خبير سياسي إيراني: الهجمات الصاروخية الأخيرة منحت إيران اليد العليا في مواجهة إسرائيل 

نشرت صحيفة اعتماد الإصلاحية، الاثنين 30 يونيو/حزيران 2025، حوارا أجرته مع “ما شاء الله شمس‌ الواعظين”، الناشط الإعلامي والمحلل السياسي، حول تقييم نتائج الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأخيرة التي استمرت 12 يوما، وأثرها على تماسك الداخل الإيراني وموقع إيران في المعركة الإعلامية والرأي العام الدولي.

وفي ما يلي نص الحوار:
مع سريان وقف إطلاق النار بعد الحرب التي استمرت 12 يوما، بات كل محلل يسلّط الضوء، وفقا لتصوراته، على أبعاد هذا الحدث المختلفة، ما تحليلك للظروف الراهنة؟

في ردي على الجزء الأول من سؤالكم، أود أن أقول إنني أستبعد أن تُقدم الولايات المتحدة وإسرائيل على تكرار التجربة السابقة مرة أخرى. فالمعطيات الحالية على الساحة الدولية تشير بوضوح إلى أن إسرائيل تلقت ضربة قوية من القدرات الصاروخية الإيرانية. ولقد تكسرت هيبة إسرائيل وسطوتها بعد الهجوم الإيراني.

وأتحدث إليكم استنادا إلى حقائق وبيانات موثقة، فقد أعلنت شركة الطيران الإسرائيلية أنه تم فتح باب الحجز الإلكتروني لمدة ساعتين فقط، وخلال هذه الفترة تم حجز 28,300 تذكرة من قِبل إسرائيليين حاولوا مغادرة إسرائيل. 

وأوضحت الشركة أنها غير قادرة على استيعاب هذا العدد الكبير، كما أن شركات الطيران الأخرى عاجزة أيضا عن تأمين مغادرة هذا الكم من المسافرين. ولا ينبغي أن ننسى أن جزءا من مطار بن غوريون كان هدفا مباشرا للصواريخ الإيرانية.

أنا لست عسكريا، لكن البيانات المتوفرة في وسائل الإعلام العالمية تُظهر أن المسؤولين الإسرائيليين صُدموا من مدى قوة الصواريخ الإيرانية، خاصة الدفعة الأخيرة التي كانت مروّعة. على وجه الخصوص، تسبب صاروخ خيبرشكن-2 في إلحاق ضرر بالغ بهيبة أنظمة الدفاع الإسرائيلية.

والضربة طالت أولا منظومة ثاد الأمريكية، التي نُشرت بسرعة في إسرائيل قبل الحرب واستخدمت للدفاع بعيد المدى. ثاني منظومة تضررت كانت القبة الحديدية، والتي انهارت بشكل كامل، وكانت مخصصة للدفاع على المدى القريب. أما المنظومة الثالثة فهي دفاع ساول، التي فشلت في أداء مهامها بشكل فعّال.

ورغم ذلك، تدّعي إسرائيل أنها اعترضت ودمّرت 76% من الصواريخ الإيرانية. وحتى إذا سلّمنا بصحة هذا الادعاء، فإن ما كان سيحدث لو أصابت جميع الصواريخ الإيرانية أهدافها يوضح حجم الكارثة التي كانت ستواجهها إسرائيل. لذا، من غير المرجح أن تبادر إسرائيل إلى شن هجوم على إيران في المدى القريب، قبل أن تعالج هذه العيوب الخطيرة في أنظمتها الدفاعية.

هل الخلل البنيوي الذي تحدثتم عنه خلل تكتيكي أم استراتيجي؟ وهل إسرائيل قادرة على مهاجمة إيران في المدى القريب أم لا؟

إن هذه الإخفاقات ليست تكتيكية، بل استراتيجية بالكامل، ويتطلّب تجاوزها تخطيطا طويل الأمد. ومن المحتمل أن تحاول إسرائيل تطبيق نموذج هجماتها في لبنان على إيران، ولكن حتى هذا النموذج سيواجه بردّ حاسم من طهران. فقد صرّح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بوضوح قائلا أن إيران ليست لبنان حتى تلتزم الصمت. ففي لبنان، قد تلتزم الحكومة الصمت، أما في إيران، فإن الدولة تعلن رسميا أنها لن تصمت، وستردّ على الفور.

والنموذج اللبناني الذي تسعى إسرائيل لتطبيقه يقوم على احترام وقف إطلاق النار ظاهريا، لكن إذا شعرت بما تعتبره تهديدا جديا – كظهور وضع ما في شمال غرب إيران مثلا – فإنها تستهدفه مباشرة. ومن الطبيعي أن إيران لا تقبل بمثل هذا النوع من التهديدات، وستردّ عليه بقوة.

هل تعتقد أن الهجمات الصاروخية الإيرانية قد غيّرت موازين الصراع بين إيران وإسرائيل؟

إيران اليوم تمتلك اليد العليا ومبادرة التحرك في الصراع. وإسرائيل اختارت توقيت هجومها على إيران في لحظة كانت فيها طهران تتوقع جميع السيناريوهات والاحتمالات لهجوم إسرائيلي — باستثناء سيناريو الطائرات المسيّرة الصغيرة من الداخل، أي الطائرات المصغّرة التابعة للوحدات الميدانية للموساد داخل إيران. 

وقد أعلنت إسرائيل نفسها أنها نشرت نحو 10 آلاف طائرة صغيرة داخل الأراضي الإيرانية، بل ونجحت في إنشاء صناعة متخصصة لهذه الطائرات داخل البلاد.

لكن اليوم، تم القضاء على هذه الشبكة. فالجواسيس تم اعتقالهم، وشبكاتهم الاتصالية انهارت، ولم تعد لديهم أي أدوات فعالة داخل إيران. وبالتالي، لم يبقَ أمام إسرائيل سوى خيار النموذج اللبناني، وهو بدوره سيقابل بردّ إيراني شديد وحازم.

مع هذه الفرضيات، برأيك ما الاستراتيجية التي ينبغي لإيران اتباعها؟ كما صرَّح الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني، مؤخرا، بأن الاستراتيجية الوطنية لإيران يجب أن تتغير. ما رأيكم في هذا الطرح؟

إذا كان من المقرر أن تصبح إيران حليفا استراتيجيا لروسيا أو الصين، فهذا لا يعني بالضرورة أن هاتين الدولتين ستتدخلان في حال تعرّضت إيران لهجوم من الولايات المتحدة أو إسرائيل. فلو كانت الأمور تسير بهذه البساطة، لاندلعت الحرب العالمية الثالثة مرات عديدة حتى الآن.

كما أن إيران يجب أن تعتمد أكثر على قدراتها الذاتية خلال الفترة الممتدة بين وقف إطلاق النار الحالي وأي أزمة محتملة في المستقبل (آمل ألا تقع). فتخيّلوا حمامة تحتاج إلى جناحين كي تطير. بالنسبة لإيران، هذان الجناحان الاستراتيجيان هما: القوة الدفاعية من جهة، والقدرات الدبلوماسية من جهة أخرى.

إن الجناح الدبلوماسي يستند إلى عقيدة مفادها أن الهدف من الحروب هو تحقيق السلام. وهذه قاعدة راسخة في الاستراتيجيات الدولية والعقائد العسكرية. فالدول ترى أن كل حرب تنتهي بشكل من أشكال السلام. وهناك أنماط متعددة للسلام، من بينها ما يُعرف بالسلام المسلح كما كان الحال خلال الحرب الباردة.

ألا تعتقد أن من الأفضل إبقاء الغرب في حالة من عدم اليقين؟

أنا شخصيا سعيد بأن عراقجي يدير الدبلوماسية الإيرانية بذكاء. فتصريحه الأخير، الذي أشار فيه إلى أن البرنامج النووي الإيراني تلقى ضربة كبيرة، يأتي في إطار هذا النهج الذكي. وفي الظروف الحالية، ينبغي لأولئك الذين يطرحون مواقف معاكسة أن يعيدوا النظر في تصريحاتهم، ويتركوا هذه الملفات بيد الجهاز الدبلوماسي.

واليوم رأيت أن الغربيين يحاولون عبر صور الأقمار الصناعية تقييم حجم الدمار الذي لحق بموقع فُوردو، ويقومون بتخمينات متعددة. وبما أن التعاون مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي قد تم تعليقه، فإن الغرب متعطّش للحصول على معلومات دقيقة حول مدى الضربة التي تلقّتها إيران في المجال النووي. لذلك، لا يوجد أي مبرر لأن يقدّم النشطاء السياسيون الإيرانيون هذه المعلومات مجانا للطرف المقابل.

ويجب أن نتيح للدبلوماسية الإيرانية المجال لتوجيه الضربات الأخيرة للأعداء. والمفتاح الأساسي في هذه القضية هو أن لا يتدخل غير الدبلوماسيين أو المعلّقين السياسيين في هذا المجال الحساس. وكما قال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، يجب أن يُسمع صوت واحد فقط من داخل إيران.

أما الجناح الثاني لهذا النظام، فهو القوة الدفاعية، والتي ينبغي تعزيزها. ويجب إغلاق كل نقاط الضعف والممرات المفتوحة التي استغلها العدو، وذلك بجهود القوات المحلية والداخلية.

ما هي  نقطة الضعف الجديّة في إيران من وجهة نظرك؟ 

لتحقيق النتائج المرجوّة من الجناح الثاني، أي البنية الدفاعية، يجب معالجة ضعف إيران في مجال إنتاج المحتوى والإعلام. هذا الضعف، الممتد منذ أكثر من عقد، ألحق أضرارا كبيرة بمكانة إيران على المستويين الإقليمي والدولي.

على سبيل المثال، لاحظوا كيف أن حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طوال الأيام الماضية كانت مختبئة في عمق 40 مترا تحت الأرض في الأراضي المحتلة، بل وحتى في دول أخرى مثل قبرص. ونتنياهو نفسه، كما يُقال، لم يعد إلى منزله منذ 18 شهرا. هذا السلوك يُقدَّم إعلاميا كميزة أمنية لصالح إسرائيل، ويتم الترويج له باعتباره جزءا من قوة الردع لديها.

لكن في المقابل، حين يتم اتخاذ إجراءات أمنية طبيعية لحماية خامنئي في ظل التهديدات العلنية، تُحوّل هذه الخطوة إلى مادة إعلامية مثيرة للجدل. والسؤال هو: من يصنع هذه الصورة؟ إنها وسائل الإعلام الناطقة بالفارسية التي تصنع هذا الانطباع. فبينما يُنظر إلى الرقابة المشددة في إسرائيل على الإعلام باعتبارها انضباطا وطنيا، تُفسَّر الإجراءات الأمنية في إيران كدليل على العجز في إدارة الظروف الحربية.

لذلك، ينبغي على إيران أن تسارع فورا إلى معالجة هذا الخلل الإعلامي، لأن امتلاك بنية دفاعية قوية وحده لا يكفي ما لم يُدعَم بجبهة إعلامية فعالة ومتماسكة.

أليس من الدقيق القول إن شريحة واسعة من الإيرانيين أعربت عن استيائها من أداء القنوات الفضائية الناطقة بالفارسية، وإن كثيرين منهم قرروا مقاطعتها؟

إن القنوات الفضائية الناطقة بالفارسية أصبحت مكروهة في المجتمع الإيراني بسبب تحوّلها إلى أذرع دعائية تخدم أجندات العدو. وإدارات هذه القنوات تشعر بقلق بالغ نتيجة التراجع الأخير في جمهورها، وهذا تطوّر إيجابي بالنسبة لصنّاع القرار في النظام، ممن يتولّون مسؤولية هذا الملف.

ومن الضروري اتخاذ خطوات سريعة لإعادة المرجعية الإعلامية من الخارج إلى الداخل. ولا بد أن يتم هذا التحوّل لكي يتماشى مع التوازنات التي فرضناها في ميدان المعركة العسكرية، بحيث نتمكن من تحقيق موازنة مماثلة في ساحة إنتاج المحتوى، عبر إدارة الرأي العام والحفاظ على الاستقرار النفسي للمجتمع الإيراني.

ونحن على أتم الاستعداد لتقديم المساعدة بكل ما نملك من إمكانيات في هذا المجال. ونحن بحاجة إلى تخصيب اتحاد الإيرانيين كي نتمكن عبره من ردع العدو ووضعه عند حدّه.