لاريجاني في مسقط… تصعيد في مستوى التفاوض ورسائل متبادلة مع واشنطن

في لحظة إقليمية تتسم بتشابك الحسابات السياسية وارتفاع منسوب التوتر، تعود الدبلوماسية لتتصدر المشهد بوصفها المسار الأقل كلفة في إدارة الصراع. التحركات الأخيرة بين عواصم المنطقة والعالم تعكس سباقا هادئا خلف الكواليس لإعادة ضبط الإيقاع ومنع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة. وبين رسائل التهدئة والتصعيد، تتبلور ملامح مرحلة دقيقة تتطلب قرارات محسوبة وتوازنًا بين الضغوط والفرص. في هذا السياق، يبرز حراك سياسي لافت يشي بأن الملف المعني دخل منعطفًا جديدًا، تتداخل فيه اعتبارات السيادة مع رهانات الأمن الإقليمي والدولي.

تفاصيل الزيارة… منصة القرار لا مجرد محطة دبلوماسية

فقد جاءت زيارة علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، إلى سلطنة عمان، الثلاثاء 10 فبراير/ شباط 2026 في سياق إقليمي ودولي بالغ الحساسية، حيث تتكثف التحركات الدبلوماسية بين طهران وواشنطن على وقع تهديدات متبادلة وتصريحات متباينة، الزيارة لم تكن خطوة بروتوكولية تقليدية حسب وسائل إعلام إيرانية وغربية، بل تحركا محسوبا يعكس انتقال الملف التفاوضي من مستوى المشاورات الفنية التي تقودها وزارة الخارجية إلى مستوى صناعة القرار السيادي.

حيث استقبل سلطان عمان، هيثم بن طارق، لاريجاني في قصر البركة في مسقط، في لقاء تناول آخر مستجدات المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، إضافة إلى التطورات الإقليمية وسبل تعزيز الاستقرار. ووفق ما نقلته وكالة الأنباء العمانية الرسمية، شدد الطرفان على أهمية العودة إلى طاولة الحوار وحل الخلافات بالوسائل السلمية، بما يعزز الأمن الإقليمي والدولي.

Image

كما عقد لاريجاني اجتماعا موسعا مع وزير الخارجية العماني، استعرض خلاله تفاصيل الجولة الأخيرة من المحادثات التي استضافتها مسقط بين وفدين إيراني وأمريكي، تلك الجولة، التي قادها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من الجانب الإيراني، شكلت المرحلة الفنية من النقاش، حيث تم بحث التفاصيل التقنية للملف النووي، غير أن الانتقال السريع إلى زيارة يقودها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي يعكس، حسب قراءات، أن الملف تجاوز مرحلة التفاوض التقني، ودخل نطاق القرارات السياسية العليا.

Image

وفي تصريحاته خلال الزيارة، شدد لاريجاني على أن المفاوضات مع الولايات المتحدة تقتصر على الملف النووي، رافضا إدراج قضايا الصواريخ أو القدرات العسكرية ضمن جدول الأعمال، هذا التأكيد جاء في توقيت حساس، خصوصا بعد تصريحات للرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تحدث فيها عن منع إيران من امتلاك سلاح نووي أو صواريخ، تحديد نطاق التفاوض بهذا الوضوح يعكس إدراكا بأن أي توسيع للإطار قد يعيد العملية إلى نقطة الصفر.

قراءة تحليلية… لماذا الآن ولماذا لاريجاني؟

اعتلى تلك الزيارة عدد كبير من علامات الاستفهام أولها غياب عراقجي من المشهد، وهو الشخص الأول المنوط به مسائلة التفاوض. على أن الاعلام الإيراني قد فسر تلك الغيبة، حيث قال محللون أن غياب عراقجي عن هذه المرحلة لا يعني تراجع دوره، بل يعكس طبيعة توزيع الأدوار داخل بنية القرار الإيراني، فعراقجي يتحرك ضمن الإطار الدبلوماسي لوزارة الخارجية، ويتولى إدارة التفاصيل الفنية والقانونية، بينما يحمل لاريجاني صفة تمثيل المنظومة السيادية الأوسع، ما يمنحه صلاحية مناقشة القضايا التي تتعلق بالخطوط الحمراء وحدود التنازلات الممكنة، فاختيار لاريجاني هنا رسالة بأن النقاش لم يعد محصورا في نطاق تقني، بل بات مرتبطا بتقدير استراتيجي شامل.

Image

كذلك، مثل اختيار لاريجاني دلالة أخرى، فداخليا، عد هذا الاختيار إشارة إلى أن الملف بات في عهدة مؤسسات القرار العليا، وأن أي اتفاق محتمل سيخضع لتقدير استراتيجي شامل، أما خارجيا، فهو رسالة إلى واشنطن بأن طهران تتعامل مع المرحلة بجدية سيادية، وأن ما يبحث ليس مجرد تفاصيل فنية، بل إطار شامل يتطلب ضمانات متبادلة.

كما أن اختيار لاريجاني يهدف إلى تثبيت الإطار التفاوضي قبل أي محاولة أمريكية لتوسيعه، فالتأكيد على حصرية الملف النووي يشكل محاولة استباقية لضبط سقف النقاش، ومنع إدراج قضايا الصواريخ أو النفوذ الإقليمي ضمن سلة واحدة، وجود شخصية سيادية في مسقط يعزز هذا الموقف، لأنه يعكس أن تحديد الإطار ليس موقفا تفاوضيا تكتيكيا، بل قرارا سياسيا.

Image

التزامن مع زيارة نتنياهو إلى واشنطن… سباق التأثير على القرار الأمريكي

أيضا، تزامنت زيارة لاريجاني إلى مسقط مع تحرك رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو إلى واشنطن للقاء ترامب، التزامن الذي يعكس سباقا سياسيا للتأثير على مسار المفاوضات، ففي حين تسعى طهران إلى تثبيت الإطار النووي عبر قناة عمانية، تعمل تل أبيب، حسب محللين، على الدفع باتجاه إدراج ملف الصواريخ ضمن أي اتفاق.

Image

فقد أعلن نتانياهو أن إيران ستكون الموضوع الأول في محادثاته مع ترامب، فيما أشارت تقارير إسرائيلية إلى عزمه تقديم معلومات جديدة حول القدرات الإيرانية، وفي هذا السياق، تبدو زيارة لاريجاني خطوة استباقية، هدفها تثبيت الموقف الإيراني قبل أن تتبلور نتائج اللقاء الأمريكي الإسرائيلي، هذا فيما يرى خبراء أن اللقاء المرتقب في البيت الأبيض سيختبر مدى قدرة الإدارة الأمريكية على الموازنة بين رغبتها في إنجاز اتفاق وبين مطالب حليفها الإسرائيلي.

بين أفق الاتفاق واحتمالات التصعيد… إلى أين تتجه المرحلة؟

حول مستقبل المفاوضات، قدمت وكالة أسيا نيوز تقرير يستطلع ما يمكن أن يحدث، حيث قالت في تقريرها الصادر الثلاثاء 10 فبراير/ شباط 2026 أن المشهد الحالي يجمع بين مؤشرات إيجابية وأخرى مقلقة، استمرار الوساطة العمانية وارتفاع مستوى التمثيل الإيراني يوحيان بوجود إرادة جدية لدفع العملية نحو اتفاق، في الوقت نفسه، يظل الخطاب التهديدي حاضرا في بعض التصريحات الأمريكية والإسرائيلية، ما يبقي عنصر عدم اليقين قائما.

Image

ويكمل التقرير أن احتمال الحرب، رغم حضوره في الخطاب الإعلامي، يبقى محكوما بحسابات الردع المتبادل، فالمنطقة تواجه أزمات متعددة، وأي مواجهة واسعة قد تفتح مسارات يصعب ضبطها، لذلك، يبدو أن جميع الأطراف تدرك كلفة التصعيد، حتى وإن استخدمت لغة حازمة في العلن.

ويخلص التقرير إلى أن نجاح المفاوضات سيتوقف على مدى الالتزام بالإطار النووي المحدد، فإذا تم احترام هذا الإطار، فقد يشهد المسار تقدما تدريجيا نحو صيغة توافقية، أما إذا جرى توسيع المطالب، فقد تدخل العملية في مرحلة شد وجذب طويلة، في هذا السياق، يعكس اختيار لاريجاني أن طهران مستعدة لاتخاذ قرارات كبيرة، لكنها في الوقت ذاته حريصة على تثبيت حدود واضحة.

في المحصلة، تبدو زيارة لاريجاني إلى عمان خطوة تعكس انتقال الملف إلى مرحلة مفصلية، حيث تبحث الخيارات النهائية على مستوى القرار السيادي، غياب عراقجي عن هذه المرحلة لا يقلل من أهمية دوره، بل يوضح أن العملية انتقلت من الطابع الفني إلى الطابع السياسي الاستراتيجي. وبين مسقط وواشنطن، تتشكل معالم مرحلة جديدة قد تقود إلى اتفاق يعيد رسم معادلات الأمن الإقليمي، أو إلى استمرار حالة التوتر في انتظار توازنات جديدة.

كلمات مفتاحية: