- زاد إيران - المحرر
- 497 Views
نشرت صحيفة “اعتماد” الإيرانية، الثلاثاء 15 يوليو/تموز 2025، تقريرا موسعا حول التداعيات العميقة التي خلّفتها الحرب الأخيرة، على قطاع السياحة في إيران، مشيرة إلى أن هذه الحرب جاءت لتُجهز على قطاع أنهكته أزمات مزمنة ومتتالية منذ سنوات، وأن العديد من الفاعلين في هذا المجال باتوا يرون أن عودة السياحة إلى وضعها الطبيعي لم تعد حتى في حيز الأحلام.
ذكرت الصحيفة في تقرير لها، أن تداعيات الحرب الأخيرة على قطاع السياحة في إيران، أن من أولى العجلات التي تتوقف عن الدوران حين يدوي صوت انفجار في مدينة ما، هي عجلة حقيبة المسافر، وأوضحت أنه إذا كان ذلك الصوت ينبئ بحرب لا تُعرف لها نهاية، فلا مفر حينها من شطب اسم تلك المدينة من قائمة الوجهات السياحية حتى إشعار آخر.
وأضافت أن هذا بالضبط ما حدث للسياحة الإيرانية مع اندلاع الحرب الأخيرة؛ غير أن الضربة التي تلقّاها هذا القطاع بسبب الحرب لم تكن الأولى، بل جاءت لتُجهز على جسد أنهكته أزمات مزمنة ومتتالية على مدى سنوات، كانت كل واحدة منها تصيب جانبا من بنيته، فيما مثّلت الحرب أعنف الضربات التي تلقاها حتى الآن.
أشارت إلى أن عاملين في القطاع السياحي يرون أن السياحة في إيران انتهت، وأن العودة للوضع الطبيعي باتت بعيدة، بسبب الأزمات التي طالت القطاع، من انهيار العلاقات المالية وفقدان الكفاءات، إلى التحذيرات الدبلوماسية، ما جعل من الحرب ضربة قاضية في لحظة هشّة.
السياحة بعد الحرب
وذكرت صحيفة “اعتماد” أن أرشک مسائلي، عضو الهيئة العلمية في مركز أبحاث التراث الثقافي والسياحة، صرّح في حديث لها حول وضع السياحة في إيران بعد الحرب، قائلا: “السياحة هي أول القطاعات التي تتضرر عند وقوع أي أزمة، وآخر القطاعات التي تتعافى منها”.
وأوضح مسائلي أن إيران خلال السنوات الأخيرة واجهت أزمات متعددة، من العقوبات التي أثّرت بشكل غير مباشر على حركة السياحة الوافدة، إلى إدراج اسم إيران في القوائم الحمراء لعدة دول، إلى جانب جائحة كورونا التي فرضت ظروفا خاصة على المستوى الدولي، فضلا عن الكوارث الطبيعية التي تُعد من الأزمات المؤثرة كذلك.
وأضاف: “لقد كنا نواجه تقريبا جميع هذه الأزمات عندما اندلعت الحرب. لكن السؤال الأهم هو: ما العمل في مثل هذه الظروف؟”.
وبيّن أن غياب الحوكمة الفعالة في قطاع السياحة هو أحد الأسباب التي جعلت هذا القطاع أكثر هشاشة في مواجهة الأزمات، وأدّت إلى بطء تعافيه وعودته إلى طبيعته، مشيرا إلى أن هذا هو ما جعل السياحة الإيرانية عاجزة عن استعادة قوتها من أزمة إلى أخرى.
وأضاف أن “العديد من الجهات تعمل في قطاع السياحة، لكن لا توجد حوكمة موحّدة أو سلطة مركزية قادرة على وضع سياسات مناسبة تمنح مؤسسات هذا القطاع القدرة على التحمّل والتكيّف في مواجهة الأزمات”. وأردف قائلا: “للأسف، كلما تقدّمنا في الزمن، ازدادت هذه الفجوة سوءا”.

صناديق دعم خاصة
ذكرت الصحيفة أن الحرب التي شنّها الاحتلال الإسرائيلي ضد إيران أدّت إلى سلسلة من التداعيات السلبية على قطاع السياحة، من بينها ظهور مشاكل واسعة تتعلق بإعادة تعويض المسافرين عن الرحلات الجوية الملغاة، بالإضافة إلى موجة واسعة من تسريح العاملين في هذا القطاع.
وأشارت إلى أن أرشک مسائلي، وهو باحث في السياحة وخبير اقتصادي، قدّم مجموعة من المقترحات لمنع تكرار مثل هذه الأزمات، ولضمان إدارة فعّالة لأوقات الطوارئ في قطاع السياحة، من أبرزها إنشاء صناديق دعم خاصة.
وأوضح أن “تأسيس صناديق داعمة يُعد من الإجراءات الضرورية، إذ يمكنها في أوقات الأزمات، مثل الأزمة الحالية، أن تساعد في الحد دون حدوث بطالة واسعة، وتمكّن الشركات من الحفاظ على كوادرها المدرّبة”.
وأضاف أن هذه الصناديق يمكن أن تتدخل في الحالات التي تكون فيها مكاتب السفر قد دفعت أموال الزبائن إلى شركات الطيران، لكن يتعذر حينها إعادة المبالغ إليهم، مشددا على ضرورة وضع آليات واضحة داخل لجان الطوارئ تضمن إعادة أموال المسافرين بشكل عادل وشفاف.
وبيّنت الصحيفة أن من بين المقترحات الأخرى التي طرحها مسائل، تأجيل سداد الضرائب والرسوم على العاملين في قطاع السياحة، ومنحهم تسهيلات وقروض طويلة الأجل ومنخفضة الفائدة، بالإضافة إلى توفير دعم تأميني مناسب لهم.
لكنها نقلت عنه أيضا أن الإشكالية الأعمق تكمن في الطبيعة المجزّأة لهذا القطاع، إذ إن الجهات المستفيدة منه تتوزع بين كيانات ومراكز إدارة متباينة، ما يجعل من الصعب اعتماد سياسة موحدة أو حلول شاملة، وتابع بالتأكيد على أن “المشكلة الجوهرية لا تزال هي ذاتها: غياب الحوكمة الموحدة والفعالة في قطاع السياحة الإيراني”.

تحمّل الصدمات
وبيّنت الصحيفة أن مفهوم “المرونة” أو “القدرة على الصمود” في قطاع السياحة أصبح موضوعا محوريا على المستوى الدولي، لا سيما بعد جائحة كورونا، حيث أُجريت دراسات موسعة حول كيفية تمكّن الدول من توقّع الأزمات وتعزيز قدرة قطاعها السياحي على تحمّل الصدمات والتعافي منها.
وأضافت أن هذا المفهوم طُرح مجددا في إيران عقب الحرب الأخيرة، إذ أشار عدد من الخبراء إلى ضرورة تعزيز القدرة على الصمود، من بينهم حامد بخشي، عضو الهيئة العلمية في مركز أبحاث السياحة التابع لجهاد الجامعة، الذي شدد على أهمية تنويع الخدمات كوسيلة رئيسية لزيادة المرونة بعد الأزمات.
وقال بخشي: “من أبرز وسائل تعزيز مرونة شركات السياحة تنويع مصادر الدخل؛ فعلى سبيل المثال، يمكن للفنادق أن تتوسع في تقديم خدمات مرافقة للإقامة، مثل تنظيم المؤتمرات، وتأجير القاعات متعددة الأغراض، وتوفير إقامات طويلة الأجل مع خصومات خاصة”.
وأضاف أن مثل هذه الإجراءات تساعد هذه المنشآت على الصمود حتى في فترات الركود السياحي، من خلال تعديل طفيف في نموذج العمل.
لكن الصحيفة أوضحت أن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يعكس عمق الأزمة التي يمر بها قطاع السياحة في إيران حاليا.
وذكرت أن الأزمة الحالية لا تقتصر على نقص التنوع في الخدمات، بل تعود في جوهرها إلى أسباب أوسع نطاقا، من بينها القيود التي تفرضها دول عديدة على سفر مواطنيها إلى إيران، فضلا عن الأوضاع الاقتصادية الداخلية التي دفعت العديد من العائلات إلى إلغاء السفر من أساسه، ما يعني أن “السياحة” ككل خرجت من حساباتهم المعيشية اليومية.
وأشارت الصحيفة إلى أن أرشک مسائلي عبّر عن شكوكه في ما إذا كان مفهوم “المرونة” يجد بالفعل تطبيقا واقعيا في السياحة الإيرانية، موضحا أن “المرونة تعني قدرة نظام ما على الصمود أمام الصدمات التي تضرب جانبي العرض أو الطلب، من دون أن ينهار، كعجينة تُضغط لكنها تعود إلى شكلها الأصلي”.
وأضاف أن هذا المفهوم برز خلال جائحة كورونا على المستوى العالمي، وخصوصا في قطاع السياحة، حيث حاولت الشركات السياحية حول العالم أن تحافظ على وجودها لفترة تراوحت بين عام وثلاثة أعوام، حتى تتجاوز الأزمة وتعود إلى الوضع الطبيعي.
أكد أرشك مسائلي أن ما يميز إيران عن باقي الدول هو أنها تعيش في حالة “صدمة دائمة”، بدأت بالعقوبات منذ 2009، مرورا باتفاق نووي قصير الأمد (2015-2017)، وانسحاب أمريكا منه في 2018، ثم جائحة كورونا في 2020، وتراكم أزمات داخلية وخارجية بين 2022 و2024، وصولا إلى الحرب الأخيرة.
وأوضح أن الدول عادة ما تتعرض لصدمة واحدة وتتعافى، أما إيران فلم تمر خلال 18 عاما إلا بعامين دون أزمات، ومع ذلك لم تتح خلالهما فرصة حقيقية لتعافي السياحة، لأن التعافي يتطلب “الوقت والاستقرار”، وهما عنصران مفقودان.
وأضاف أن تكرار الأزمات استنزف الموارد والطاقات، ما جعل السياحة تواجه الحرب الأخيرة وهي في أضعف حالاتها. وختم بالتشديد على أن هذا التراكم الصدمي هو الفارق الجوهري بين السياحة في إيران ونظيراتها حول العالم.
القطاع الخاص: بين اليأس وتحديات التعافي
أشار مصطفى فاطمي، المدير العام لتنمية السياحة الداخلية، إلى أن السياحة الإيرانية تكبّدت خسائر كبيرة بسبب الحرب، دون توفر تقديرات دقيقة حتى الآن. وذكر أن لجنة الأزمات، التي شُكّلت منذ جائحة كورونا، واصلت اجتماعاتها لاحقا مع ممثلي القطاع الخاص، الذي بات يتحدث اليوم بنبرة يأس في ظل تعدد الأزمات وتزامنها بشكل غير مسبوق.
وأوضح أن الوزارة درست تجارب دولية لمواجهة الأزمات، مؤكدا أن الحلول لا تُنهي الأزمات، لكنها تخفف آثارها. واعتبر أن الحرب تمثل أصعب الأزمات، لا سيما في إدارتها لحالة الارتباك، مثل إلغاء الرحلات وبقاء مسافرين عالقين.
وأكد فاطمي ضرورة دعم القطاع الخاص وحماية حقوق المسافرين بالتوازي، مشيرا إلى أن التعافي يجب أن يبدأ بتخفيف الأضرار قبل السعي إلى الاستقرار. وشدد على أن التحديات لا تخص القطاع الخاص وحده، بل تطال القطاع الحكومي أيضا، حيث غالبا ما تُفشل الأزمات المفاجئة أي تخطيط.
وردا على تساؤلات حول تعافي دول الجوار بشكل أسرع، أوضح أن الظروف في إيران ليست متكافئة سياسيا واقتصاديا، وهو ما يعوق العودة الطبيعية. وختم بالتأكيد أن توفير بيئة ملائمة من قِبل الدولة وصناع القرار هو الأساس لاستعادة السياحة لعافيتها.
هل انتهى قطاع السياحة الإيراني؟
ذكرت الصحيفة أن العديد من الناشطين باتوا يرون أن السياحة في إيران وصلت إلى طريق مسدود بعد الحرب وما تبعها من تداعيات أمنية واقتصادية، متوقعين استمرار التراجع لعامين على الأقل. فالقطاع، الذي عانى لسنوات من أزمات متتالية، تلقى ضربة قاسية في ظل حرب غامضة المصير، زادت من عزلته.
من أبرز التحديات التي واجهها: إلغاء الرحلات، ضعف تعويض المتضررين، واعتقال بعض السياح، ما أثّر سلبا على صورة إيران دوليا. ومع ذلك، لا يجمع الجميع على إعلان “نهاية السياحة”، إذ يرى الباحث أرشَك مسائلي أن الوضع صعب لكنه غير محسوم، مشيرا إلى أن السياحة الوافدة أصلا لم تكن قوية، وأن الأرقام الرسمية مضللة، إذ يشمل كثير منها زوارا لأغراض تجارية أو ترانزيت.
ورغم انهيار السياحة الخارجية، فإن السياحة الداخلية ما تزال حاضرة بدرجة ما، مدفوعة بضعف القدرة الشرائية وصعوبة السفر إلى الخارج، رغم أن بعض الأسر بدأت تتخلى عنها أيضا.
وترى الصحيفة أن القطاع بات عالقا في دوامة من الأزمات، يعاني من غياب الحوكمة، وضعف البنية التحتية، وتخبط السياسات، ما أدى إلى انسحاب المستثمرين والكفاءات، وشبّهت السياحة الإيرانية بمبنى على خط زلزالي، يرمَّم بعد كل هزّة، لكنه يقترب اليوم من الانهيار الكامل، ما لم تُعتمد سياسات متماسكة تحفظ توازنه على أرض لا تهدأ.

