موجة اعتقالات جديدة تهز المشهد الإيراني.. الاصلاحيون خلف القضبان ودعوات للحوار

تعيش الساحة السياسية الايرانية على وقع تطورات متسارعة اعادت الى الواجهة اسئلة قديمة متجددة حول العلاقة بين الأمن والسياسة، وحدود الاختلاف المشروع في ظل الأزمات الداخلية والضغوط الخارجية. وفي لحظة تتسم بحساسية اقليمية ودولية، تحول ملف جديد الى محور نقاش واسع بين مختلف التيارات، مثيرا تباينا في القراءات والتقديرات. وبين روايات رسمية وتحليلات معارضة، يتفاعل المشهد في إطار جدل يعكس عمق التحديات التي تواجه البلاد في هذه المرحلة الدقيقة.

تفاصيل عمليات الاعتقال واسبابها

فقد شهدت إيران خلال اليومين الماضيين موجة جديدة من الاعتقالات والاستدعاءات طالت عددا من الشخصيات المحسوبة على التيار الإصلاحي، وفي مقدمتهم قيادات في جبهة الإصلاحات الايرانية، حيث بدأت هذه التطورات مساء الأحد، 8 فبراير/ شباط 2026، حين اعلنت السلطات الايرانية عن اعتقال اذر منصوري، رئيسة جبهة الاصلاحات، الى جانب ابراهيم أصغر زاده ومحسن أمين زاده.

Image

وفي اليوم التالي توسعت دائرة الاعتقالات، حيث تم اعتقال جواد إمام، المتحدث باسم جبهة الاصلاحات، كما أعلن عن اعتقال حسين كروبي، نجل مهدي كروبي، بعد استدعائه الى نيابة الاعلام والثقافة. وفي سياق متصل، جرى استدعاء عدد من الشخصيات الاخرى، من بينهم محسن ارمين وبدر السادات مفيدي وفيض الله عرب سرخي، فيما أفادت تقارير بتنفيذ احكام قضائية سابقة بحق علي شكوري راد وقربان بهزاديان نجاد.

Image
Image
Image
Image
Image
Image
Image

الجهات الرسمية، وعلى رأسها وكالة ميزان التابعة للسلطة القضائية، اعلنت ان هذه الاجراءات قد جاءت تنفيذا لأحكام صادرة من محكمة الاستئناف، أما وكالة فارس، فقد نسبت الى مصادر مطلعة ان الاتهامات الموجهة الى بعض المعتقلين تشمل استهداف الانسجام الوطني، اتخاذ مواقف ضد الدستور، التنسيق مع دعاية العدو، والترويج لخطاب يدعو للاستسلام.

Image

تأتي هذه التطورات في سياق سياسي واجتماعي ودولي بالغ الحساسية، إذ تشير تقارير صحافية متعددة الى ان الاجراءات الاخيرة ترتبط، بشكل مباشر أو غير مباشر، بتداعيات الاحتجاجات التي شهدتها إيران في أوائل يناير/ كانون الثاني 2026 وما أعقبها من توترات داخلية، كما أعادت بعض التحليلات الربط بين الاعتقالات وبيان كانت جبهة الإصلاحات قد أصدرته في شهر أغسطس/ اب 2025 بعد الهجوم الإسرائيلي على إيران، والذي دعا الى إصلاحات سياسية واقتصادية واسعة. ذلك البيان، الذي تضمن أحد عشر محورا رئيسيا، دعا الى اعادة النظر في بعض السياسات الاستراتيجية، ومن بينها ملف تخصيب اليورانيوم ودور المؤسسات العسكرية، ما أثار جدلا واسعا في الأوساط السياسية.

Image

وعلى المستوى الإقليمي والدولي، تأتي تلك الاعتقالات في مرحلة تتسم بارتفاع مستوى التوتر، واستمرار الضغوط الاقتصادية والعقوبات الدولية، اضافة الى انطلاق جولات تفاوض غير مباشرة بين إيران والولايات المتحدة في سلطنة عمان. هذا التزامن اضفى ابعادا إضافية على الحدث، وجعل منه محور لنقاشات واسعة حول العلاقة بين الامن الداخلي والانفتاح السياسي.

ردود الفعل الحزبية.. دعوات للحوار وتغليب منطق الوحدة

هذا وقد أثارت موجة الاعتقالات ردود فعل حزبية وسياسية متباينة، تصدرها موقف حسين مرعشي، الأمين العام لحزب كوادر البناء الإيراني. ففي تصريحات اعلامية، دعا مرعشي الى تغليب منطق الحوار بدل اللجوء الى الاعتقالات، متسائلا عما إذا كانت السلطة القضائية والاجهزة الاستخباراتية لا تستطيع الجلوس مع الاصلاحيين والتحاور معهم بدل إضافة مشكلة جديدة إلى مشكلات البلاد.

Image

كذلك شدد مرعشي على ان إيران تمر بمرحلة حساسة تتطلب اقصى درجات الوحدة الداخلية، في ظل ما وصفه بتهديدات خارجية وضغوط غير مسبوقة، وأكد أن تلك الفترة ليست وقت الانقسام بين الدولة والمجتمع، بل وقت التكاتف لمواجهة التحديات، معتبرا ان الخلافات السياسية ينبغي ألا تتحول الى قضايا امنية تؤدي الى اتساع الفجوة بين الأطراف المختلفة.

في السياق ذاته، أصدر حزب اتحاد إيران الاسلامي بيانا رسميا عبر فيه عما وصفه بدهشته واسفه لاعتقال الشخصيات الاصلاحية، مطالبا بالإفراج عن المعتقلين، ومؤكدا ان الشخصيات التي طالتها الإجراءات معروفة بنشاطها السياسي العلني في إطار القانون.

Image

ايضا اشار البيان الى ان اللجوء الى الاعتقال في هذه المرحلة قد يفاقم حالة التوتر السياسي، داعيا الى اعتماد مسارات قانونية شفافة تراعي حقوق المتهمين، كما شدد على ان معالجة الخلافات السياسية ينبغي ان تتم عبر الآليات الديمقراطية والحوار الوطني، لا من خلال الإجراءات الامنية.

عاصفة من ردود الأفعال على الاعتقالات

على ان الانتقادات لم تقتصر على بيانات حزبية مقتضبة، بل امتدت الى مواقف تحليلية مطولة من سياسيين ونواب سابقين وحقوقيين وكتاب راي. فيما انقسمت هذه المواقف بين من اعتبر الإجراءات جزءا من تطبيق القانون في ظرف أمنى حساس، ومن راى فيها خطوة قد تؤدي الى تعميق الاستقطاب الداخلي في لحظة تحتاج فيها البلاد الى قدر أكبر من التماسك.

في هذا السياق، عبر احمد زيد آبادي، الصحفي الاصلاحي المعروف، خلال منشور على قناته على تلجرام، عن أسفه الاعتقالات والاستدعاءات، معتبرا أن هذه الخطوة تزيد من الاحتقان النفسي داخل المجتمع على المدى القصير، وتعمق الفجوة بين القوى السياسية على المدى البعيد في ظل الاوضاع الصعبة و الملتبسة.

Image

كما اشار زيد آبادي الى ان التجربة التاريخية اظهرت ان الاصلاحيين غالبا ما يتحملون كلفة الاضطرابات السياسية حتى عندما لا يكون لهم دور مباشر فيها، سواء عبر الاعتقال او الاحكام القضائية او اضعاف بنيتهم التنظيمية. كما لفت الى هشاشة العمل الإصلاحي وصعوبة تموضعه بين تياري الأصولية الراديكالية، مؤكدا أن اي ضغط إضافي على هذا التيار قد يؤدي الى مزيد من التعقيد في التوازنات السياسية.

بدوره قدم محمود صادقي، النائب السابق وأحد الوجوه الإصلاحية البارزة، قراءة تربط بين الاعتقالات والسياق الأوسع لما بعد أحداث تظاهرات يناير/ كانون الثاني 2026، معتبرا أن البلاد دخلت مرحلة جديدة تختلف عن المراحل السابقة في طبيعة التفاعل بين الدولة والتيارات السياسية. واشار الى ان الانتقال من الاكتفاء بالاستدعاءات الى الاعتقالات المباشرة يمثل تطورا نوعيا في اسلوب التعاطي، كما حذر من ان هذا النهج قد لا ينسجم مع الحاجة الراهنة الى تهدئة الاجواء، خصوصا في ظل مسارات دبلوماسية مفتوحة مع أطراف خارجية.

Image

غلام علي رجائي، سياسي إيراني ومستشار سابق لدى هاشمي رفسنجاني الرئيس الإيراني الأسبق، ذهب في اتجاه أكثر نقدا، إذ رأى أن توسيع دائرة الاتهامات لتشمل توصيفات ذات طابع أمنى واسع قد يفاقم حالة عدم الثقة. واكد ان كثيرا من الشخصيات التي طالتها الإجراءات عملت لعقود ضمن الإطار الرسمي للنظام السياسي، وأن الخلاف في الرأي لا ينبغي أن يفسر باعتباره تهديدا للأمن القومي. وشدد رجائي كذلك على ان استمرار المقاربة الامنية قد يؤدي الى تآكل الدور الوسيط الذي يلعبه التيار الإصلاحي بين المجتمع ومؤسسات الدولة.

Image

أما جلال جلالي زاده، الكاتب والمترجم والسياسي الاصلاحي، فقد اعتبر ان الاعتقالات لا تسهم في تجاوز الازمة السياسية، بل تزيدها تعقيدا، داعيا الى اعادة النظر في اولوية المعالجة الامنية مقارنة بالمعالجة السياسية. كما لفت الى ان البلاد تمر بمرحلة اقليمية حساسة تتطلب تخفيف التوتر الداخلي لا تصعيده.

Image

في السياق ذاته، راى غلام علي جعفر زاده ايمن آبادي، السياسي الايراني، ان وحدة الصف الداخلي ينبغي أن تكون اولوية في مواجهة الضغوط الخارجية، وأن اي إجراءات قد تفسر على أنها تضييق على تيار سياسي واسع قد تؤثر على صورة التماسك الوطني.

Image

على المستوى القانوني، قدم المحامي حجت كرماني مقاربة تفصيلية ركز فيها على الجوانب الاجرائية البحتة للملف، معتبرا ان كثيرا من العناوين الاتهامية المتداولة في بعض وسائل الاعلام، مثل استهداف الانسجام الوطني او التنسيق مع دعاية العدو او الترويج للنزعة الاستسلامية، تتسم بالعمومية والاتساع، ولا تعكس بالضرورة توصيفا قانونيا دقيقا منصوصا عليه في القوانين. كما أوضح ان الأصل في القضايا ذات الطابع السياسي، وفق الأعراف القانونية، هو اللجوء الى الاستدعاء والتحقيق وجمع الافادات دون التسرع في اصدار قرارات توقيف احتياطي ما لم تتوافر مبررات قانونية صريحة ومحددة تستدعي سلب الحرية.

Image

واكد كرماني ان القضايا لا تزال في مراحلها الاولية، وانه من المبكر استباق نتائج التحقيق او تقييم متانة الأسس القانونية التي بنيت عليها الإجراءات. وشدد على أن ضمانات المحاكمة العادلة، وفي مقدمتها وضوح التهم وتمكين الدفاع من الاطلاع على الادلة، تمثل عناصر اساسية لتعزيز الثقة العامة في مسار العدالة. كما اشار الى ان الشفافية في عرض الوقائع القانونية للراي العام، بعيدا عن العناوين الاعلامية الفضفاضة، تعد شرطا مهما لطمأنة المجتمع وتفادي تأويلات سياسية قد تزيد من منسوب التوتر في مرحلة حساسة.

كيهان… اعتقالات ضرورية في مواجهة اختراق أمنى داخل جبهة الإصلاحات

من جانبها اعتبرت صحيفة كيهان الاصولية، في عددها الصادر الثلاثاء 10 فبراير/ شباط 2026، إن عمليات الاعتقالات الاخيرة في صفوف التيار الاصلاحي لا يمكن فصلها عما وصفته بمحاولة اختراق أمنى داخل جبهة الإصلاحات، مشيرة الى أن الخطوة جاءت في سياق التصدي لما سمته حلقة متطرفة دفعت بالجبهة نحو مواقف راديكالية تقاطعت بحسب رأيها مع اجندات خارجية.

Image

فقد ربطت كيهان الاعتقالات بما وصفته بانه انقلاب امريكي صهيوني فاشل، مستشهدة بتصريحات منسوبة الى مسؤولين امريكيين، من بينهم دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي، ووزير خزانته، حول سياسة الضغط الأقصى وتأثيرها على الاقتصاد الإيراني. بل وذهبت الى ان اجهزة استخبارات غربية، بينها وكالة الاستخبارات المركزية CIA والموساد، سعت الى استثمار الاحتجاجات لإضفاء طابع دموي عليها، معتبرة أن تجاهل هذا البعد الخارجي يمثل تعمية على المخططين الحقيقيين.

واتهمت كيهان بعض الشخصيات الاصلاحية بمحاولة توصيف الأحداث باعتبارها احتجاجا مدنيا، ما اعتبرته طمسا للدور الخارجي. ورأت ان الامتناع عن تسمية الجهات المحرضة يضع هؤلاء في موقع الشراكة السياسية ان لم تكن الامنية.

وفي الشأن الداخلي، أشارت الصحيفة الى وجود خلافات داخل جبهة الإصلاحات، معتبرة أن التيار المتشدد داخل الاصلاحيين نجح في تهميش الأصوات المعتدلة، مستشهدة باستقالة بهزاد نبوي وانتقادات سابقة من شخصيات إصلاحية. وختمت كيهان بأن الاعتقالات تمثل، من وجهة نظرها، إجراء قانونيا لحماية الاستقرار والانسجام الوطني في مواجهة ما تصفه بمحاولات زعزعة الامن القومي.

كلمات مفتاحية: