- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 333 Views
شهدت إيران هذا العام، كما هو عادتها في نفس التاريخ، احتفالات واسعة بمناسبة الذكرى السابعة والأربعين لانتصار الثورة الإسلامية، في مشهد امتد من العاصمة طهران إلى أكثر من ١٤٠٠ مدينة وبلدة في مختلف أنحاء البلاد حسب وسائل إعلام، فيما تأتي هذه المناسبة في سياق داخلي وإقليمي معقد، يتسم بتحديات اقتصادية ومعيشية داخلية، وضغوط سياسية وإعلامية خارجية، إضافة إلى استمرار التوترات الإقليمية، ولا سيما الحرب التي تدق طبولها منذ أسابيع بين الولايات المتحدة وإسرائيل أمام إيران وأحدث جولات المفاوضات في مسقط.
اتخذت مسيرات هذا العام طابعا سياسيا واضحا، حيث تكررت الشعارات التقليدية مثل الموت لأمريكا والموت لإسرائيل، في حين حضرت بقوة شعارات دعم فلسطين والمقاومة. في الوقت نفسه، حرصت السلطات على إضفاء طابع احتفالي على المناسبة من خلال الفعاليات الثقافية والفنية، ومشاركة الأطفال والشباب، وإقامة عروض فنية وعروض خطابة، إلى جانب عرض بعض المنجزات العسكرية والتقنية في الساحات الرئيسية.
هذا وقد انطلقت المسيرات في طهران منذ ساعات الصباح الأولى، حيث توافدت الحشود إلى الشوارع المؤدية إلى ساحة آزادي، التي تعد تقليديا نقطة التجمع الرئيسية، فيما أظهرت الصور الجوية التي بثتها وسائل الإعلام الرسمية كثافة بشرية كبيرة، في محاولة لإبراز حجم المشاركة، كما أفادت التقارير الرسمية بأن المسيرات أقيمت بالتزامن في جميع المحافظات، بما في ذلك المدن الصغيرة والبلدات، في تأكيد على اتساع رقعة الاحتفالات.

كما تأتي هذه الاحتفالات متزامنة مع مرحلة سياسية حساسة، إذ تستعد البلاد لانتخابات البرلمان ومجلس خبراء القيادة، ما أضفى على المناسبة بعدا تعبويا إضافيا، كما استحضرت بقوة القضية الفلسطينية، في ظل الحرب المستمرة في غزة، وهو ما انعكس في الخطابات الرسمية والشعارات المرفوعة والقصائد التي أُلقيت خلال المسيرات، وفي هذا الإطار، وصفت الاحتفالات هذا العام أقرب إلى استعراض سياسي شامل، يهدف إلى تأكيد شرعية النظام واستمرارية الثورة، وإبراز وحدة الجبهة الداخلية في مواجهة ما يوصف بالتحديات الخارجية والمؤامرات.
خطاب قائد الثورة… يوم تجديد العهد وإظهار القوة الوطنية
عشية الاحتفالات، وجه المرشد الأعلى الإيراني، على خامنئي، رسالة متلفزة إلى الشعب الإيراني، وصف فيها يوم الحادي عشر من فبراير/ شباط 2026 بيوم إظهار قوة وعزة الشعب الإيراني، مؤكدا أن هذا اليوم يمثل تجسيدا حيا لإرادة الأمة وصمودها، وأن استمرار هذه المسيرات بعد مرور عقود على انتصار الثورة ظاهرة فريدة تؤكد حيوية النظام.

وخلال خطابه، استعاد خامنئي مشهد انتصار الثورة في العام ١٩٧٩، معتبرا أن ذلك الحدث كان فتحا كبيرا حرر البلاد من التبعية للأجانب، على حد تعبيره، مؤكدا أن القوى الأجنبية سعت خلال السنوات الماضية إلى إعادة الأوضاع السابقة، إلا أن الشعب الإيراني بقي صامدا، واعتبر أن تلك المسيرات هي التعبير الأبرز عن هذا الصمود المتجدد.
وأشار قائد الثورة إلى أن القوة الوطنية لا تقاس فقط بالصواريخ والطائرات، بل بإرادة الشعوب وثباتها في مواجهة الضغوط. وأكد أن حضور الشعب في الشوارع يبعث برسالة ردع إلى من يطمعون في إيران أو مصالحها، وأن هذا الحضور هو الذي يُفشل محاولات الضغوط والعقوبات والحروب النفسية.

كما دعا الشباب إلى مواصلة التقدم في ميادين العلم والعمل والأخلاق، معتبرًا أن تلك المناسبة ومسيراتها تمثل خلاصة هذه الجهود، حيث يخرج الجميع لإعلان التلاحم والوفاء للجمهورية الإسلامية، وأعرب عن أمله في أن تعزز هذه المناسبة مكانة إيران، وأن تظهر للعالم إرادة شعبها في الاستمرار على نهج الثورة.
في سياق متصل، أصدر مجلس صيانة الدستور بيانا أكد فيه أن المشاركة الشعبية في المسيرات تجدد العهد مع مبادئ الثورة والخميني، قائد الثورة الإسلامية، وشهداء الثورة، مشددا على أن قوة البلاد تنبع من إرادة الشعب، وأن الحضور الشعبي هو رمز الاقتدار والتلاحم الوطني.

المشاركة الشعبية… حضور واسع ورسائل متعددة
اتسمت المشاركة الشعبية هذا العام باتساعها الجغرافي وتنوعها العمري والاجتماعي وفق الرواية الرسمية، فقد أظهرت وسائل الإعلام صور عائلات كاملة شاركت في المسيرات، وأطفال يرفعون الأعلام، وشبابا يرتدون رموزًا وطنية ودينية، في مشهد أرادت السلطات من خلاله التأكيد على الطابع العائلي والوطني للاحتفالات.

في طهران، تركزت الفعاليات في ساحة آزادي، حيث عرضت تجهيزات عسكرية وصاروخية ومنظومات دفاع جوي ومسيّرات، في رسالة تجمع بين الاحتفال واستعراض القوة، وقد حظيت هذه العروض بتغطية إعلامية مكثفة، وجرى ربطها بإنجازات الثورة في مجالات الدفاع والصناعات العسكرية.


كما شهدت المسيرات فعاليات ثقافية، من بينها إلقاء قصائد ذات طابع سياسي واجتماعي، ركزت على دعم فلسطين، وانتقاد السياسات الغربية، والدعوة إلى الوحدة الداخلية. وقد أضفت هذه الفعاليات طابعًا تعبويًا على المناسبة، إلى جانب الطابع الاحتفالي.
وفي المحافظات، أكد أئمة الجمعة والشخصيات الدينية على أهمية المشاركة، معتبرين أن الحضور الشعبي يرد على ما وصفوه بحملات التشويه والدعاية المعادية. وأشاروا إلى أن استمرار هذا الحضور هو الضامن لتقدم البلاد واستقرارها، وأن الوحدة الوطنية هي السلاح الأهم في مواجهة التحديات.

كما شارك رياضيون ومدربون معروفون في المسيرات، مؤكدين أن حضورهم يأتي تعبيرا عن الانتماء الوطني، وأن وحدة الشعب هي أقوى رسالة يمكن توجيهها إلى الخصوم، وقد أُبرزت هذه المشاركات في وسائل الإعلام بوصفها دليلا على شمولية المشاركة.
مشاركة المسؤولين… رسائل اعتذار وتأكيد على الإصلاح
أيضا، شهدت مسيرات هذا العام حضورا واسعا لمسؤولي الدولة، في مقدمتهم رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان، الذي ألقى خطابا مطولا تطرق فيه إلى التحديات الاقتصادية والمعيشية، وبدأ حديثه بتقديم اعتذار للشعب عن أوجه القصور، مؤكدا أن الحكومة تبذل جهودا مكثفة لمعالجة المشكلات، وعلى رأسها أزمة الطاقة.

وأشار بزشكيان إلى أن الحكومة ورثت عجزا كبيرا في إنتاج الكهرباء والغاز، وأنها تمكنت من تقليص جزء مهم من هذا العجز عبر الاستثمار في الطاقة الشمسية ومحطات الدورة المركبة وتحسين كفاءة الاستهلاك، وأكد أن التنمية لا تتحقق دون توفر الطاقة، وأن الحكومة تسعى إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في هذا المجال.
كما شدد على أهمية الوحدة الداخلية، داعيا إلى تعزيز التوافق في مواجهة الضغوط الخارجية، ومؤكدا أن الثورة قامت لإزالة التمييز وتحقيق العدالة بين الفئات والمناطق، كما تناول خلاله حديثه مسألة تسريع تنفيذ الممرات الاقتصادية الإقليمية، وتعزيز العلاقات مع دول الجوار، مشيرا إلى أن إيران لا تسعى إلى سلاح نووي ومستعدة للحوار ضمن الأطر القانونية الدولية.
من جهته، أكد رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، أن المشاركة الشعبية الواسعة تشكل صفعة للأعداء على حد تعبيره، وأنه على المسؤولين أن يستجيبوا لمطالب الشعب المشروعة، معتبرا أن وحدة الشعب هي مصدر قوة البلاد، وأن المسؤولية الملقاة على عاتق المؤسسات الرسمية تزداد بقدر هذا الحضور الشعبي.

كما شارك وزير الخارجية عباس عراقجي في المسيرة، وأكد أن الدعم الشعبي يعزز موقف الدبلوماسية الإيرانية في المحافل الدولية، مشددا على استعداد بلاده لمواصلة المفاوضات في إطار الاحترام المتبادل، مع رفض الجمع بين التهديد والحوار.

بدوره، قال رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي إن حضور الشعب يحمل رسالتين، الأولى إلى الأعداء، والثانية إلى المسؤولين بضرورة مضاعفة الجهود لحل مشكلات المواطنين. وأكد أن المسؤولين يجب ألا ينفصلوا عن الناس، وأن خدمة الشعب واجب لا يقبل التراخي.

كما شدد قادة عسكريون، خلال مشاركتهم، على أن صمود الشعب هو أساس قوة البلاد، وأن القدرات الدفاعية تشكل عامل ردع، لكن العنصر الحاسم يبقى وعي الشعب وإرادته، مشيرين إلى أن الأعداء سيصابون باليأس بسبب هذا التلاحم الشعبي.
بين رمزية الماضي وتحديات الحاضر
وفي تحليل الاحتفالات فقد عكست الذكرى السابعة والأربعين للثورة الإسلامية هذا العام تداخلا واضحا بين استحضار رمزية الماضي ومواجهة تحديات الحاضر، فقد سعت الدولة إلى إبراز صورة متماسكة عن الجبهة الداخلية، وإلى التأكيد على استمرار الزخم الثوري، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطا اقتصادية وسياسية متزايدة.

تداخلت الشعارات الثورية مع وعود الإصلاح الاقتصادي، واستحضرت رمزية الإمام الخميني وقادة الثورة في مواجهة التحديات الراهنة، فيما برزت دعوات متكررة إلى الوحدة الوطنية والتوافق الداخلي. وفي الوقت ذاته، استخدمت المناسبة لتوجيه رسائل سياسية إلى الخارج، تؤكد تمسك إيران بخياراتها الاستراتيجية واستعدادها للحوار ضمن شروطها.
وبينما يرى أنصار النظام في هذه المسيرات دليلا على استمرار الدعم الشعبي، يبقى الجدل قائما حول قدرة النظام على ترجمة هذا الزخم الاحتفالي إلى حلول ملموسة للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية. ومع ذلك، يظل الحادي عشر من فبراير/ شباط 2026 مناسبة مركزية في الحياة السياسية الإيرانية، تجدد فيها السلطة خطابها، ويعاد فيها رسم معالم العلاقة بين الدولة والمجتمع.

