- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 1150 Views
تحقيق: ربيع السعدني
إنفوجراف: عاصم مسعد
في أعماق جبال زاغروس، حيث تتشابك الأنفاق السرية مع طموح لا ينضب، تبني إيران ترسانتها الصاروخية التي تهز أركان الشرق الأوسط، من صواريخ “شهاب” التي ولدت وسط نيران الحرب العراقية، إلى “فتاح-1” الفرط صوتي الذي يتحدى أعتى أنظمة الدفاع العالمية، تروي هذه الرحلة قصة صعود قوة عسكرية تتحدى العقوبات وتُعيد رسم خطوط المواجهة.

في تحقيق خاص لـ”زاد إيران” نكشف النقاب عن أسرار البرنامج الصاروخي الإيراني:
كيف تحولت طهران من مستورد أسلحة إلى قوة ردع تملك أكبر ترسانة باليستية في المنطقة؟ وما الذي يخفيه الحرس الثوري تحت الأرض؟

في رحلة مثيرة تكشف الجذور، التحديات، والتأثير المزلزل لهذا البرنامج النووي الذي يُشعل قلق العالم!
1.شرارة الثورة
بدايات البرنامج الصاروخي
بدأت إيران تطوير قدراتها الصاروخية في فترة ما قبل الثورة (1979)، لكن الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988) شكلت نقطة تحول حاسمة، خلال الحرب، تعرضت المدن الإيرانية لهجمات صاروخية عراقية، مما دفع طهران للبحث عن وسائل ردع فعالة في البداية، اعتمدت إيران على استيراد صواريخ من دول مثل ليبيا وسوريا.

لكن سرعان ما بدأت في بناء قدراتها المحلية وبدأت الرحلة بصواريخ “سكود بي” المستوردة، تم استلام الصاروخ من ليبيا بعد مشاورات بين وزير الحرس الثوري والوفد الإيراني المرافق له، والذي ضم رحيم صفوي (القائد السابق للحرس الثوري).
ورغم أن مجموعة من عناصر مدفعية الحرس الثوري بقيادة حسن طهراني مقدم (قائدا سابقا في الحرس الثوري يُعرف بكونه الأب الروحي لبرنامج الصواريخ الباليستية الإيراني)، قد أكملت دورة تدريبية على استخدام صواريخ سكود-بي، واستطاعت إطلاقها بنفسها، إلا أن معمر القذافي أمر فريقًا ليبيًا بقيادة الجنرال سليمان (قائد ليبي) بالحضور إلى إيران وإطلاق الصواريخ، وكان الأمريكيون يعارضون حصول إيران على الصواريخ.

وتطورت عبر عقود من التعاون الدولي والابتكار المحلي، لتصل إلى صواريخ متطورة مثل “سجيل” و”خرمشهر-4″، هذه الرحلة لم تكن مجرد تطوير تكنولوجي، بل قفزة استراتيجية عززت قدرات إيران العسكرية، من مدى مئات الكيلومترات إلى آلاف، ومن صواريخ بدائية إلى أسلحة دقيقة بعيدة المدى.
2. صُنع في إيران
بعد الحرب العراقية-الإيرانية، ركزت طهران على تقليل الاعتماد على الاستيراد من خلال بناء صناعة صاروخية محلية، أنشأت منظمات مثل منظمة الصناعات الجوية التابعة لوزارة الدفاع والقوة الجوفضائية التابعة للحرس الثوري لتطوير وإنتاج الصواريخ.

وفي العاشر من سبتمبر/أيلول عام 1986 أفادت وسائل الإعلام بإطلاق أول صاروخ من صنع الحرس الثوري بنجاح، وأوضح محسن رفيق دوست، أول قائد للحرس الثوري الإيراني الخبر، قائلاً: “كان الصاروخ الذي أطلقناه ذلك اليوم صاروخًا بمدى 70 كيلومترًا، وهو صاروخ بسيط قصير المدى أطلق من ميدان الرماية بسمنان باتجاه الصحراء”.

قادت عزيمة القائد حسن طهراني مقدم إيران إلى تحقيق صناعة الصواريخ، ولولا عزمه وإصراره واجتهاده وجهود رفاقه، لتوقفت إيران في مجال الصواريخ بعد خروج الليبيين منها ونفاد ما اشتروه من صواريخ.
اليوم، طهران من أبرز القوى الصاروخية في العالم وباتت تُنتج معظم صواريخها محليًا، مع استمرار استيراد بعض المكونات الرئيسية من الخارج مثل الإلكترونيات المتقدمة.
3. ترسانة التحدي
من شهاب إلى فتاح-1

☆ الصواريخ الباليستية الإيرانية
تُعد الصواريخ الباليستية هي الذراع الاستراتيجية التي تعتمد عليها إيران لفرض هيبتها في المنطقة، تُطلق هذه الصواريخ في مسار منحنٍ عالٍ، تعتمد على الجاذبية لتصل إلى أهدافها بدقة متناهية، مدعومة بتقنيات توجيه متقدمة ولم تكتفِ طهران بتطوير هذه الأسلحة، بل أتقنت تقنيات الوقود الصلب، والرؤوس الحربية المناورة، وحتى الصواريخ الفرط صوتية، مما جعلها تحديًا حقيقيًا لأنظمة الدفاع الجوي العالمية.
وهي ثلاثة أنواع:

النوع الأول: قصيرة المدى (حتى 1000 كم): سلاح الرد السريع وتُصمم هذه الصواريخ لمواجهة التهديدات التكتيكية الإقليمية كما تُستخدم في عمليات دقيقة ضد أهداف قريبة، مثل القواعد العسكرية أو المنشآت الحيوية في دول الجوار وبفضل سرعتها ودقتها، تمنح هذه الصواريخ القوات الإيرانية مرونة عالية في القتال القريب.
أما النوع الثاني: متوسطة المدى (1000-3000 كم): ميزان القوى الإقليمي، هذه الفئة هي جوهر عقيدة الردع الإيرانية، فتمتد قدراتها لتغطي أهدافًا في الشرق الأوسط، بما في ذلك إسرائيل ودول الخليج. صواريخ مثل “شهاب-3″ و”قدر” أظهرت قدرة إيران على الوصول إلى أهداف استراتيجية بدقة متزايدة، مما يعزز موقعها في المواجهات الإقليمية.

النوع الثالث: بعيدة المدى (أكثر من 3000 كم): طموح الفضاء والنفوذ العالمي وتشمل هذه الفئة صواريخ قادرة على إطلاق أقمار صناعية، مما يعكس طموح إيران لتكون قوة فضائية، لكن برامج مثل “سيمرغ” و”ذو الجناح” تُظهر قدرات إيران على الوصول إلى مسافات بعيدة، مما يثير قلق القوى الغربية التي ترى في هذه التكنولوجيا إمكانية تطوير صواريخ عابرة للقارات.
☆ صواريخ كروز: الشبح الذي يتحدى الدفاعات: “طيران منخفض، ضربات مدمرة”صواريخ كروز الإيرانية، مثل “هويزة” و”سومار”، تُعد أسلحة خفية تتحدى أنظمة الدفاع الجوي، بفضل تحليقها على ارتفاعات منخفضة ومساراتها المتعرجة، تصعب رصدها واعتراضها.

هذه الصواريخ، المضادة للدبابات والسفن، تُعزز قدرات إيران في مواجهة التهديدات البحرية، خاصة في مضيق هرمز، حيث يمر جزء كبير من تجارة النفط العالمية، تمنح هذه الأسلحة إيران ميزة تكتيكية في الحروب غير التقليدية، مما يجعلها خصمًا صعبًا في المعارك البحرية والبرية.
☆ الصواريخ الفرط صوتية: أسرع من الصوت وأقوى من التوقعات

“صواريخ “فتاح-1″ و”فتاح-2” تمثل قفزة نوعية في القدرات العسكرية الإيرانية، بسرعتها التي تتجاوز خمسة أضعاف سرعة الصوت وقدرتها على المناورة داخل الغلاف الجوي، كما تُعد هذه الصواريخ كابوسًا لأنظمة الدفاع الجوي التقليدية، وتطوير هذه التقنية يضع إيران في مصاف الدول القليلة القادرة على إنتاج أسلحة فرط صوتية، مما يعزز مكانتها كقوة عسكرية متقدمة.

☆ التطور التقني.. الدقة والسرعة: ثورة في الصناعة العسكرية شهدتها الصواريخ الإيرانية ووصلت إلى تحسن ملحوظ في الدقة منذ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بفضل أنظمة التوجيه عبر الأقمار الصناعية، هذا التطور جعل الصواريخ قادرة على إصابة أهداف محددة بدقة تصل إلى أمتار قليلة، مما يعزز فعاليتها في العمليات العسكرية، كما أن اعتماد إيران على الوقود الصلب في صواريخها الباليستية أحدث ثورة في المرونة العملياتية.

على عكس الوقود السائل، الذي يتطلب وقتًا طويلاً للتعبئة، يتيح الوقود الصلب إطلاقًا سريعًا وتخزينًا آمنًا، مما يجعل الصواريخ جاهزة للاستخدام في أي لحظة هذه التقنية، إلى جانب الرؤوس الحربية المناورة، جعلت من الصعب على أنظمة الدفاع الصاروخي، مثل “باتريوت” أو “ثاد”، اعتراض الصواريخ الإيرانية.
4. أسرار منشآت الإطلاق المحصنة
حين هاجم النظام الإسرائيلي إيران صباح الجمعة 13 يونيو/ حزيران 2025، معتمداً على سلاحه الجوي، الذي يُعدّ الأقوى لديه، نجحت طهران في الاستيلاء على مقاتلة الشبح إف-35.
وهو ما أثار تساؤلات حول كيفية تحقيق ذلك وقدرات دفاعاتها الجوية وفي السنوات الأخيرة، تمكنت طهران من تحقيق خطوات كبيرة في تطوير أنظمة دفاعية متقدمة، بالاعتماد على القدرات المحلية؛ بدءًا من إنتاج الصواريخ الموجهة بدقة والطائرات بدون طيار إلى أنظمة الدفاع المحلية والسفن الحربية والطائرات المقاتلة.

▪︎ مواقع التصنيع: تُشرف القوة الجوفضائية للحرس الثوري ووزارة الدفاع على مصانع التصنيع وهذه القواعد يكون الموقع غالبًا في مناطق جبلية مثل زاغروس وتبريز، مما يصعب استهدافها ويتضمن التصميم أنفاقًا عميقة وأنظمة تهوية وتحكم.
وكشف تحليل صور الأقمار الصناعية عن صور من Maxar وPlanet Labs عن أنشطة بناء في مواقع مثل تبريز وخجير مع دلائل على أنفاق جديدة ومنصات إطلاق متنقلة.
5. منصات الإطلاق المتنقلة
تُستخدم الصواريخ الباليستية الإيرانية منصات إطلاق متنقلة لزيادة المرونة وتقليل مخاطر الهجمات الجوية:
- الصواريخ ذات الوقود الصلب مثل “سجيل” و”خيبرشكن” تُطلق من قاذفات مائلة متنقلة.
- الصواريخ ذات الوقود السائل مثل “عماد” تُطلق من قاذفات عمودية.
الحلقة الأخيرة
لإكمال النظام الصاروخي

إن منصات الإطلاق المحلية للصواريخ المحلية مثل الخليج العربي، والصواريخ الباليستية الإيرانية والصواريخ الدفاعية هي في الواقع الحلقة الأخيرة في سلسلة إكمال نظام صاروخي وسواء كانت متحركة أم لا ومستوى دقتها ومقاومتها ومتانتها يمكن أن تلعب دورًا متزايدًا أو متناقصًا في قدرات نظام الصواريخ والرادار ويظهر تاريخ منصات الإطلاق الإيرانية أنه بالإضافة إلى تطوير صواريخ جديدة تتناسب مع الاحتياجات، فقد تم تطوير أنظمة نقل وإطلاق جديدة أيضاً، وتؤكد التحليلات على الورق ونتائج التدريبات تأثيرها المتزايد على كامل نظام الصواريخ وقوتها في إيران.
5. نفط ونار
تمويل الطموح العسكري

وبحسب إحصاءات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري)، بلغ إجمالي الميزانية العسكرية لإيران في العام 2022 نحو 6.8 مليار دولار، ما يجعلها في المرتبة 34 من حيث أكبر ميزانية عسكرية في العالم والسادسة من حيث الحجم في منطقة غرب آسيا ويُمول البرنامج الصاروخي الإيراني من مصادر متعددة: أولها: الميزانية العسكرية، حيث تُخصص طهران حوالي 6-8% من موازنتها السنوية (حوالي 10-12 مليار دولار في 2024) للدفاع، جزء كبير منه يذهب للحرس الثوري الإيراني.

وثانيها: إيرادات النفط والذي يشكل حوالي 40% من الإيرادات الحكومية (حوالي 50 مليار دولار سنويًا)، وتُستخدم لتمويل البرامج العسكرية، وصولا إلى الدعم الخارجي، حيث تُشير تقارير إلى دعم محدود من الصين وروسيا في شكل تكنولوجيا أو مكونات، لكن إيران تعتمد بشكل رئيسي على مواردها الذاتية.
6. شبكة الظل
كيف تتحايل إيران على العقوبات؟
تعتمد إيران على شبكة معقدة لتوريد المواد الخام والتكنولوجيا الخاصة بإنتاج الصواريخ الباليستية وتُشكّل سلاسل التوريد العمود الفقري لبرامج إيران الصناعية والعسكرية، حيث تعتمد على شبكة عالمية معقدة وشركات وهمية وشبكات تجارية في دول مثل تركيا ودبي لاستيراد المكونات وهي شبكات تجارية معقدة لتجاوز القيود الدولية وضمان تدفق الموارد، وتأمين وصول المواد الخام والتكنولوجيا من خلال التحايل على العقوبات والتعاون مع دول مثل الصين، روسيا، وكوريا الشمالية، تُظهر إيران مرونة استثنائية في بناء قدراتها، وتزعم وزارة الخزانة الأمريكية أن هذا الإجراء “فرض عقوبات على المعدات اللازمة للمجمع الصناعي العسكري الإيراني” يتم بموجب الأمر التنفيذي رقم 13382، الذي يستهدف ناشري أسلحة الدمار الشامل وداعميهم حول العالم.

1.المواد الخام من الوقود الصلب: تُنتج إيران مركبات الوقود الصلب محليًا، لكنها تستورد بعض المواد الكيميائية من الصين، والإلكترونيات: تُستورد مكونات دقيقة مثل أنظمة التوجيه من أسواق سوداء عبر وسطاء في آسيا وأوروبا الشرقية، والتكنولوجيا: التعاون مع كوريا الشمالية: شمل نقل تكنولوجيا صواريخ “نودونغ” (أساس “شهاب-3″) و”هواسونغ” (أساس “خرمشهر”).
7. حلفاء في الظل
إيران وشبكة الدعم الدولي
في ظلال الصراعات العالمية، تظهر إيران كحليف في الظل، رائدة شبكة دعم استراتيجية تتجاوز الحدود، منذ الثمانينات والتسعينات، ساهمت كوريا الشمالية بنقل تكنولوجيا الصواريخ الباليستية، بينما تزود إيران حلفاءها بأسلحة متقدمة: حزب الله بصواريخ “فاتح-110″ و”زلزال” لمواجهة إسرائيل، والحوثيون بـ”قيام” و”ذو الفقار” لضرب السعودية، والمليشيات العراقية بصواريخ قصيرة المدى ضد القواعد الأمريكية، ونقل تقنيات إنتاج الصواريخ إلى سوريا لدعم نظام الأسد.. هذه الشبكة المتشابكة تعزز من قوة إيران الإقليمية، مما يجعلها لاعبًا رئيسيًا في ديناميكيات التوترات الحالية، مع تأثير يمتد عبر الشرق الأوسط.
8. سيف زاغروس
استراتيجية الردع الإيراني
تُستخدم الصواريخ كأداة رئيسية في استراتيجية “الردع النشط” الإيرانية، حيث يبرز “سيف زاغروس” كرمز لاستراتيجية الردع الإيرانية الجريئة، حيث تُشكّل الصواريخ العمود الفقري لسياسة “الردع النشط” التي تهز أركان التوازنات الإقليمية.

بصواريخ متطورة مثل “سجيل”، بمدى يصل إلى 2500 كم، و”فتاح-1″، الذي يتميز بقدرات تفوق سرعة الصوت، تُرسل إيران رسائل نارية إلى إسرائيل والولايات المتحدة، مُظهرة قدرتها على استهداف قواعدهما العسكرية بدقة مخيفة، ليست هذه الأسلحة مجرد أدوات حرب، بل أوراق قوة تُلوّح بها طهران على طاولة المفاوضات النووية، كما فعلت في خطة العمل الشاملة عام 2015، والتفاوض مع الولايات المتحدة في 2025 لتعزيز نفوذها الدبلوماسي.
ومع دعمها لحلفاء في المنطقة مثل حزب الله اللبناني والحوثيين في اليمن، تمتد قبضة إيران الصاروخية خارج حدودها، مُشكلة شبكة ردع إقليمية تُثير الرعب وتُشعل الصراعات.
8. جيران في القلق
الرد الإقليمي على إيران

تصنف إسرائيل البرنامج الصاروخي الإيراني على أنه “تهديد وجودي”، وتدعو إلى تنفيذ ضربات عسكرية أو فرض عقوبات دولية أكثر صرامة على إيران، وفي وقت سابق وصف أمير رابابورت، المحلل العسكري في صحيفة “ميكور ريشون” الإسرائيلية، الهجوم الصاروخي الإيراني في الأول من أكتوبر/تشرين الأول عام 2024 بأنه “نجاحا استراتيجيا لإيران، حيث أطلقت مئات الصواريخ الباليستية، بعضها اخترق خطوط الدفاع الإسرائيلية وأصاب منشآت استراتيجية، رغم تدخل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة”.
وأضاف: “أثبت الإيرانيون لأنفسهم وللآخرين قدرتهم على مهاجمة إسرائيل بشكل مباشر”، مشيرا إلى احتمال أن تكون بعض هذه الصواريخ مزودة بتقنيات تمكنها من تجاوز أنظمة اعتراض الصواريخ “حيتس” الإسرائيلية.
9. أي الصواريخ الإيرانية
يتفوق على غيره في القوة؟
عند تقييم الصواريخ الإيرانية وفق معايير الحرب الحديثة، مثل الدقة، السرعة، القدرة على اختراق الدفاعات، وتطور الرؤوس الحربية، يبرز صاروخ “فاتح” الأسرع من الصوت كالأقوى يتميز “فاتح” بسرعته الفائقة (تتجاوز 5 ماخ)، وقدرته على المناورة في المرحلة النهائية.

وتصميم الصاروخ الشبحي الذي يمكّنه من تفادي أحدث أنظمة الدفاع الجوي على عكس الأجيال السابقة، صُمم “فاتح” لضرب الأهداف الحيوية بدقة وسرعة فائقتين، رغم مداه الأقصر مقارنة بصواريخ مثل “سجيل” و”خرمشهر”، مما يمنحه تفوقًا تكنولوجيًا ملحوظًا.
بينما يتمتع صاروخ “خرمشهر-4” بقوة تدميرية هائلة بفضل رأسه الحربي الثقيل وقدرته على حمل مركبات إعادة دخول متعددة (MIRV)، مما يجعله حجر الزاوية في الردع الاستراتيجي، لكنه، بسبب اعتماده على الوقود السائل وتحضيره الأبطأ، يقل كفاءةً في مواجهة التهديدات الفورية مقارنة بالصواريخ ذات الوقود الصلب، صاروخا “سجيل” و”خيبرشكن”، رغم مرونتهما التشغيلية بفضل الوقود الصلب، يفتقران إلى الدقة والتطور التكنولوجي والقدرة على الاختراق مقارنة بـ”فاتح”.

بفضل مزيجه الفريد من السرعة، الدقة، التخفي، والقدرة على اختراق الدفاعات، يُعد صاروخ “فاتح” الأكثر تقدمًا وقوة في الترسانة الإيرانية حاليًا.
10. كيف أصبحت المدن الصاروخية جزءاً من الاستراتيجية الدفاعية الإيرانية؟
في 14 مايو/ آيار 2025 فتح الحرس الثوري الإيراني بوابةً سرية إلى إحدى مدنه الصاروخية الخفية، كاشفًا عن عالمٍ تحت الأرض ينبض بالقوة، وانتشرت صور للقادة العسكريين الذين اغتالتهم إسرائيل في الحرب الأخيرة بعد 13 يونيو/ حزيران 2025: “محمد باقري والعميد حاجي زادة”، وهما يقودان جيبًا عسكريًا عبر أنفاقٍ تزدحم بصواريخٍ عملاقة، كأنها تنام في عرينها.

تألقت صواريخ “خيبر شكان”، “حاج قاسم”، “عماد”، “سجيل”، “قدر ح”، و”باوه” في هذا المشهد الجوفي، وهي أسماءٌ لامست السماء بدقتها في عمليتي “صادق 1” و”صادق 2″، هذه المدينة ليست الوحيدة، وبحسب القادة، فإن طهران لديها مئات المدن الصاروخية في جميع أنحاء البلاد، ولم يتم الكشف إلا عن جزء صغير منها حتى الآن.
11. لماذا “مدينة الصواريخ”؟
هي حلمٌ هندسي تحول إلى حصنٍ منيع، أنفاقٌ تتشابك كالأوردة، تحتضن صواريخَ باليستية وكروز، جاهزةً للدفاع والردع. إنها ليست مجرد قواعد، بل قلاعٌ تحت الأرض تحكي قصة صمود إيران وسط التحديات.
دخلت فكرة المدن الصاروخية، في إطار هذه الاستراتيجية، مرحلة التنفيذ تدريجيًا منذ تسعينيات القرن الماضي، ووصلت في السنوات الأخيرة إلى مستوى من التعقيد والفعالية جذب انتباه مراكز الأبحاث والمحللين العسكريين حول العالم، وكُشف النقاب رسميًا عن هذه القواعد الصاروخية تحت الأرض لأول مرة عام 2015.
وتزامن ذلك مع تجربة صاروخ “عماد” الباليستي، التي برهنت على الصلة الوثيقة بين تطوير الصواريخ والبنية التحتية الداعمة لها.

ومنذ ذلك الحين، نشرت إيران مرارًا صورًا لهذه المدن، وأظهرت قدراتها.
12. حرب الدبلوماسية
تتصدر إيران المشهد كلاعب مثير للجدل في ساحة الدبلوماسية العالمية، حيث تتشابك طموحاتها الإقليمية مع قيود المجتمع الدولي ويشكل قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231 لعام 2015، الذي يحث إيران على الامتناع عن تطوير صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية، محور الصراع.
إيران، التي تدافع بشراسة عن برنامجها الصاروخي، تؤكد أن صواريخها، مثل “خرمشهر“، تقليدية ومخصصة للدفاع الوطني، رافضةً الاتهامات الغربية التي ترى في هذه الصواريخ تهديدًا للأمن العالمي، لكن التقارير الدولية تشير إلى أن قدرات هذه الصواريخ، بمداها الذي يتجاوز 2000 كيلومتر وتصميمها المتقدم، تثير شكوكًا حول التزام طهران بالقرار.

تتفاقم الأزمة مع اتهامات متكررة لإيران بانتهاك القرار عبر تطوير تقنيات صاروخية متقدمة، مستندة إلى تجارب سرية وشبكات تجارية معقدة تتحايل على العقوبات الدولية، وللالتفاف على ذلك طورت آليات متطورة، مستخدمةً شركات وهمية ووسطاء دوليين لاستيراد مكونات محظورة تدعم برامجها الصاروخية، هذه الاستراتيجيات أثارت غضب القوى الغربية، التي ترى في تصرفات إيران تحديًا صريحًا للنظام الدولي.
بينما تصر طهران على سيادتها وحقها في تعزيز قدراتها الدفاعية في مواجهة ما تصفه بـ”العدوان الخارجي”.
13. أحلام الصواريخ
طموح يصطدم بالعقبات

تسعى إيران لتطوير برنامجها الصاروخي في إطار طموحها لتعزيز قدراتها الدفاعية والاستراتيجية، لكن هذا الهدف يصطدم بتحديات كبيرة، حيث تواجه قيوداً تقنية صعبة، حيث تعيق العقوبات الدولية وصولها إلى الإلكترونيات المتقدمة وأنظمة التوجيه عالية الدقة، مما يحد من كفاءة ودقة صواريخها.
هذه القيود تجبر إيران على الاعتماد على حلول محلية، غالباً ما تفتقر إلى التقنيات الحديثة التي تتطلبها الصواريخ المتطورة: اقتصادياً، تعاني إيران من تراجع إيرادات النفط بسبب العقوبات، مما يقلص الموارد المخصصة للبحث والتطوير، هذا النقص يؤثر على قدرتها على تمويل مشاريع طموحة تتطلب استثمارات ضخمة، مثل تطوير صواريخ بعيدة المدى.
وعلى الرغم من التقدم الذي أحرزته في بعض المجالات، فإن التحديات المستقبلية تبقى شاقة، فإنتاج صواريخ بمدى يتجاوز 3000 كيلومتر يتطلب تقنيات متقدمة، بما في ذلك أنظمة دفع وتوجيه متطورة، قد تستغرق سنوات لتطويرها بموارد محدودة.

- الصواريخ الفرط الصوتية: من المتوقع أن تُركز إيران على تطوير “فتاح-2” وصواريخ أخرى بمدى أطول ودقة أعلى.
- الصواريخ العابرة للقارات: قد تسعى إيران لتطوير صواريخ بمدى 3700 كم (مثل “سجيل-3”)، لكن هذا يتطلب دعمًا تقنيًا خارجيًا.
- التكامل مع الأقمار الصناعية: ستعزز إيران أنظمة التوجيه عبر الأقمار الصناعية لتحسين الدقة.
14. ترتيب القوة العسكرية الإيرانية عالميا
وفقًا لتقارير عام 2023 تُصنَّف إيران عادةً بين المركزين الثالث عشر والخامس عشر عالميًا، ويُحسَب هذا التصنيف بناءً على 6 معايير مُختلفة وهي: القوة العسكرية، حيث تمتلك إيران قوة عسكرية نشطة تتراوح نسبتها بين 0.5 و1.5% من إجمالي عدد السكان، وحوالي 400 ألف جندي احتياطي.
ويُعتبر هذا العدد أحد نقاط قوة إيران، نظرًا لكثافة سكانها، والمعدات العسكرية، حيث تمتلك طهران أنواعًا مختلفة من المعدات العسكرية، بما في ذلك الدبابات والمدفعية والصواريخ الباليستية والصواريخ المجنحة والغواصات والأسطول الجوي.

بالإضافة إلى القدرات الصاروخية، فـ إيران من أقوى دول العالم في إنتاج وإطلاق الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، ويُعتبر هذا من أهم نقاط القوة العسكرية لطهران، بجانب الصناعات الدفاعية المحلية، فقد استطاعت إيران تطوير صناعاتها الدفاعية المحلية مع إنتاج معدات عسكرية متنوعة محليًا في ظل العقوبات الغربية، وقد ساعدت هذه القدرة البلاد على مقاومة العقوبات الدولية، وصولا إلى الموقع الاستراتيجي، حيث يلعب الموقع الجغرافي لإيران في منطقة غرب آسيا وسيطرتها على مضيق هرمز دوراً هاماً في فرض القوة العسكرية للبلاد.
وأخيرا: ميزانية الدفاع وهي أقل بكثير من ميزانيات دول كبرى مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا، ويعود ذلك إلى العقوبات الاقتصادية والمشاكل المالية الداخلية، ولا تُقارن ميزانية طهران العسكرية وفقا لإحصاء صادر عام 2023، بالميزانيات الضخمة التي تخصصها بعض الدول للجيش والانفاق العسكري.

15. صفحة جديدة
إن امتلاك تكنولوجيا الأسلحة النووية المتطورة قد يعزز الشعور بالفخر الوطني لدى الشعب الإيراني، باعتباره رمزًا للتقدم العلمي والاكتفاء الذاتي وقد يُسهم ذلك في تعزيز التماسك الاجتماعي، لا سيما في ظل الضغوط الخارجية والصعوبات الاقتصادية التي تواجهها إيران.
أخيرًا، قد يُساعد امتلاك الأسلحة النووية إيران على أن تصبح أكثر قدرة على الصمود في وجه التهديدات السيبرانية والهجمات غير المباشرة على سبيل المثال، تسبب فيروس ستوكسنت الذي هاجم المنشآت النووية الإيرانية عام 2010 في أضرار جسيمة لأجهزة الطرد المركزي في منشأة نطنز النووية.
لكن إيران النووية قد تُشكّل رادعًا، مانعًا الخصوم من شنّ مثل هذه الهجمات، لأن خطر الرد النووي سيجعل هذه الأفعال أكثر تكلفة على المهاجمين.
كما يُعد البرنامج الصاروخي الإيراني ركيزة أساسية في استراتيجيتها العسكرية والسياسية، حيث يعزز قدرتها على الردع ويمنحها نفوذًا إقليميًا على الرغم من التقدم التقني الملحوظ، تواجه إيران تحديات بسبب العقوبات والقيود التقنية، ردود الفعل الإقليمية والدولية تُشير إلى سباق تسلح محتمل قد يؤثر على استقرار المنطقة.

