قرارات حكومية جديدة تعيد الجدل حول فاعلية التسعير الإجباري في إيران

نشرت صحيفة “دنياي اقتصاد“، الثلاثاء 15 يوليو/تموز 2025، تقريرا حول عودة الحكومة إلى تبنّي سياسة التسعير الإجباري كأداة لمواجهة التضخم وضبط الأسعار، وذلك رغم النص القانوني الذي يقيّد هذا النوع من التدخل، ورغم التجارب السابقة التي أثبتت عدم جدواه.

أفادت الصحيفة بأن صناع القرار أكدوا مجددا ضرورة ضبط الأسعار بهدف كبح جماح التضخم، وفي أحدث التصريحات، شدد النائب الأول لرئيس الجمهورية على إلزامية تنفيذ قرار هيئة تنظيم السوق القاضي بإعادة الأسعار إلى ما كانت عليه قبل اندلاع الحرب، كما نقلت الصحيفة عن بعض نوّاب البرلمان قولهم إن إجراءات ستُتخذ بحق المتسببين في رفع الأسعار.

وأوضحت أن الهدف المعلن من هذه السياسة هو السيطرة على التضخم ودعم المستهلك، غير أن الخبراء يحذرون من أن التجارب السابقة بيّنت أن سياسة التسعير القسري لم تؤدِّ سوى إلى إرباك الاقتصاد، وخفض الإنتاج، وخلق الريع، وتشويه المتغيرات الأساسية في السوق.

وأضافت أن هذه السياسة فشلت كذلك في كبح التضخم، وأسفرت عن تراجع الإنتاجية، وتآكل الثقة العامة، ورغم أن القانون ينص على منع هذا الأسلوب، لا تزال سياسة ضبط الأسعار تحظى بشعبية لدى كثيرين، ويرى الخبراء أن الحل يكمن في التحول التدريجي نحو آلية تسعير قائمة على السوق، وتعزيز الهيئات الرقابية المستقلة، وتوفير الشفافية في المعلومات.

وتابعت أن محمد رضا عارف، النائب الأول لرئيس الجمهورية، أشار مؤخرا خلال اجتماع هيئة تنظيم السوق إلى أن “قرار الهيئة في اجتماعها الأسبوع الماضي، القاضي بإعادة الأسعار إلى ما كانت عليه قبل الحرب التي استمرت 12 يوما، هو قرار ملزم، وجميع الجهات، بما فيها الهيئات المرتبطة بالحكومة، مُلزَمة بتنفيذه”.

وبيّن عارف أن “قانون البرنامج السابع لتقدم البلاد وُضع لظروف عادية، لا لوضع يشبه الحرب”، وتأتي هذه التصريحات في وقت مرّ فيه أكثر من 20 يوما على بدء وقف إطلاق النار في الحرب التي استمرت 12 يوما.

 ووفقا للبند “ث” من المادة 48 في قانون البرنامج السابع للتنمية، فإنه “من أجل تنمية فرص العمل وتحقيق النمو الاقتصادي من خلال استثمارات القطاع الخاص والتعاوني، يُمنع التسعير الحكومي، باستثناء السلع الأساسية المدعومة، والسلع والخدمات الاحتكارية والعامة”.

ولفتت الصحيفة إلى أن الخبراء يرون أن التسعير القسري، باعتباره وسيلة للحد من ارتفاع الأسعار، هو إجراء لا يحقق أهدافه في الأساس، فقد لجأت الحكومات المختلفة في إيران إلى هذا الأسلوب، إلا أن التضخم المزمن لا يزال يمثل معضلة أساسية في الاقتصاد الكلي للبلاد.

وتابعت في تقريرها، بتأكيد أن الإصرار على تثبيت الأسعار عند مستويات ما قبل الحرب يعني تجاهل عامل المخاطرة المرتبط بالحرب ضمن الأسعار، ويؤكد الاقتصاديون أن تجاهل هذه المخاطر لا يمكن أن يكون وسيلة فعالة للسيطرة على التضخم، بل إنه لا يعدو كونه محاولة لتجاهل جوهر المشكلة.

أسعار السلع

ذكرت الصحيفة أن سياسة التسعير القسري تُعد من بين السياسات التدخلية التي تعتمدها الحكومات في المجال الاقتصادي، حيث تتولى الدولة أو المؤسسات السيادية تحديد أسعار السلع أو الخدمات وإبلاغها رسميا، وغالبا ما تُطبق هذه السياسة بهدف السيطرة على التضخم، ودعم المستهلكين، والحد من ارتفاع الأسعار أو تنظيم السوق.

وأوضحت أن هذا النهج، رغم أنه قد يبدو فعالا في الأمد القصير، فإنه يؤدي على المدى الطويل إلى اختلالات خطيرة في النظام الاقتصادي للبلاد، وإضعاف حوافز الإنتاج، وخلق الريع، وظهور السوق السوداء، فضلا عن تراجع الكفاءة الاقتصادية، وتُعد إيران من الدول التي تمتلك تاريخا طويلا وواسعا في تطبيق هذه السياسة، وقد أظهرت تجاربها أن هذا النوع من التدخل ألحق ضررا أكثر مما قدّم من حلول.

وبيّنت “دنياي اقتصاد” أن جذور التسعير القسري في إيران تعود إلى ما قبل الثورة الإسلامية، غير أن هذه السياسة اكتسبت زخما كبيرا بعد الثورة، ولا سيما خلال فترة الحرب الإيرانية العراقية.

 ففي تلك المرحلة، لجأت الحكومة إلى التدخل المباشر في تسعير السلع الأساسية ومنع ارتفاع أسعارها في ظل الأوضاع الحربية، وذلك عبر هيئات مثل “هيئة التعبئة الاقتصادية”، و”منظمة دعم المستهلكين والمنتجين”، ولاحقا “منظمة التعزيرات الحكومية”، التي أُنيط بها ضبط الأسعار.

وأضافت الصحيفة أن هذه السياسة استمرت حتى بعد انتهاء الحرب، ومع انطلاق خطط إعادة الإعمار، فرغم تركيز بعض صنّاع القرار حينها على الاقتصاد القائم على السوق، فإن سياسة التسعير القسري بقيت حاضرة في العديد من القطاعات، بل تصاعدت تصاعدت خلال الفترة الممتدة من 2001 إلى 2021. 

ولم تقتصر هذه السياسة على السلع الأساسية فقط، بل شملت قطاعات مثل الطاقة، والسيارات، والأدوية، والمواد الغذائية، وحتى الإسكان.

وتابعت الصحيفة أن مجال الطاقة يُعد من أبرز المجالات التي طُبّقت فيها سياسة التسعير القسري منذ سنوات طويلة، إذ تحدد الحكومة أسعار البنزين، والغاز، والكهرباء، وسائر مصادر الطاقة، وغالبا ما تكون هذه الأسعار أدنى بكثير من مستوياتها الحقيقية، ورغم أن هذه السياسة وُضعت بدافع دعم الشرائح ذات الدخل المحدود، فإنها أدّت عمليا إلى الاستهلاك المفرط للطاقة، وانتشار تهريب الوقود، وهدر الموارد الطبيعية، وزيادة العبء على الموازنة العامة، وعرقلة تطوير البنية التحتية للطاقة.

وأشارت إلى أن هذه السياسة ساهمت كذلك في بقاء الاستثمارات في مجال الطاقة المتجددة عند مستويات منخفضة، وأبقت الكفاءة في هذا القطاع متدنية، وفيما يتعلق بصناعة السيارات، فإن الحكومة لا تزال تحدد أسعار السيارات المحلية عبر مجلس المنافسة أو جهات أخرى، ما أدى إلى تفاوت كبير بين أسعار المصنع وسوق البيع الحر، وخلق فرص ريعية ضخمة لصالح الوسطاء والمضاربين.

وتابعت مؤكدةً أن هذه السياسة أثّرت سلبا على الحافز لدى شركات تصنيع السيارات لتحسين الجودة أو الابتكار، وكان المستهلك النهائي هو الخاسر الأكبر في هذه المعادلة.

 التسعير الإجباري

ذكرت الصحيفة أن من أبرز الأضرار الناجمة عن سياسة التسعير الإجباري انخفاض الحوافز نحو الإنتاج والاستثمار، فعندما تُحدّد أسعار السلع أو الخدمات بطريقة لا تضمن هامش ربح منطقي للمنتج، يفقد الإنتاج جدواه الاقتصادية، مما يؤدي إما إلى تقليص الإنتاج أو تدهور جودته، وفي بعض الحالات، يفضل المنتج إيقاف نشاطه كليا أو الانتقال إلى الأسواق غير الرسمية.

وأوضحت أن من الأضرار الأخرى تفشّي الريع واتساع نطاق الفساد، إذ إن الفجوة بين السعر الحقيقي في السوق والسعر الذي تحدده الحكومة تخلق فرصا ريعية لفئات أو جماعات تملك إمكانية الوصول إلى الموارد المدعومة أو امتيازات خاصة، ومن الأمثلة الواضحة على ذلك تخصيص الدولار المدعوم بسعر 4200 تومان خلال السنوات الأخيرة، والذي، رغم استهدافه للسيطرة على أسعار السلع الأساسية، أدى فعليا إلى استغلال واسع النطاق، وممارسات ريع، وخروج العملة الصعبة من البلاد.

وأضافت أن من النتائج الأخرى للتسعير القسري ظهور السوق السوداء، حيث إن العجز في العرض الرسمي مقابل الطلب يخلق أسواقا غير رسمية وسرية تُباع فيها السلع بأسعار مرتفعة، ومن دون رقابة، وأحيانا بجودة متدنية، ويؤدي هذا الواقع إلى تراجع ثقة الرأي العام في السياسات الاقتصادية، وإضعاف سلطة القانون داخل الاقتصاد.

وبيّنت أن استمرار هذه السياسة يفرض كذلك أعباء ثقيلة على الموازنة العامة للدولة، ولا سيما في مجالات الطاقة والأدوية، حيث تُخصص إعانات كبيرة، وتُحوّل هذه التكاليف موارد الدولة بعيدا عن قطاعات حيوية مثل التعليم، والصحة، والنقل، وتطوير البنى التحتية، مما يضعف كفاءة توزيع الموارد.

كما تابعت أن هذا النهج من السياسات يؤدي في نهاية المطاف إلى ركود الابتكار وتراجع الإنتاجية، إذ إن غياب المنافسة الحقيقية والأسعار المحررة يحول دون وجود حوافز لتحسين الجودة، أو تطوير التكنولوجيا، أو خفض التكاليف.

وشددت الصحيفة على أن التجربة العالمية أظهرت أن التسعير القسري ليس حلا مستداما لتنظيم السوق، فالدول التي لجأت في السابق إلى هذا الأسلوب، توصّلت في نهاية المطاف إلى أن تنظيم السوق عبر آليات التنافس العادل، والشفافية في المعلومات، والدعم المستهدف للمستهلك أكثر فاعلية. 

فعلى سبيل المثال، بدلا من ضبط أسعار الأدوية بشكل مباشر في الاتحاد الأوروبي، تُستخدم أدوات مثل التأمين الصحي، والخصومات الحكومية، والسياسات الموجهة نحو فئات معينة من المستهلكين، أما في قطاع الطاقة، فتُصرف الإعانات بشكل مباشر ومحدد للأسر المحتاجة، بما يضمن تحقيق العدالة الاجتماعية وتشجيع الاستهلاك الرشيد.

 التسعير الحكومي

ذكرت الصحيفة أنه على الرغم من أن البند “ث” من المادة 48 في قانون البرنامج السابع للتنمية ينص على “منع التسعير الحكومي باستثناء السلع الأساسية المدعومة، والسلع والخدمات الاحتكارية والعامة، وذلك بهدف تنمية فرص العمل وتحقيق النمو الاقتصادي عبر استثمارات القطاعين الخاص والتعاوني”، فإن هيئة تنظيم السوق صادقت مؤخرا على قرار يقضي بإعادة الأسعار إلى ما كانت عليه قبل اندلاع الحرب.

وأوضحت أن محمد رضا عارف، النائب الأول لرئيس الجمهورية، أكد مؤخرا إلزامية تنفيذ هذا القرار، مصرحا بأن “قانون البرنامج السابع لتقدم البلاد صيغ لظروف عادية، وليس لأوضاع حرب تمرّ بها البلاد”.

وأضافت الصحيفة أن النائب البرلماني حسين علي حاجي دليغاني أعلن من جانبه أن “ارتفاع أسعار بعض السلع مثل مشتقات الألبان، والأرز، والسيارات لا يصب إطلاقا في مصلحة الشعب أو البلاد”، مشددا على ضرورة أن تقوم الأجهزة الرقابية ومنظمة التعزيرات بتكثيف رقابتها على المصانع ومراكز التوزيع والبيع.

وبيّنت أنه أشار كذلك إلى أن “السلطات لن تسمح بأن يُترك المواطنون في سوق تعمه الفوضى”، مؤكدا أن تقصير الجهات المسؤولة في ما يخص ارتفاع الأسعار سيكون محل مساءلة، وأن البرلمان سيستدعي المعنيين لمحاسبتهم.

وتابعت الصحيفة بالقول إن قرار هيئة تنظيم السوق الأخير، إلى جانب المطالب التي أطلقها بعض المسؤولين، يبدو أنهما يعيدان البلاد مجددا إلى مسار التسعير الإجباري.

ذكرت أنه لتجاوز الحلقة المفرغة التي خلّفتها سياسة التسعير الإجباري في إيران، هناك حاجة إلى حزمة من الحلول المتكاملة، أولا، يجب الانتقال التدريجي من نظام التسعير الحكومي إلى نظام تسعير قائم على آليات السوق، ولا سيما في القطاعات القابلة للمنافسة.

 ثانيا، ينبغي أن تُوجّه برامج الدعم الحكومي بشكل دقيق ومحدّد إلى الفئات المتضررة، وذلك من خلال وسائل مثل الدفع النقدي المباشر، أو البطاقات الإلكترونية، أو القسائم الشرائية.

وأوضحت أن ثالث هذه الخطوات يتمثل في ضرورة تعزيز استقلالية الهيئات التنظيمية الاقتصادية، بحيث تتمكّن من إدارة السوق بأدوات مهنية ومن دون ضغوط سياسية، أما رابعا، فيجب أن تكون بيانات السوق شفافة ومتاحة للجميع، بما يحدّ من فرص التلاعب والاستغلال.

وأضافت أن سياسة التسعير المفروض، رغم نواياها الحسنة الرامية إلى دعم المواطنين، تحوّلت فعليا، في ظل ضعف الهياكل المؤسسية، إلى عامل يُضعف الإنتاج، ويخلق الريع، ويبدّد الموارد، ويُفاقم فقدان الثقة العامة، وتشير التجربة التاريخية لإيران بوضوح إلى فشل هذه السياسة على المدى الطويل.

وختمت الصحيفة بتأكيد أن الحل الجوهري يكمن في الانتقال التدريجي نحو اقتصاد قائم على السوق، إلى جانب الشفافية في المعلومات، وإصلاح سياسات الدعم، وتمكين الهيئات الرقابية المستقلة — وهي خطوات لا يمكن تحقيقها إلا عبر توافق سياسي واجتماعي واسع النطاق، وبناء ثقة راسخة داخل المجتمع.