في مسقط، حيث تبدو الدبلوماسية أحيانا أقرب إلى الهمس منها إلى التصريحات العالية، عادت واشنطن وطهران إلى طاولة اللا طاولة، أي المفاوضات غير المباشرة عبر وسيط عماني، بعد ثمانية أشهر وصفت بأنها أشهر من انعدام الثقة وتراكم الصدمات، بما فيها حرب استمرت اثني عشر يوما، وارتدادات أمنية، وسياسية داخلية، وإقليمية. كانت المدينة الساحلية تعج بوفود في فنادق فاخرة، فيما ظل الرأي العام في المنطقة يترقب الدخان الأبيض لاتفاق، أو الدخان الأسود لاحتمال مواجهة، في صورة مكثفة تلخص لحظة سياسية مشحونة لا تحتمل كثيرا من الخطأ.
الجولة التي جرت الجمعة 6 فبراير/ شباط 2026، انطلقت رسميا بعد لقاءات تمهيدية بين عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، ونظيره العماني بدر البوسعيدي، ثم استؤنفت على هيئة مراحل وجولات تبادل رسائل من العاشرة صباحا وحتى السادسة من مساء اليوم نفسه، بين وفدين يتواجدان في مكان واحد لكن في قاعتين منفصلتين. هذه الصيغة، التي راهن بعض المراقبين قبلها على انتقالها إلى مفاوضات مباشرة، عادت لتثبت أن المسار ما زال محكوما بحسابات الحذر، وباختيار إدارة الخلاف بدلا من حسمه.

ما الذي جرى داخل الجولة… ثلاث مراحل ورسائل بلا حصيلة ملموسة
كان أول ما لفت الانتباه لتلك الجولة من المفاوضات هو تشكيل وفودها، فقد ترأس الجانب الإيراني عباس عراقجي، وضم الوفد شخصيات مثل مجيد تخت روانجي، نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية، وكاظم غريب آبادي، نائب وزير الخارجية للشؤون القانونية والدولية، وحميد قنبري، نائب وزير الخارجية للدبلوماسية الاقتصادية، وإسماعيل بقائي، المتحدث الرسمي باسم الخارجية.

على الجانب الأمريكي، جاء الوفد وعلى رأسه ستيف ويتكوف، مبعوث الرئيس الأمريكي لشئون الشرق الأوسط، وجاريد كوشنر، صهر ومستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فضلا عن حديث متكرر عن حضور قائد سنتكوم، القيادة المركزية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، مايكل إريك كوريلا، في محيط المفاوضات أو ضمن الوفد الأمريكي، وهو حضور أثار تفسيرات متباينة بين من رآه ضغطا نفسيا ومحاولة لإدخال العامل العسكري في غرفة السياسة، وبين من اعتبره عنصرا استعراضيا لتقوية اليد التفاوضية الأمريكية، ومع هذا، ظلت الرسالة الجوهرية المعلنة أن جدول الأعمال، وفق الموقف الإيراني، نووي فقط، وأن أي محاولة لتوسيعه إلى ملفات صاروخية أو إقليمية بقت محل رفض.


هذا وكانت ملامح تلك الجولة أشبه بإدارة أزمة أكثر منها بصناعة اتفاق، فصحيفة شرق الإصلاحية وصفت المشهد، في عددها الصادر السبت 7 فبراير/ شباط 2026، بأنه دبلوماسية في المنطقة الرمادية، حيث وصلت المفاوضات إلى المرحلة الثالثة ثم انتهت بلا نتيجة ملموسة، مع بقاء الباب مفتوحا أمام خيارين متعاكسين التفاهم أو التصعيد، الوصف الذي، حسب الصحيفة وغيرها من وسائل الإعلام، لا يعني بالضرورة فشلا، لكنه يعكس أن ما تحقق هو استمرار القناة لا أكثر، قناة تتنفس عبر تبادل الرسائل وبناء تصور مشترك عن إطار التفاوض قبل الغوص في التفاصيل الفنية.

ووفق ما نقلته وسائل الإعلام، فإن المرحلة الأولى من المفاوضات قد ركزت على لقاءات منفصلة أجراها وزير الخارجية العماني مع كل طرف، لتبادل المقترحات، وفي المرحلة الثانية، استقر الوفدان في موقع واحد لكن في قاعتين منفصلتين، ليتحول الوزير العماني إلى ناقل بينهما، أما المرحلة الثالثة، فبدت امتدادا لمشاورات وتدقيقات، نقل خلالها الوسيط خلاصات وانطباعات كل طرف إلى الآخر، بما يوحي بأن المفاوضات احتاجت إلى وقت أطول لتقليص فجوة التوقعات.

كذلك، كانت نقطة سقف المفاوضات هي من أكبر نقاط الجدل بين الطرفين، حيث حاول الجانب أمريكي الدفع باتجاه اتفاق أكبر يشمل البرنامج الصاروخي وشبكات النفوذ الإقليمية، بينما أصرت إيران على حصر النقاش في الملف النووي ورفع العقوبات، الأمر الذي نجحت فيه إيران على الأقل في تلك الجولة.
الروايات المتباينة داخل المشهد الإيراني وخارجه… بين تفاؤل حذر وتحذير دائم
يكشف تتبع التغطيات والتحليلات المتداولة عن تعدد واضح في السرديات التي أحاطت بجولة مسقط، حتى داخل الفضاء الإيراني نفسه، فعلى الجانب الإصلاحي، انتشر خطاب إعلامي وسياسي قدم المفاوضات بوصفها بداية إيجابية تفتح الباب، ولو بحذر، أمام إمكانية بلورة إطار تفاهم، ويرى في استمرار التواصل إنجازا بحد ذاته في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، هذا الاتجاه يقرأ المسار التفاوضي كفرصة لتفادي الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، وتخفيف الضغوط الاقتصادية، مع التشديد في الوقت نفسه على حصر النقاش في الملف النووي وربط أي تقدم برفع فعلي للعقوبات.

في المقابل، برز خطاب أكثر تشددا، تصدرته كالعادة كيهان على صفحتها الأولى، ينظر إلى عودة واشنطن إلى طاولة التفاوض على أنها إقرار ضمني بفشل أدوات الضغط والتهديد، ويؤكد أن الولايات المتحدة لا يمكن الوثوق بها، وأن الدبلوماسية لا تكتسب معناها إلا إذا سارت جنبا إلى جنب مع جاهزية ردعية كاملة.

هذه الازدواجية في المقاربات لا تعكس، حسب خبراء، بالضرورة تناقضا جذريا، بقدر ما تعبر عن اختلاف في زوايا النظر إلى المخاطر والفرص، فالاتجاه الإصلاحي، الذي خاض تجربة التفاوض من قبل، يتعامل مع مجرد إبقاء قناة التواصل مفتوحة باعتباره مكسبا مرحليا في ظرف بالغ التعقيد، بينما يحذر الاتجاه الثاني من أن كلفة سوء التقدير قد تكون أعلى من أن تقابل بلغة مرنة أو رهانات على حسن النيات. ومع ذلك، يلتقي الخطابان عند قاسم مشترك أساسي، وهو القبول بالتفاوض مشروط بعدم المساس بالثوابت وعدم تقديم تنازلات مجانية.
في هذا السياق ايضا، قدمت مسقط بوصفها محطة اختبار حقيقية لمسار تفاوضي يعود بعد انقطاع طويل، ومحاولة لالتقاط فرصة ضيقة أعقبت أشهرا من التصعيد والتوتر، غير أن استدعاء التجارب القريبة، التي شهدت جولات متعددة ثم توقفت بشكل مفاجئ على وقع الهجوم الإسرائيلي على إيران في يونيو/ حزيران 2025، ألقى بظلاله الثقيلة على التفاؤل المعلن، فالتجربة السابقة رسخت قناعة بأن الإيجابية داخل قاعة المفاوضات لا تكفي وحدها لضمان الاستمرارية، وأن المسارات التفاوضية قد تنكسر فجأة مهما بدت اللغة هادئة.
أما القراءات التي ركزت على مفهوم الدبلوماسية تحت الضغط، فقد رأت في تسريب أخبار التحركات العسكرية، وظهور العنصر العسكري في المشهد، وإصدار تحذيرات أمنية متزامنة، محاولة متعمدة لصياغة بيئة تفاوضية مشدودة، في المقابل، ذهبت تحليلات أخرى إلى اعتبار هذه المؤشرات جزءا من استعراض سياسي يهدف إلى تحسين شروط التفاوض لا أكثر، من دون أن يعكس بالضرورة نية فورية للتصعيد، وبين هذين التفسيرين، يرى مراقبون أن هناك خلاصة مشتركة مفادها أن الجولة انتهت بتبادل الرسائل وتوضيح المواقف، من دون تحقيق اختراق ملموس، ما يجعلها أقرب إلى مرحلة جس النبض وتقييم النوايا منها إلى مرحلة إبرام التفاهمات.

على المستوى الدولي، برزت كذلك مقاربة تركز على البعد الفني والرقابي، مذكرة بأن أي مسار تفاوضي لا يقتصر على البعد السياسي وحده، بل يستند إلى معادلات تقنية دقيقة تتعلق بمستويات التخصيب، وحجم المخزون، وآليات التفتيش، والضمانات التنفيذية. هذا البعد أعاد التذكير بأن الانتقال من نقاش الإطار العام إلى نقاش المضمون التفصيلي سيضع هذه العناصر في صدارة الجولات المقبلة، وأن غياب الرقابة الفاعلة قد يعيد إنتاج التوتر بدل احتوائه.
ما بعد الجولة الأولى…سيناريوهات مفتوحة ومسار غير محسوم
بانتهاء اليوم الأول من المفاوضات، لم يكن السؤال المطروح هو ماذا تحقق؟ بقدر ما كان إلى أين يمكن أن يذهب هذا المسار؟، فالجولة لم تنتج اتفاقا، لكنها لم تغلق الباب أيضا، ما يضع الطرفين أمام مجموعة من السيناريوهات المحتملة في الأيام والأسابيع المقبل.
يتمثل السيناريو الأول، حسب خبراء، في استمرار المفاوضات بوتيرة تدريجية، مع انتقالها لاحقا إلى نقاشات أكثر تفصيلا إذا ما تبين وجود استعداد حقيقي لدى الطرفين لتقديم تنازلات محسوبة، هذا المسار يفترض أن تستكمل المشاورات في العواصم، على حد تعبير عراقجي، وأن تعاد صياغة بعض الطروحات بما يسمح بتقليص الفجوات، من دون المساس بالسقوف الأساسية التي جرى تثبيتها في الجولة الأولى.

السيناريو الثاني هو بقاء المفاوضات في دائرة إدارة الأزمة، من دون تقدم حقيقي أو انهيار كامل، وهو سيناريو يحافظ على القناة الدبلوماسية مفتوحة، لكنه لا يقدّم حلولا ملموسة، ويترك الملف النووي والعقوبات في حالة تعليق طويلة الأمد، هذا الخيار قد يكون مريحا مؤقتا لبعض الأطراف، لكنه يحمل في طياته مخاطر تراكم الإحباط، وعودة التصعيد عند أول اختبار جدي.
أما السيناريو الثالث، فهو فشل المفاوضات نتيجة تطورات خارجية أو داخلية، سواء عبر تصعيد أمني مفاجئ، أو ضغوط سياسية داخل الولايات المتحدة، أو حسابات إقليمية معقدة، وهذا السيناريو، وإن لم يكن مطروحا علنا في نهاية الجولة، ظل حاضرا في خلفية المشهد، وهو ما يفسر الحرص الشديد على ضبط الخطاب وعدم رفع سقف التوقعات.
في المحصلة، أظهرت جولة الأمس أن الطرفين لا يزالان يختبران بعضهما البعض، وأن الثقة المفقودة لن تستعاد في جلسة واحدة أو حتى جولة واحدة، لكنها أظهرت أيضا أن خيار التفاوض لم يُستنفد بعد، وأن هناك إدراكا مشتركا بأن البدائل الأخرى تحمل كلفة أعلى، ليس فقط على طهران وواشنطن، بل على المنطقة بأسرها.

