل أي ملف حدودي قابلا للتصعيد.

جدير بالذكر أن إيران تنظر إلى الملف ليس باعتباره خلافا على ثلاث جزر، بل كتهديد مركّب يستهدف موقعها وتاريخها ووحدة أراضيها وهويتها الوطنية. وفي المقابل، يبدو مجلس التعاون – خاصة الإمارات – مصمما على إبقاء القضية حية في المنصات الإقليمية والدولية، مستفيدا من تحولات بنيوية في علاقاته مع القوى العالمية.

التصعيد الأخير يشير إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد ملفا مفتوحا قد يتحرك على تصعيد دبلوماسي يتوسع دوليًا، وتحركات قانونية محتملة، إضافة إلى مناورات ميدانية متبادلة في الخليج

وفي ظل الانقسامات الجيوسياسية الحالية، لا يبدو أن أي طرف قادر على حسم الملف قريبا. لكن المؤكد أن قضية الجزر ستظل أحد أبرز نقاط التماس بين الخليج وإيران، وربما المعيار الأوضح لقياس شكل التوازن الإقليمي خلال العقد المقبل.