- زاد إيران - المحرر
- إيران, ترامب, متميز
- 376 Views
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها حسابات الردع مع رهانات التفاوض، يعود الملف الإيراني إلى صدارة المشهد السياسي الدولي. التحركات المتسارعة بين العواصم، والتصريحات المتبادلة، والتلميحات العسكرية والدبلوماسية على حد سواء، تعكس مرحلة انتقالية حساسة قد تعيد رسم ملامح التوازن في الشرق الأوسط. وبين ضغوط الحلفاء ومخاوف الخصوم، تبدو الخيارات مفتوحة على أكثر من احتمال، فيما تتجه الأنظار إلى ما ستسفر عنه الاتصالات السياسية الجارية، وما إذا كانت ستفضي إلى تسوية جديدة أم إلى جولة أخرى من التصعيد المحسوب.
ثلاث ساعات في البيت الأبيض… بين دبلوماسية مشروطة وضغوط إسرائيلية على ملف إيران
فقد التقى الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، برئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في البيت الأبيض، الأربعاء 11 فبراير/ شباط 2026، في توقيت بالغ الحساسية إقليميا ودوليا، حيث تتقاطع فيه مسارات التصعيد العسكري بإرسال الولايات المتحدة عددا من القطع الحربية إلى الشرق الأوسط بالقرب من إيران، مع محاولات إحياء الدبلوماسية بين واشنطن وطهران، والتي كانت أخر محطاتها في عمان الجمعة 7 فبراير/ شباط 2026 حين اجتمع الوفدان برئاسة عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، وستيف ويتكاف، مندوب الرئيس الأمريكي لشئون الشرق الأوسط.

وحسب وسائل الإعلان، فقد استمر الاجتماع نحو ثلاث ساعات، ووصف بأنه جيد جدا من قبل ترامب، الذي أكد أن العلاقة بين البلدين ما تزال ممتازة، في رسالة سياسية واضحة عن استمرار التنسيق الوثيق بين الحليفين رغم تباين التقديرات حول بعض الملفات.
وفي منشوره لاحقا على منصته تروث سوشيال، أوضح ترامب أنه لم يتم التوصل إلى نتيجة قطعية بشأن إيران، لكنه شدد على أنه أصر خلال اللقاء على استمرار المفاوضات مع طهران لمعرفة ما إذا كان بالإمكان التوصل إلى اتفاق جديد، مضيفا أنه أبلغ نتنياهو بأن الاتفاق، إذا أمكن تحقيقه، سيكون الخيار المفضل لديه، لكنه، لم يخف في الوقت نفسه احتمال اللجوء إلى خيارات أخرى إذا فشلت المساعي الدبلوماسية.

هذا وكان اللافت في تصريحات ترامب هو استدعاؤه لتجربة المواجهة السابقة، إذ أشار إلى أن إيران في المرة الماضية، يقصد خلال الحرب الأخيرة التي وقعت في يونيو/ حزيران 2025 والتي تدخلت الولايات المتحدة في أخرها وضربت المواقع النووية الإيرانية، قررت ألا تتوصل إلى اتفاق، فكانت النتيجة عملية عسكرية، والمسماة بمطرقة منتصف الليل، معتبرا أن تلك التجربة لم تكن في صالح طهران. هذا التذكير لم يكن مجرد استحضار للماضي، بل حمل رسالة ضغط واضحة بأن واشنطن ما تزال تحتفظ بخيار القوة إذا انسدت آفاق التفاوض.
من جانب آخر، كشفت تقارير إعلامية إسرائيلية، بينها ما نشرته القناة ١٤ العبرية، أن نتنياهو طرح حزمة مطالب تتجاوز مجرد وقف التخصيب العالي لليورانيوم. فوفق تلك التسريبات، فإن إسرائيل تسعى إلى إلغاء كامل للبرنامج النووي الإيراني، وفرض تخصيب بنسبة صفر بالمائة، ونقل كل مخزون اليورانيوم المخصب إلى خارج إيران، إضافة إلى تقييد مدى الصواريخ الباليستية الإيرانية إلى ٣٠٠ كيلومتر، وتشديد الرقابة الدولية، بل وحتى حل ما يعرف بمحور المقاومة.

هذه المطالب إن صحت، تعكس، حسب خبراء إيرانيين ودوليين على حد سواء، فجوة واضحة بين الرؤية الإسرائيلية والرؤية التي عبر عنها ترامب علنا، فبينما يركز الرئيس الأمريكي على منع إيران من امتلاك سلاح نووي، تبدو إسرائيل معنية بتوسيع نطاق الاتفاق ليشمل قدرات طهران الصاروخية ونفوذها الإقليمي.
إلى جانب الملف الإيراني، ناقش الطرفان تطورات غزة، حيث أكد ترامب أن سلاما حقيقيا بات قائما في الشرق الأوسط، في توصيف أثار جدلا نظرا لاستمرار التوترات في المنطقة.
هذا وكان المشهد الأخير في ذلك اللقاء هو مغادرة نتنياهو البيت الأبيض من دون الإدلاء بتصريحات للصحافة، ما فسر بأنه مؤشر على وجود نقاشات حساسة لم يرِد الطرفان كشف تفاصيلها.
هل يشكل اللقاء نقطة تحول في مسار التفاوض الأمريكي الإيراني؟
كان السؤال الجوهري قبل لقاء ترامب ونتنياهو وبعده هو هل سيشكل هذا اللقاء نقطة تحول في مسار التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران؟ ورغم أن الإجابة ليست بالسهلة، لكنها يمكن أن تستخلص من مجمل المعطيات التي ظهرت عقب اللقاء.
في محاولة لكشف هذا الأمر، كتب موقع أكو إيران الخبري التحليلي، في تقرير له الخميس 12 فبراير/ شباط 2026، أنه من ناحية أولى، أكد ترامب صراحة أنه يفضل الحل الدبلوماسي، وهو موقف يتقاطع، ولو جزئيا، مع المسار التفاوضي الذي انطلق عبر الوساطة العمانية في مسقط. هذا التصريح يمنح المفاوضات دفعة معنوية، لأنه يصدر عن رأس السلطة التنفيذية في واشنطن، ويبعث برسالة إلى طهران مفادها أن باب الاتفاق ما يزال مفتوحا.

لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن ترامب أبقى خيار القوة حاضرا بقوة في خطابه، سواء من خلال التلميح إلى تجربة الهجوم الأمريكي أو عبر حديثه عن ضرورة رؤية ما ستكون عليه النتيجة إذا تعذر الاتفاق، هذا التوازن قد يقرأ في طهران على أنه محاولة لفرض شروط تفاوضية قاسية تحت مظلة التهديد.
كذلك، فإن العامل الإسرائيلي يمثل عنصر ضغط إضافي. فنتنياهو، المعروف بموقفه المتشدد تجاه إيران، يسعى إلى توسيع إطار المفاوضات ليشمل الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي. وإذا ما نجح في التأثير على واشنطن بهذا الاتجاه، فقد يؤدي ذلك إلى تعقيد المفاوضات، لأن طهران أعلنت بوضوح أن هذه الملفات غير قابلة للتفاوض ضمن المسار النووي.
مع ذلك، يبدو أن الإدارة الأمريكية، وفق ما عكسه الخطاب العلني، باتت أكثر تركيزا على الملف النووي تحديدا، هذا الحصر في نطاق محدد قد يسهم في تسهيل التفاهم، إذا التزمت واشنطن به ولم تنجر إلى توسيع الشروط تحت ضغط حلفائها.
تصريحات عراقجي ولاريجاني… رؤية إيرانية موحدة لاتفاق أفضل من ٢٠١٥ بشروط واضحة
في خضم التفاعل الإقليمي الذي أعقب اللقاء، برزت تصريحات عراقجي وعلي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، باعتبارها التعبير الأكثر وضوحا عن الموقف الإيراني الرسمي من مسار التفاوض مع الولايات المتحدة، وحدود هذا المسار، وشروط نجاحه أو فشله. اللافت أن التصريحات، رغم صدورها عن موقعين مختلفين في هيكل القرار الإيراني، بدت منسجمة في الجوهر، وتعكس مقاربة موحدة تقوم على الانفتاح المشروط والحذر الاستراتيجي في آن واحد.
عراقجي، وفي مقابلته مع شبكة ار تي الروسية الأربعاء 11 فبراير/ شباط، قدم خطابا يجمع بين الواقعية والرسائل السياسية المباشرة، حيث صرح ” أنا لست رجل حرب، بل رجل دبلوماسية” فيما أعتبر رسالة موجهة إلى واشنطن مفادها أن طهران لا تبحث عن مواجهة، وأن خيارها الأول هو التفاوض. غير أنه في الوقت ذاته شدد على أن بلاده مستعدة للدفاع عن نفسها في حال تعرضت لعدوان، في تذكير بأن الانفتاح الدبلوماسي لا يعني التخلي عن الردع.

أحد أبرز محاور حديث عراقجي كان التأكيد على إمكانية التوصل إلى اتفاق أفضل من اتفاق أوباما، اتفاق 5+1 للعام 2015. هذا الطرح لا يعني، حسب قراءات، وفق السياق الذي عرضه اتفاقا أوسع أو أشمل بالضرورة، بل اتفاقا أكثر استقرارا من حيث الضمانات، فقد أوضح أن إيران قادرة على تقديم ضمانات بعدم امتلاك سلاح نووي، معتبرا أن غياب السلاح النووي هو جوهر القلق الدولي، وأن هذه المسألة قابلة للمعالجة تقنيا عبر آليات رقابة واضحة.
في هذا الإطار، كشف عراقجي أنه أصدر توجيهات لفريقه التفاوضي لإعداد مقترح عملي يضمن عدم وجود سلاح نووي، مع الحفاظ على الحقوق المشروعة لإيران في الاستخدام السلمي للتكنولوجيا النووية، سواء في إنتاج الطاقة أو المجال الطبي أو الزراعي، فيما يعكس أن طهران لا ترفض فكرة القيود أو الترتيبات الفنية، لكنها ترفض أن تتحول إلى تنازل يمس مبدأ حقها في التخصيب السلمي.

في الوقت نفسه، أوضح عراقجي أن الشرط الأساسي لذلك هو الحصول على ضمان ملموس من الولايات المتحدة، فالتجربة السابقة، سواء من حيث الانسحاب الأمريكي من اتفاق ٢٠١٥ أو من حيث التطورات الأمنية التي وقعت خلال فترات التفاوض، جعلت الثقة مهزوزة. لذلك فإن أي اتفاق جديد، من وجهة نظره، يجب أن يتضمن آلية تحول دون تكرار سيناريو الانسحاب أو استخدام القوة أثناء المسار الدبلوماسي.
أما لاريجاني، فقد قدم قراءة أكثر اتساعا للمشهد السياسي، إذ اعتبر، خلال تصريحاته في مقابلة مع التلفزيون العماني، أن السياسة الأمريكية باتت أكثر واقعية لأنها لم تعد تربط الملف النووي بالقضايا العسكرية والصاروخية كما في السابق.
كذلك، شدد لاريجاني على أن نجاح المفاوضات مرهون بإرادة سياسية حقيقية لدى الطرفين، وبالالتزام بإطار معقول، وحذر من أن طرح مطالب إضافية سيقود إلى الفشل، في إشارة إلى أن أي محاولة لتوسيع الشروط تحت ضغط إقليمي قد تعيد الأمور إلى نقطة الصفر. وفي الوقت ذاته، أكد أن إيران لا تسعى إلى سلاح نووي، وأن هذه النقطة يمكن حسمها عبر اتفاق واضح، بما يفتح المجال لاحقا لمعالجة قضايا أخرى إذا توفرت بيئة ثقة متبادلة.

وعند جمع تصريحات الرجلين، تتضح معالم استراتيجية إيرانية متكاملة تقوم على قبول مبدأ التفاوض، استعداد لتقديم ضمانات نووية، إصرار على حصر النقاش في هذا الإطار، ومطالبة بضمانات سياسية أمريكية تمنع تقلبات المستقبل. هذه الرؤية تسعى إلى تحقيق توازن بين المرونة والحزم، وبين الدبلوماسية والردع، بما يسمح لطهران بخوض مفاوضات جديدة دون الوقوع في فخ إعادة إنتاج تجربة ٢٠١٥ بشروط غير مضمونة.
إلى أين تتجه الأمور؟
يعكس المشهد الحالي مفترق طرق حقيقي، فواشنطن تلوح بالقوة لكنها تفضل الاتفاق، وطهران مستعدة للتفاوض لكنها تطالب بضمانات، وإسرائيل تضغط لتوسيع الشروط. هذه المعادلة المعقدة تجعل أي اتفاق محتمل نتيجة توازن دقيق بين الإرادة السياسية والضغوط الداخلية والخارجية.
إذا نجح الطرفان في تثبيت المفاوضات ضمن إطار نووي تقني، فقد نشهد، حسب خبراء، اتفاقا محدثا يتضمن ضمانات أقوى وآليات رقابة موسعة، وربما ترتيبات تدريجية لرفع العقوبات، أما إذا أُدخلت ملفات الصواريخ والنفوذ الإقليمي قسرا، فقد تتعثر المحادثات وتعود المنطقة إلى حافة التصعيد.
لقاء ترامب ونتنياهو لم يحسم المسار، لكنه كشف حدود الحركة لكل طرف، وبين الدبلوماسية المشروطة والردع المتبادل، يبقى السؤال مفتوحا، هل تنتصر البراجماتية السياسية على منطق المواجهة، أم أن المنطقة مقبلة على جولة جديدة من التوتر؟ الإجابة ستتحدد في الجولة المقبلة من التفاوض، حيث ستختبر النوايا أكثر من التصريحات

