- زاد إيران - المحرر
- 814 Views
أجرت صحيفة شرق الإصلاحية، الثلاثاء 15 يوليو/تموز 2025، حوارا مع الخبير البارز في قضايا الشرق الأوسط والعالم العربي، محمد إيراني، حول تداعيات احتمال تفعيل آلية الزناد من قبل الترويكا الأوروبية، وانعكاساته على مستقبل المسار الدبلوماسي النووي الإيراني، ودور دول المنطقة في إنقاذ المفاوضات بين طهران وواشنطن.
وفي ما يلي نص الحوار:
هل يؤدي تفعيل آلية الزناد من قِبل أوروبا إلى تعطيل المفاوضات بين طهران وواشنطن أم أن الطرفين شرعا في التفاوض رغم التهديد؟
توجد رؤيتان بين المحللين حول تأثير تفعيل آلية الزناد: الأولى ترى أنه لن يؤثر كثيرا على مسار المفاوضات بين إيران وأمريكا، بينما الثانية تؤكد أن المسارين مترابطان ويتأثران ببعضهما. وفي كل الأحوال، لا يمكن إنكار أن خطوة ألمانيا وفرنسا وبريطانيا ستترك أثرا على المفاوضات، خاصة في ظل اصطفاف الغرب في جبهة واحدة بمطالب موحّدة تجاه طهران.
ما مدى شدة تأثير هذا الإجراء؟
إن مستوى وشدة تأثير هذا الإجراء يعتمدان على ردّ فعل طهران وكذلك على أداء واشنطن. ويجب أن نرى ما إذا كانت سلسلة من الأفعال وردود الأفعال ستتشكّل الآن بين طهران والغرب.
كيف وصلت العلاقات بين إيران وأوروبا إلى واحدة من أحلك وأبرد مراحلها؟ ولماذا أصبحت ألمانيا وفرنسا وبريطانيا تتصرف الآن تجاهنا بشكل أكثر راديكالية من الولايات المتحدة؟ وهل تنتقم باريس وبرلين ولندن من إيران بسبب حرب أوكرانيا؟
على مدار 46 عاما، ورغم الخلافات التي طرأت، لم تصل علاقات إيران وأوروبا إلى أزمة غير قابلة للحل، بل غالبا ما كانت تُحتوى وتعود لمسارها الطبيعي، خاصة في فترة ما بعد الاتفاق النووي. فالأوروبيون، وخصوصا ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، أدوا دورا دبلوماسيا مهما كوسطاء، وحتى خلال إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تصدوا لمحاولة تفعيل آلية الزناد، ما عكس حرصهم على منع التصعيد.
سعى الأوروبيون في السابق لدعم الاتفاق النووي سياسيا ودبلوماسيا، ورغم عدم وفائهم بالتزاماتهم بعد انسحاب أمريكا، فإنهم لم يدخلوا في مواجهة مباشرة مع طهران. لكن الحرب في أوكرانيا غيّرت المعادلة، إذ أثرت على أمن أوروبا وأدت إلى توتر العلاقات بين إيران والدول الأوروبية، خاصة في ظل الاتهامات بشأن تقارب طهران وموسكو.
وهذا التوتر دفع ألمانيا وفرنسا وبريطانيا إلى اتخاذ مواقف أكثر عدائية، تبنّت خلالها قرارات ضد إيران في مجلس محافظي الوكالة الدولية، وأسهمت في تسييس الملف النووي وتحويله من قضية فنية إلى صراع أمني وسياسي.
وأرى أن ترامب همّش دور أوروبا في المفاوضات النووية مع إيران، مما أزعج الأوروبيين. وبسبب ضعف استقلالهم السياسي تجاه واشنطن، تبنّت ألمانيا وفرنسا وبريطانيا سياسة انتقامية ضد طهران بالتنسيق مع الولايات المتحدة، بهدف فرض أقصى ضغط على إيران لإجبارها على وقف دورة الوقود النووي وقبول التخصيب الصفري. وهذا المسار شديد التعقيد ويحمل مخاطر كبيرة لإيران، في ظل ضيق الوقت المتاح لإدارته.
ما السياسات أو المواقف الإيرانية التي أسهمت في تدهور غير مسبوق لعلاقاتنا مع أوروبا، رغم ما أحدثته حرب أوكرانيا؟
أعترف أن بعض التصريحات غير المدروسة بعد اندلاع حرب أوكرانيا أثارت حساسيات كبيرة لدى الأوروبيين، نظرا لارتباط هذه الحرب بأمنهم المباشر. مواقف بعض المسؤولين الإيرانيين الداعمة لروسيا، إلى جانب التصريحات الساخرة بشأن شتاء أوروبا أو ملف الطاقة، ساهمت في تدهور العلاقات وزادت من مناخ العداء، دون أن تحقق أي مكاسب لإيران، بل جاءت بنتائج عكسية.
وحتى وقت قريب، كانت علاقات إيران مع ألمانيا وفرنسا جيدة، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حاول الحفاظ على الاتفاق النووي بعد انسحاب واشنطن عام 2018. لكن اليوم تغيّر الوضع تماما؛ فباريس وبرلين باتتا من أبرز المنتقدين لطهران، خاصة بعد رفض زيارة ماكرون واعتقال عدد من مزدوجي الجنسية الأوروبيين، مما زاد التوتر ودفعهما نحو مواقف أكثر تشددا تجاه إيران.
في ضوء التقييم النقدي المطروح، في أي مرحلة تقف الدبلوماسية النووية الإيرانية حاليا؟
إن الوضع الحالي للدبلوماسية النووية مقلق جدا، خصوصا بعد الحرب الأخيرة التي استمرت 12 يوما. ولا يمكن الاستمرار في مواجهة متزامنة مع الولايات المتحدة، والدول الأوروبية الثلاث، وإسرائيل، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، خاصة مع الأدوات المحدودة المتاحة والتي تقلصت أكثر بعد الحرب. كما أن التهديدات الإسرائيلية المتواصلة تزيد الوضع تعقيدا، ويكاد يكون غير مسبوق أن تواجه دولة واحدة كل هذه الجبهات في وقت واحد.
هل سيؤدي تقديم الترويكا الأوروبية رسالة إلى مجلس الأمن لتفعيل آلية الزناد إلى زلزال سياسي يعرقل المفاوضات المحتملة بين إيران وأمريكا، أم أن طهران وواشنطن ستسعيان خلال مهلة الثلاثين يوما إلى التوصل لاتفاق يمنع تنفيذ القرار ويُضعف موقف أوروبا؟
هذا السؤال المحوري يعيدنا إلى ما ذكرته سابقا. نحن اليوم نشهد لعبة معقدة بين ألمانيا وفرنسا وبريطانيا من جهة، والولايات المتحدة من جهة أخرى. فالترويكا الأوروبية، من خلال سعيها لإرسال رسالة لتفعيل آلية الزناد، تحاول دفع إيران إلى وقف دورة التخصيب وقبول التخصيب بنسبة صفر بالمئة. لذا فإن المخاطر بالنسبة لنا عالية جدا، والفرص المتاحة محدودة للغاية. وبصراحة، لا أشعر بتفاؤل كبير تجاه المستقبل.
أنا عادة أركّز على السيناريوهات المتشائمة، لكن لماذا لا تنظرون بتفاؤل إلى الوضع الحالي؟
إن إيران، بعد الحرب الأخيرة، تفتقر للقدرة والتركيز لمواجهة خصوم متعددين في وقت واحد. والخيار الوحيد المتاح حاليا هو فتح حوار مباشر مع الولايات المتحدة، لما له من تأثير على مواقف الترويكا الأوروبية وإمكانية منع تفعيل آلية الزناد. ورغم ضعف فرص النجاح، فإن بدء المفاوضات مع واشنطن فورا يظل مسارا ضروريا يستحق استثمار كل الوسائل الممكنة.
ومن هنا، أعتقد أن السؤال الأهم الآن هو: كيف نخرج من هذه الأزمة؟ هل نختار طريق الدبلوماسية والتفاوض، أم نستمر في نهج المواجهة مع إسرائيل والتركيز على الخيار العسكري، بما يعني عمليا تبني خيار الحرب؟
إذا كان الأساس هو الحرب، فماذا بعد؟
في الظروف الراهنة، فإن استمرار الحرب لا يخدم على الإطلاق مصلحة إيران ولا الشعب الإيراني. وهذا المسار يتعارض تماما مع أمننا ومصالحنا الوطنية. والمخرج الوحيد من هذه الأزمة هو الدبلوماسية، ولا شيء غيرها، وذلك من خلال استئناف المفاوضات النووية. وبطبيعة الحال، إذا بدأت هذه المفاوضات، يمكن بالتوازي إطلاق مسار دبلوماسي آخر لخفض التوتر مع الأوروبيين.

النقطة المحورية في تحليلك كانت إشارة إلى احتمال تجدد الحرب أو شنّ هجوم جديد من قبل إسرائيل. هل ترى أن إسرائيل تتجه فعلا نحو هذا المسار؟
إن الاختيار بين الحرب والتفاوض يعتمد على قرارات إيران في المرحلة المقبلة. ورغم العدوان الإسرائيلي الأخير الذي أدى إلى استشهاد قادة ومواطنين، فإن إيران لا تزال تملك فرصة دخول المفاوضات القادمة بنهج أكثر مطالبة. فنجاح هذا المسار يتوقف على جدية الطرفين وجدول الأعمال المطروح. وعلى الجهاز الدبلوماسي تركيز جهوده على منع اندلاع حرب جديدة واحتواء العدوان المتكرر، لأن التورط في نزاع جديد لا يخدم المصلحة الوطنية.
ما الهدف من تعدّد الضغوط على إيران؟ تغيير النظام، وحرب داخلية، أم فرض تنازلات؟
إن المسألة الأساسية هي سعي القوى الغربية وإسرائيل إلى تقليص نفوذ إيران ومنع صعودها الإقليمي، من خلال سيناريوهات مختلفة قد تشمل حتى تغيير النظام أو تقسيم البلاد. وفي ظل هذه المرحلة الحساسة، يتوجب على المسؤولين التحلي بأقصى درجات الحذر والذكاء، إذ إن أي خطأ بسيط، كتصريح أو تغريدة، قد يؤدي إلى أضرار جسيمة.
والمطلوب حاليا هو تثبيت الوضع وتجنب التصعيد، مع إعطاء أولوية لاستئناف الحوار، خاصة مع الولايات المتحدة، ومتابعة ما تم التوصل إليه في الجولات الخمس السابقة التي عُقدت في مسقط.
هل صحيحٌ أن واشنطن لا تستطيع تقديم ضمان بعدم هجوم إسرائيلي جديد على إيران خلال المفاوضات؟
الوضع أكثر هشاشة مما يبدو، ويستدعي الاستعداد لجميع السيناريوهات، كاستئناف المفاوضات مع الأميركيين، وفتح قنوات موازية مع الأوروبيين، أو حتى التحضير العسكري لمواجهة أي عدوان إسرائيلي محتمل. فالأولوية القصوى تبقى في منع اندلاع حرب جديدة.
ورغم طرح موضوع الضمانات، فإن استمرار المحادثات الجادة بين إيران والولايات المتحدة يقلل من مبررات إسرائيل ويخفض احتمالات شنّها لهجوم. وفي السياق الدبلوماسي، هناك تحركات لثلاث دول—قطر، وعُمان، والسعودية—لدفع الحوار بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف.
فقطر تحاول إعادة الرقابة على المنشآت النووية، بينما يسعى ولي عهد المملكة العربية السعودية ورئيس مجلس الوزراء محمد بن سلمان لتوفير إطار يضمن مطالب إيران مقابل تنفيذ أي اتفاق مع واشنطن.
هل يمكن أن نُعوّل على دور الدوحة ومسقط والرياض في المفاوضات القادمة؟
إن التركيز ينبغي أن يكون على دور ترامب، الذي استجاب لضغوط إسرائيل وهاجم المنشآت النووية الإيرانية، معتقدا أن ذلك يمنح أمريكا تفوقا طويل الأمد ويحول دون امتلاك إيران للسلاح النووي. لذلك، المطلوب حاليا هو طمأنته وتفادي الخطابات التصعيدية أو التلميحات بالتخصيب العسكري، لأنها تغذّي مخاوفه وتزيد احتمالات التصعيد.
ويرى ترامب أن الهجوم الإسرائيلي الذي شارك فيه قد أضعف البرنامج النووي الإيراني، ويعتقد أن هذا يمنحه فرصة مناسبة للتفاوض مع طهران. وهذه النظرة تمثل فرصة يجب أن تستثمرها إيران بوضع استراتيجية تفاوضية بناءة.
وفي ضوء العدوان الأخير، ينبغي أن تعتمد إيران نهج تفاوضي حازم مع واشنطن، بعيدا عن التصعيد أو التهديدات كاغتيال ترامب أو الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار، لأن ذلك قد يدفعه نحو مزيد من التشدد. والمطلوب هو التفاوض بقوة وثقة، دون توسيع نطاق القضايا أو تحويل الملف النووي إلى جزء من أزمة شاملة.
ومن الحكمة تقليل التوتر حول هذا الملف، خاصة أن قضايا مثل طرد المفتشين، وتراجع التعاون مع الوكالة الدولية، والغموض حول مخزون اليورانيوم، يمكن أن تُستخدم كأوراق تفاوضية تخدم موقف إيران.
هل يمكن، في ظل هذا التقسيم للأدوار بين السعودية وقطر وسلطنة عمان، أن نشهد دورا أكثر فاعلية لهذه الدول في المرحلة المقبلة؟
إن نجاح دول الخليج في ملف إيران النووي يظل نسبيا، كونها ليست أطرافا رئيسية فيه ولا تحقق مكاسب مباشرة، إلا أن دورها يظل مهما. فدبلوماسية السعودية وقطر وسلطنة عمان مؤثرة، خاصة في ظل تعزيز علاقاتها مع ترامب خلال زيارته الأخيرة للمنطقة، ما يمنحها أوراق ضغط. كما يمكن للكويت والبحرين والإمارات أيضا أن تسهم في هذا المسار، إذ إن مطالبتها المستمرة بالوساطة وتفادي الحرب يُحدث أثرا حتميا في المشهد الإقليمي.
هل سيؤثر الهجوم على قاعدة العديد في قطر بعد الحرب الأخيرة على جهود الوساطة الخليجية؟
بعد الهجوم، لم تشهد العلاقات بين إيران والدول العربية توترا، إذ تسعى دول المنطقة لتجنب التصعيد والحيلولة دون تفاقم الأزمة.

