- زاد إيران - المحرر
- 1276 Views
كتب: ربيع السعدني
في خضم الصراعات الإقليمية التي تعصف بالمنطقة، برز اسم اللواء محمد سعيد إيزدي، المعروف بلقب “الحاج رمضان”، كأحد أبرز قادة الحرس الثوري الإيراني، وتحديدا مسؤول وحدة فلسطين في فيلق القدس.
وأعلن الحرس الثوري الإيراني نبأ استشهاد الحاج رمضان قبل يومين إثر عدوان إسرائيلي على طهران، ليترك خلفه إرثا طويلا من النضال والتضحية في سبيل المقاومة والقضية الفلسطينية.
من قم إلى ساحات المقاومة
وُلد محمد سعيد إيزدي عام 1964 في مدينة قم، المدينة المقدسة التي تُعد مركزا دينيا وعلميا في إيران، نشأ في أسرة متدينة غرست فيه قيم الإيمان والتضحية منذ الصغر، بعد إكماله تعليمه الثانوي، التحق بجامعة خواجة نصير الدين الطوسي في طهران، حيث حصل على شهادة في الهندسة الإلكترونية، مما شكّل أساسا متينا لمسيرته العسكرية والاستخباراتية.

هذا المزيج من العلم والإيمان جعله شخصية استثنائية، تجمع بين التفكير الاستراتيجي والالتزام العميق بالقضايا العادلة.
انطلاقة في “الحرس الثوري”
بدأ مسيرته العسكرية عام 1979 كعضو في الحرس الثوري، وخلال الحرب العراقية الإيرانية كان أحد القادة المتوسطين في الحرب، ومع اندلاع الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988)، انخرط إيزدي مبكرا في صفوف الحرس الثوري الإيراني، حيث عمل في جهاز الاستخبارات وأظهر خلال هذه الفترة مهارات قيادية واستخباراتية استثنائية، مما جعله مرشحا للعمل في المهام الخارجية الحساسة.
الحاج رمضان كان قائدا لحكومة إقليم كردستان بين عامي 1982 و1983، وكان أيضا قائدا لمقر حمزة سيد الشهداء من عام 1983 إلى عام 1985 وقائدا لمقر النجف الأشرف من عام 1985 إلى عام 1987.
في التسعينيات، بدأ دوره يتبلور في دعم حركات المقاومة، خاصة في لبنان، حيث كان من أوائل الضباط الإيرانيين الذين عملوا مع حزب الله لتطوير منظومة صواريخ أصبحت لاحقا ركيزة أساسية في توازن الردع مع إسرائيل.
شغل إيزدي منصب نائب رئيس العمليات في هيئة الأركان المشتركة للحرس الثوري من عام 1987 إلى عام 1989، وشغل منصب قائد القوات البرية في الحرس الثوري الإسلامي من عام 1989 إلى عام 1992. كما شغل منصب نائب رئيس التخطيط والبرامج والميزانية في هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة من عام 1993 إلى عام 2006.
رجل الظل في دعم المقاومة

في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، تولى الحاج رمضان قيادة “فرع فلسطين” في قوة القدس، وهي الوحدة المسؤولة عن تنسيق الدعم العسكري واللوجستي لفصائل المقاومة الفلسطينية، تحت قيادته، شهدت حركتا حماس والجهاد الإسلامي طفرة نوعية في قدراتهما العسكرية.
وفقا لتقارير إعلامية، أشرف الحاج رمضان على تحويل مئات الملايين من الدولارات لدعم المقاومة، إضافة إلى تزويدها بصواريخ مضادة للدروع، وطائرات مسيرة انتحارية، وتدريب كوادر هندسية متخصصة في تصنيع الأسلحة.
شبكات الدعم الإقليمية
لم يقتصر دور إيزدي على غزة فحسب، بل امتد ليشمل تنسيقا إقليميا مع حزب الله في لبنان والحكومة السورية، كان يُنظر إليه كمهندس لشبكات تهريب الأسلحة عبر شرق أفريقيا وسوريا ولبنان، مما أثار قلقا متزايدا لدى الأجهزة الأمنية الإسرائيلية والغربية.
هذه الشبكات ساهمت في تعزيز قدرات المقاومة الفلسطينية، خاصة خلال معركة “طوفان الأقصى” في أكتوبر/تشرين الأول 2023، التي شكلت نقطة تحول في الصراع مع الاحتلال، وقد فُرضت عقوبات على إيزدي، الملقب بالحاج رمضان، في السنوات الأخيرة مع عدد من كبار قادة فيلق القدس.
عقوبات على إيزدي

أدرجت وزارة الخزانة الأمريكية في 9 سبتمبر/أيلول 2019، شخصا يُعرف باسم “الحاج رمضان” على قائمة عقوباتها، باعتباره “أحد قادة الجماعات الإرهابية”، وفي ديسمبر/كانون الأول 2023، أضافت وزارة الخارجية البريطانية العميد إسماعيل قاآني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، ومحمد سعيد إيزدي، وعلي مرشد شيرازي، وماجد زارعي، ومصطفى مجيد خاني، أعضاء الفرع الفلسطيني لفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، إلى قائمة العقوبات البريطانية.
سبق أن أُدرج إيزدي باستمرار على قائمة الإرهاب الإسرائيلية من قِبل مصادر إسرائيلية غير رسمية. ووصفته بعض وسائل الإعلام العبرية والإنجليزية بأنه أحد أبرز القادة وأهمهم في المنطقة وفي المقاومة اللبنانية.
لقاءات مع قادة المقاومة
عُرف إيزدي بقربه من قادة المقاومة الفلسطينية، مثل الشهيد محمد الضيف، وعبد العزيز الرنتيسي، وصالح العاروري، ويحيى السنوار، ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية، كان أول مسؤول إيراني يصل إلى منطقة مرج الزهور في لبنان عام 1992، لدعم قادة المقاومة الفلسطينية بعد إبعادهم.

وصفه الشيخ بسام السعدي بأنه “رجل كرّس حياته لتحرير فلسطين”، مشيرا إلى زياراته المتكررة لسوريا ولبنان لمتابعة التدريب والتسليح.
خسارة كبيرة للمقاومة
أعلن الحرس الثوري الإيراني استشهاد اللواء محمد سعيد إيزدي إثر عدوان إسرائيلي استهدف مواقع داخل إيران، وجاء في بيان قوة القدس أن إيزدي “سار في درب الحق والفضيلة، وكان تجسيدا للشجاعة والزهد والتقوى”.
كما أشار البيان، إلى أن مراسم تشييعه ستقام في طهران يوم السبت 28 يونيو/حزيران 2025، على أن يُوارى الثرى في مدينة قم يوم الخميس.
هذا الاستشهاد جاء في سياق سلسلة هجمات إسرائيلية استهدفت قادة إيرانيين بارزين في الحرس الثوري، من ضمنهم رئيس منظمة الاستخبارات التابعة للحرس الثوري محمد كاظمي ونائبه حسن محقق وقائد الحرس اللواء حسين سلامي ورئيس هيئة الأركان محمد باقري.
ردود الفعل.. نعي وتعهد بالثأر

نعت حركتا حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين الحاج رمضان، واصفةً إياه بـ”رمز المقاومة” الذي قدّم دعما لا محدودا للشعب الفلسطيني، وتعهدت الحركة بمواصلة النضال حتى يدفع الاحتلال ثمن جرائمه، وذكرت أن دماء الشهيد إيزدي ستكون القوة الدافعة لحركة المقاومة حتى النصر والتحرير.
وفي إشارة إلى جهود الشهيد على مدار الساعة في دعم المقاومة، أكدت حماس أن “الحاج رمضان كان ركيزة أساسية لدعم المقاومة الفلسطينية في جميع المجالات وبذل كثيرا من الجهود لتعزيز قدرات شعبنا ومقاومته ضد العدو الإسرائيلي حتى استشهد على هذا الطريق”، كما أصدرت كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، بيانا تعزي فيه إيزدي وكتبت: “لقد كان قائدا عظيما واستجاب لدعوة الله لدعم المقاومة الفلسطينية”.
على الجانب الآخر؛ اعتبرت إسرائيل اغتيال إيزدي “إنجازا استخباراتيا وعسكريا مهما”، مدعيةً أنه كان العقل المدبر وراء تنسيق هجمات المقاومة من عدة جبهات، لكن هذه الرواية لا تعكس سوى جزء من إرث رجل كرّس حياته للقضية الفلسطينية.
إرث الحاج رمضان
أصدر حزب الله اللبناني بيانا نعى فيه استشهاد الجنرال محمد سعيد إيزدي (الحاج رمضان)، ووصف هذا الشهيد بأنه حامل لواء الطريق إلى فلسطين والقدس.

وترك الحاج رمضان بصمة لا تُمحى في محور المقاومة، دوره في تطوير قدرات فصائل المقاومة، سواء من خلال التسليح أو التدريب أو التنسيق الإقليمي، جعله هدفا رئيسيا للأجهزة الأمنية الإسرائيلية، لقد نجح في بناء شبكة دعم متكاملة، ربطت بين إيران، ولبنان، وسوريا، وفلسطين، مما عزز صمود المقاومة في وجه الاحتلال.
محاولات اغتيال سابقة
تعرض إيزدي لعدة محاولات اغتيال قبل استشهاده، من ضمنها هجوم على القنصلية الإيرانية في دمشق واستهداف قادة آخرين في بيروت، رغم هذه المحاولات، استمر في عمله بهدوء وإخلاص، مما جعله رمزا للصمود والثبات.
كما استُهدف محمد سعيد إيزدي من قِبل سلاح الجو الإسرائيلي ثلاث مرات على الأقل في سوريا، ثلاث منها باءت بالفشل حتى في إحدى المرات، نُشر خبر وفاته، ثم نُفي لاحقا.
شائعات كثيرة رافقت هذه المحاولات، أبرزها في مبنى القنصلية الإيرانية بدمشق، منتصف أبريل/نيسان 2024، لكنها تبددت مع استمراره في قيادة جهود المقاومة الفلسطينية حتى لحظة استشهاده.
رجل المهمات الصعبة
وصف بيان الحرس الثوري إيزدي بأنه “نموذج مضيء” للأجيال الحالية والقادمة، كان زهده وتقواه، إلى جانب شجاعته، مصدر إلهام للمقاتلين في جبهة المقاومة، لم يكن مجرد قائد عسكري، بل كان رمزا للإخلاص والتفاني في خدمة القضية الفلسطينية.

وتميز برؤية استراتيجية عميقة، حيث عمل على توحيد جبهات المقاومة لمواجهة الاحتلال، دوره في تنسيق العمليات بين حماس، والجهاد الإسلامي، وحزب الله، جعل منه حلقة وصل حيوية في محور المقاومة، مما عزز قدرة هذه الفصائل على مواجهة التحديات العسكرية والسياسية.
الحاج رمضان.. رمز لا يموت
رحل اللواء محمد سعيد إيزدي، لكنه ترك إرثا سيظل محفورا في ذاكرة المقاومة، كان رجل الظل الذي عمل بصمت وإخلاص لدعم القضية الفلسطينية، وسيبقى اسمه رمزا للتضحية والصمود، خبر استشهاده لن يوقف مسيرة المقاومة، بل سيلهم أجيالا جديدة لمواصلة النضال حتى تحرير القدس.

