إيران تحت مجهر الإعلام وتأثير صراعات مجلس الإعلام على استقرار حكومة بزشكيان

نشرت صحيفة كيهان الأصولية، مساء الاثنين 11 أغسطس/آب 2025، تقريرا ذكرت فيه أن مجلس إعلام حكومة الرئيس الإير اني مسعود بزشکیان، التي تكلفت بالمهمة الرئيسية لدعم وتوجيه تيار الإعلام الحكومي، تحولت في الأشهر الأخيرة بسبب بعض المواقف والإجراءات، إلى محور نقاش وجدل داخل الحكومة؛ من نقد ومعارضة بعض التعيينات إلى إثارة موجة إعلامية حول القرارات، وهي قضايا صعّبت ظهور صورة موحدة ومنسجمة للحكومة.

وأضافت الصحيفة أن حكومة بزشكيان تفتقر إلى تنظيم جيد في مجال الإعلام، ويتجلى ذلك في مجلس إعلام الحكومة، الذي يعمل تحت مظلة الحكومة لكنه، مع أفراد ووسائل الإعلام التابعة له، يوجّه الاتهامات للحكومة نفسها ويخلق لها أزمات من خلال هجمات إعلامية.

موظف في جهاز الإعلام الحكومي ينقل أخبارا ضد الحكومة!
أوضحت الصحيفة أنه في أواخر سبتمبر/أيلول 2024، أصدر رئيس مجلس الإعلام الحكومي إلياس حضرتي، قرارا بتعيين “ع.ا” الذي كان سابقا مسؤولا عن قناة إصلاحات نيوز الإدارية، رئيسا مؤقتا لشؤون الإعلام الحكومي! وهذا التعيين قوبل حينها بانتقادات حادة من ناشطين إعلاميين من جميع الطيف السياسي، لأن هذا الشخص كان يعترف بممارسة الكسب من الأخبار. 

وتابعت أنه قبل سنوات، عقب انتخابات الدورة الحادية عشرة للرئاسة، صرح (ع.ا) بأن قناة إصلاحات نيوز سياسية بالكامل، وأنهم ينشرون محتوياتهم بهدف استهداف أشخاص معينين والهجوم عليهم، وأردف أنه اكتفى ماليا خلال تلك الانتخابات، وأمّن مستقبله ماليا، وخطط لمشاركته في الانتخابات الرئاسية القادمة، حيث يطمح إلى رفع مستواه هناك.

وأفادت بأنه رغم تأخر الأمر، فقد حقق هدفه وانضم إلى مؤسسة الرئاسة في حكومة بزشکیان، وبعد تعيينه كرئيس مؤقت لشؤون الإعلام الحكومي، تحولت القناة التي يديرها إلى منصة تبث أخبارا ضد الحكومة، وخلال الأيام الأولى لتشكيل حكومة بزشکیان، أصبحت قناة إصلاحات نيوز بمثابة غرفة حرب ضد تعيينات الحكومة، حيث تم مهاجمة كل تعيين حكومي لا يروق للقائمين على القناة بتهم واهية.

وأشارت إلى أن هذا الأسلوب زاد الشكوك حول أن (ع.ا) لم يكن يكسب فقط من الأخبار، بل أيضا من المناصب، حيث نشر تغريدة يدعو فيها داعمي بزشکیان خلال الانتخابات على قنوات التواصل الاجتماعي للتواصل معه، مؤكدا أن مجلس إعلام الحكومة يقدّر دعمهم ولا ينسى ذلك، وبذلك، يتحول شعار حكومة بزشکیان من الاعتماد على الخبراء والكفاءة إلى مجرد تجمع سياسي لأعضاء حملة انتخابية.

وأكَّدت أن هذا الحدث من أغرب أحداث الحكومة، حيث أن عناصر جهاز الإعلام الحكومي يخلقون أجواء إعلامية ضد الحكومة وتعييناتها بهدف فرض اختياراتهم الخاصة! وفي هذا السياق، دخل موظفو إلياس حضرتي في صراعات مع وزراء حكومة بزشکیان، مما يشير بوضوح إلى عدم تنسيق الأمور داخل الحكومة، واستمرار المطالبات بالحصة والمكاسب داخلها.

قصة طريفة!
أبرزت الصحيفة أن الطرافة ازدادت حينما اشتكى لاحقا إلياس حضرتي من هذا السلوك وانتقد الأشخاص الذين يهاجمون تعيينات الحكومة ويشككون فيها، وذكرت صحيفة اعتماد التابعة له أن هذا النوع من التصرفات يقلل من رأس المال الاجتماعي للمنتقدين أكثر من تقليله لرأس المال الاجتماعي للحكومة. 

وأضافت أن صحيفته يبدو أنها لم تكن تعلم أو لم ترغب في الاعتراف بأن جزءا كبيرا من الأجواء السلبية تجاه تعيينات الحكومة يأتي من موظفي جهاز الإعلام الحكومي نفسه، وكان من الأفضل أن يعقد حضرتي اجتماعا أولا مع موظفيه في مجلس الإعلام لتوضيح الأمور لهم، ثم يذهب معهم إلى اجتماع مع أعضاء الحكومة لشرح وزراء کابینة بزشکیان لهم أسباب تعييناتهم!

وبيَّنت أن هذا المستوى من الفوضى والارتباك داخل الحكومة هو من الأحداث غير المسبوقة في تاريخ الإدارة الحكومية في إيران.

.

نزاع في القطب الجنوبي
ذكرت الصحيفة أن إقالة شهرام دبيری من منصب نائب الرئيس البرلماني كانت من نقاط الذروة في صراع الحكومة الداخلي، حيث هاجم أعضاء مجلس الإعلام الحكومي دبيری بشدة وسعوا لإقالته لدرجة أن حتى منتقدي الحكومة لم يستطيعوا مجاراتهم! بينما كانت وكالة الأنباء الحكومية والعلاقات العامة لمنصب نائب الرئيس البرلماني تحاول احتواء أزمة سفر دبيری الفاخر إلى القطب الجنوبي.

وأوردت أن أعضاء مجلس الإعلام الحكومي كانوا يغردون في تويتر ويكتبون في وسائل إعلامهم الخاصة ضد دبيری، وفي النهاية، فاز موظفو حضرتي بهذا الصراع واضطر بزشکیان للتخلي عن نائب الرئيس البرلماني الخاص به.

وسلَّطت الضوء على أن تصريحات بزشکیان في يوم وداع شهرام دبيری أظهرت أنه لم يكن راضيا داخليا عن إقالته، وأنه قام بها تحت ضغوط إعلامية كان موظفوه في مؤسسة الرئاسة هم الركيزة الأساسية لها، فالهجمات الإعلامية ضد دبيری كانت جائرة وربما كنا نحن أيضا مشاركين في هذه الجور، كما خلق البعض في المجتمع جوا يوحي بأن الإسلام في خطر، بينما دبيری لم يرتكب أي مخالفة.

مشروع القانون الذي تم إرساله بسرعة ثم استُرجع بسرعة
أفادت الصحيفة بأن واحدة من الأمثلة الواضحة على العمليات الإعلامية التي قام بها جهاز مجلس إعلام الحكومة ضد الحكومة نفسها حدثت بعد إقرار مشروع قانون مكافحة نشر الأكاذيب في الفضاء الإلكتروني.

 وأكَّدت أن هذا المشروع قد خضع، وفقا للإجراءات الإدارية المعتادة، لمراجعة وتعديل وموافقة من قبل سكرتير اللجنة المعنية في الحكومة وأعضاء اللجنة في عدة جلسات، ثم أُرسل إلى أمانة مجلس الوزراء للمراجعة، وبعدها تم اطلاع أعضاء مجلس الوزراء عليه، وأخيرا عُرض في جلسة مجلس الوزراء حيث نال موافقة على اعتبار الأمر مستعجلا دون معارضة جدية، ثم
أُرسل إلى البرلمان.

وأبلغت أن جهاز مجلس إعلام الحكومة الذي كان بنفسه متورطا في نشر أخبار كاذبة ومضللة على الإنترنت، شكك في كل هذه المراحل وادعى أن المشروع لم يُدرس جيدا من قبل أعضاء مجلس الوزراء أو حتى من قبل رئيس الحكومة شخصيا! ومن خلال حملة إعلامية مستمرة طوال اليوم عبر قنواتهم ووسائلهم المكتوبة والرقمية، تمكنوا من فرض وجهة نظرهم، مما أجبر بزشکیان خلال 8 أيام فقط على سحب المشروع من البرلمان.

هذا الجهاز مثير للاهتمام!

أبرزت الصحيفة أن تركيبة مجلس إعلام الحكومة مثيرة للاهتمام من كل النواحي، بداية من رئيس المجلس وصداقته الوثيقة مع أحد الفاسدين الاقتصاديين، إلى أحد أعضاء المجلس الذي تم طرده من الصحافة سابقا بسبب سوء استخدام مالي، كما تضمّنت عضوا آخر يحمل شهادة في التاريخ، وشغل مناصب اقتصادية لسنوات عبر صفقات سياسية، وادعى مؤخرا أن الولايات المتحدة استثمرت مليار دولار في إيران لتجميل المفاوضات.

وأشارت إلى أنه يفتقر إلى الفهم الحقيقي للاقتصاد، خاصة أن حجم الاستثمار الأجنبي العالمي لعام 2024 كان يقارب هذا الرقم بالكامل.

ولفتت إلى أن بعض أعضاء المجلس لديهم سجلات سابقة بالسجن بتهم تتعلق بمناهضة النظام والأمن الوطني، وليس من المفاجئ أن تعترف زوجة أحدهم خلال كأس العالم 2022 بسعادتها بهزيمة المنتخب الإيراني وتقول، أتمنى أن يصاب ليس فقط إيران بل كل دول العالم المتخلفة.

وبيّنت أن هذه التركيبة المدهشة التي لم تواجه أي عائق من الأجهزة الرقابية والأمنية داخل مؤسسة الرئاسة، لا تعكس الوطنية أو مصالح الأمن والغيرة الوطنية، لذلك، تُراقب أو تُحذف أحيانا تصريحات بزشکیان المبدئية والثورية من بيانات الرئاسة، بينما تُنشر تصريحاته المثيرة للجدل، التي غالبا ما تنتج عن زلات لسان أو قلة تركيز، بسرعة وبشكل كامل في وسائل الإعلام الرسمية.

وضربت مثالا على ذلك في لقاء بزشکیان مع مديري الإعلام، حيث تم حذف تصريحه حول ضرورة منع التحرش والعري كما هو الحال في دول العالم، بينما نُشرت تصريحاته المثيرة للجدل بشأن الحرب وإعادة بناء المنشآت النووية، ما أثار ردود فعل سلبية في الإعلام الخارجي وفسرت كلامه كدعوة للتفاوض وإيقاف البرنامج النووي.

أزمة الرقابة بين الوفاق وتجاهل الكفاءة

أوضحت الصحيفة أن جهاز الإعلام في حكومة بزشكيان مليء بالمواقف الساخرة التي كانت لتشكل مادة وفيرة للفكاهة لو كان الكاتب الإيراني كيومرث صابري فومني لا يزال حيا، ونوهت إلى أهمية توجيه انتباه الأجهزة الرقابية لهذا الأمر.

وفسرت أن مصطلحي الوفاق والوحدة مثل غيرهما من المفاهيم لهما تعريفات وحدود، ولا يجب السماح بتفريغ هذه الكلمات من معناها الحقيقي وتحويلها إلى تهدئة تُخدر بها آليات الرقابة، فالتغاضي عن وجود أفراد ضعيفي الكفاءة وسيئي السجل في الحكومة بحجة الوفاق هو حقيقة مؤلمة تظهر يوما بعد يوم بشكل مقلق.

وفي الختام دعت الصحيفة إلى “ضرورة تطبيق القانون بدقة في التحقق من أهلية الأفراد لتولي المناصب الحكومية؛ فهذا يساعد على زيادة كفاءة الرئيس والحكومة القائمة، لكن للأسف تم تجاهل هذا الأمر والاستهانة به منذ بداية حكومة بزشكيان”.