تحولات إيران السياسية بين التغيير والمقاومة من المتشددين

نشرت وكالة أنباء خبر أونلاين الإيرانية، المحسوبة على مكتب علي لاريجاني، الثلاثاء 12 أغسطس/آب 2025، تقريرا أفادت فيه بأن التحول والتغيير في النهج السياسي، الذي أصبح مطلبا عاما في الأيام التي تلت الحرب، لا يزال يواجه معارضة من المتشددين الذين على مدار السنوات الماضية، أبدوا مرارا رفضهم النهج الإصلاحي والتنمية، وحتى في الوضع الحالي لا يرغبون في قبول الظروف الجديدة ومتطلباتها.

وأضافت الوكالة أنه رغم اعتقاد كثيرين أنهم يشكلون صوت أقلية فقط، وأن ممثليهم في البرلمان حصلوا على نسبة أصوات لا تتجاوز أربعة إلى خمسة في المئة، فإن نفوذهم في الأجهزة المختلفة يجعلهم يشكلون العقبة الرئيسية.

وتابعت أن الأسابيع الماضية شهدت وقوع عدة أحداث مهمة في المشهد السياسي الإيراني تتمثل في سحب مشروع القانون العاجل لمواجهة نشر المعلومات غير الصحيحة على الإنترنت، وتعيين مستشار المرشد الأعلى الإيراني علي لاريجاني في المجلس الأعلى للأمن القومي، واستقالة كاظم صديقي من إمامة صلاة الجمعة في طهران. 

وأردفت أن هذه الأحداث لم ترق للأشخاص والشخصيات المقربة من جبهة الصمود والتيار القريب من ممثل المرشد الأعلى الإيراني سعيد جليلي، وما زالوا يواصلون معارضتهم.

وأوضحت أن هؤلاء الذين يُعرفون بالتشدد في المجال السياسي، في طريق مقاومتهم من أجل التغيير، عندما يدافعون عن أنفسهم يستخدمون المقدسات، فمثلا يعتبرون كاظم صديقي شهيد الشرف، ولكن عندما يتعلق الأمر بالمعارضين، يشبّهونهم بعبدة العجول.

من الآن فصاعدا، يُسمح بكتابة أي كذبة!

ذكرت الوكالة أنه بعد نشر خبر تقديم مشروع القانون العاجل لمواجهة المحتوى غير الحقيقي في الفضاء الإلكتروني، اعترض الرأي العام عليه، ورأى العديد من القانونيين أن هذا المشروع يأتي في إطار خطة الحماية وطالبوا بسحبه، وللمرة الأولى، استمعت الحكومة إلى أصوات المعارضين وسحبت المشروع.

وأبرزت أن هذا الإجراء الحكومي لقي ترحيبا واسعا، ولكن من معسكر المتشددين ارتفعت أصوات الاعتراض، وكتبت صحيفة كيهان الأصولية ردا على سحب المشروع، أن سحب المشروع المذكور عزز بشكل أكبر رواية الحكومة الظل. 

وبيَّنت أن تراجع الحكومة عن قرارها المنطقي والشعبي يشير إلى وجود ابتزاز؛ بمعنى أن رفقاء حملة الانتخابات أصبحوا مبتزين، ويبدو أن مجلس الإعلام الحكومي وأعضاؤه يشكلون لجنة العمليات النفسية ضد الحكومة ويلعبون دورا رئيسيا في زعزعة القرار والإرادة الحكومية.

ونقلت الوكالة قول السياسي البارز، وعضو البرلمان وداعم تيار جليلي وجبهة الصمود، حميد رسائي في ملاحظة شفوية، أنه لا يجب أن يكون رئيس الجمهورية متذبذبا في قراراته إلى هذا الحد لدرجة أنه يتراجع عن مشاريع القوانين بسبب ضجيج أربعة سياسيين ـ الذين هم أنفسهم يلعبون دورا في نشر الأكاذيب على الإنترنت.

وأوردت ما كتبه ممثل طهران، على وسائل التواصل الاجتماعي قاسم روانبخش، من أن تراجع الرئيس الإيراني مسعود بزشکیان عن مشروع القانون المقدم إلى البرلمان لمواجهة المحتوى الكاذب في الفضاء الإلكتروني! يعني من الآن فصاعدا، يُسمح لأي شخص بكتابة أي كذبة، حتى لو كانت ضد رئيس الجمهورية نفسه!

سعيد جليلي وصف مؤيدي التفاوض بـ«عبدة العجل»

أكَّدت الوكالة أن الموضوع الآخر كان تعيين لاريجاني سكرتيرا للمجلس الأعلى للأمن القومي، وهو ما أثار رد فعل التيار المتشدد مجددا، وكتب ممثل طهران، أمير حسين ثابتى في جزء من تغريدته، أتمنى له التوفيق لكي يتمكن ـ ولو قليلا ـ من دعم الحكومة، لأن لا أولوية أعلى من مساعدة الحكومة لحل مشاكل إيران، ولأن نهج لاريجاني لا يختلف جذريا عن بزشکیان والرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني، لا أستطيع أن أكون متفائلا كثيرا.

وأشارت إلى أن رد الفعل الأوضح كان من جليلي الذي شبّه مؤيدي التفاوض بعبدة العجل لدى بني إسرائيل، في تغريدة مثيرة كانت جزءا من خطابه الأسبوعي، حيث قال، لقد أرسل الله لبني إسرائيل نبيا ليخلصهم من ظلم فرعون، لكن بعد انتصارهم على فرعون، عندما صعد نبيهم للجبل لمدة ٤٠ يوما، عبدوا العجل؛ وبعض الناس اليوم، رغم أن العدو هاجمنا أثناء المفاوضات وانتصرت إيران، لا يزالون يطالبون بالتفاوض مجددا.

ونقلت ما كتبه رسائي من أن لاريجاني، الذي عُيّن سكرتيرا للمجلس الأعلى للأمن القومي، وصف قبل عدة أشهر أداء حكومة بزشکیان والوفاق قائلا: “مع ارتفاع سعر الدولار وتفاقم غلاء الأسعار، لم يعد للوفاق أي معنى! وأتمنى ألا يشعر، في منصب السكرتارية، بأنه ملزم بفرض الوفاق مع الحكومة على الجميع بأي طريقة!”.

متى أصبح كاظم صديقي شهيدا؟!

أفادت الوكالة باستقالة كاظم صديقي، إمام صلاة الجمعة في طهران، على خلفية الجدل حول قضية حديقة أزغل، عام 2024، وتم تداول خبر نقل سند ملكية حديقة تبلغ مساحتها 4200 متر مربع، تابعة للحوزة العلمية الخاصة بالمرشد الأعلى الإيراني السابق الخميني، إلى مؤسسة خاصة مرتبطة بصديقي، وفي البداية، نفى الأخير علمه بالأمر واعتبر توقيعه في سند النقل مزورا. 

وأضافت أنه رغم التوقعات بانسحابه من منصبه، استمر في أداء صلاة الجمعة، فيما بقيت قضية الحديقة موضع نقاش مستمر، إلى جانب ذلك، كان يشغل رئاسة لجنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ونوَّهت إلى أن السلطة القضائية في يونيو/حزيران 2025، أعلنت اعتقال ابن صديقي وزوجته بسبب قضايا اقتصادية مرتبطة بالأمر، وفي تلك الفترة، طلب البعض منه عدم المشاركة في صلاة الجمعة، وأبلغ وزير التراث الثقافي السابق عزت ضرغامي، أنه اقترح على صديقي الامتناع مؤقتا عن حضور صلاة الجمعة، وهو ما قبله الإمام المؤقت.

وتابعت أنه بعد بضعة أيام، مع هجوم إسرائيل على إيران واندلاع الحرب التي استمرت 12 يوما بين إيران وإسرائيل، طغت أخبار الحرب على قضية عائلة إمام الجمعة في طهران، لكن مع انتهاء الحرب، عاد كاظم صديقي ليكون خطيب صلاة الجمعة في طهران، ما أثار ردود فعل مختلفة، وأخيرا، أُعلن عن موافقة القيادة على استقالة كاظم صديقي.

وأوضحت أنه رغم كون هذا الحدث مطلبا لكثيرين توقعوا حدوثه في وقت سابق، فإنه شكّل خيبة أمل للمتشددين من أنصار كاظم صديقي، وقد اقتصر التفاعل الإعلامي على نشر صحيفة كيهان رد صديقي على استقالته، بينما التزم العديد من أعضاء جبهة الصمود الصمت حيال الموضوع. 

ولفتت إلى أن مستشار جليلي ونائب البرلمان في الدورة الثانية عشرة، أمير حسين ثابتى، شكر صديقي على استقالته التي جاءت بعد نحو عام ونصف من كشف قضايا أزغل وحديقته المعروفة.

وأظهرت أن  البعض وصفه بشهيد الشرف، وكتب مدير موقع رجانيوز ميثم نيلي، أنه “في هذه الأيام انضم شهيد جديد إلى شهداء محرابنا؛ وهذه المرة هو شهيد الشرف”.

وأفادت بأن مؤمن نسب، سكرتير لجنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في محافظة طهران، نشر صورة لصديقي ووصفه بـشهيد الشرف، وذكر أن المرشد الأعلى علي خامنئي شكره على إقامته لصلاة الجمعة في طهران لمدة سبعة عشر عاما، وعلى خطبه المفيدة والفعالة في الدفاع عن النظام الإسلامي وتقديم التوصيات الروحية والأخلاقية.

يضحون بالمقدسات من أجل أنفسهم
أوردت الوكالة أن استخدام هذا التعبير أدى إلى ردود فعل متباينة، حيث كتبت وكالة أنباء إيرنا، أن “الشخص المؤمن يضحي بنفسه من أجل المقدسات كما فعل الشهداء وبلّغوا السعادة والنجاح، لكن بعض الأشخاص يستخدمون شعار الإيمان ليضحوا بالمقدسات من أجل أنفسهم، وهم لا يحققون النجاح، وبعضهم لا يرحم حتى كلمة الشهيد المقدسة، فيصفون فلانا بشهيد الشرف”.

وأوضحت أن هذا التصرف يهدد مكانة شهيد الشرف والمفهوم السامي المرتبط به في نظر الجيل المتغير، كما أن تشبيه بعض أفراد تيار معين بشخصيات دينية وتاريخية عظيمة يقلل من احترام هذه الرموز، وتؤكد التجربة أن تضحيات هؤلاء العظماء تتفوق كثيرا على ما يحققه هؤلاء الأفراد، لذا يجب تحذيرهم وتنبيههم للحفاظ على قدسية هذه الرموز وعدم المساس بها بهذه المقارنات.

متى سترضى المعارضة في جبهة الصمود؟

بيَّنت الوكالة أن سحب مشروع القانون لمواجهة المحتوى الكاذب في الفضاء الإلكتروني، وتعيين لاريجاني، وابتعاد كاظم صديقي عن صلاة الجمعة تُعتبر حتى الآن أمثلة ملموسة على الاستجابة للمطلب العام من أجل التغيير، ومع ذلك، فإن أصوات الاعتراض والمعارضة من التيار المتشدد، التي تستخدم تعبيرات مثل شهيد الشرف، تُظهر أن هذا التيار لم يفهم فقط ضرورة التحول في الساحة السياسية، بل لا يزال يصر على ممارساته السابقة.

وفي الختام أقرَّت الوكالة بأن هذه الجماعة، التي يُشار إليها أحيانا بالمعارضة الداخلية، لا يُعرف متى ستصبح راضية.