تفاهم إسلام آباد تحت المجهر.. تسلسل الانتهاكات الأمريكية وجدال المسؤولية عن انهياره

نشرت صحيفة «جام جام» الإيرانية، الأحد 18 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تقريرًا تناولت فيه الجدل بشأن المسؤولية عن انهيار تفاهم إسلام آباد، مستعرضةً الاتهامات الموجهة إلى الولايات المتحدة بخرق التزاماتها، وتداعيات ذلك على مسار المفاوضات بين طهران وواشنطن.

Image

ذكرت الصحيفة أن أصواتًا مألوفة عادت خلال الأيام الأخيرة إلى الظهور في المشهد الإعلامي والنفسي داخل البلاد، صادرة عن تيار سياسي بعينه، يحاول، بلهجة تبدو حريصة وواقعية، قلب رواية انهيار تفاهم إسلام آباد رأسًا على عقب.

وتابعت أن هذه الرواية تزعم أن الولايات المتحدة دخلت في صفقة، وبدأت بتنفيذ التزاماتها واحدًا تلو الآخر، وأن الأمور كانت تسير على ما يرام، إلى أن استهدفت «قوات غير منضبطة» ثلاث ناقلات نفط في ليلة واحدة، فأفسدت كل شيء. 

وأضافت أن الرواية تخلص إلى ضرورة العودة مجددًا إلى طاولة المفاوضات، وتقديم تنازلات أشد وأصعب، مع الحذر من «صب الماء في طاحونة العدو».

وأكدت أن هذه الرواية ليست خاطئة وسطحية فحسب، بل خطيرة ومقصودة ومدروسة بالكامل؛ إذ تهدف أساسًا إلى تبرئة العدو الذي ينقض تعهداته، ووضع النظام والقوات المدافعة عن السيادة في موضع المتهم، بما يخلق ضغطًا سياسيًا واجتماعيًا يدفع البلاد نحو استئناف المفاوضات وتقديم تنازلات جديدة.

وأوضحت أن الرسالة الرسمية التي بعث بها أمير سعيد إيرواني، سفير إيران ومندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة، إلى الأمين العام ورئيس مجلس الأمن، تدحض هذه الادعاءات من أساسها. 

وأشارت إلى أن إيرواني أوضح، بأدلة وتفاصيل دقيقة، أن الولايات المتحدة لم تكتفِ بعدم تنفيذ أي من التزاماتها منذ اليوم الأول تقريبًا لتوقيع مذكرة تفاهم إسلام آباد المؤلفة من 14 بندًا، في 17 يونيو/حزيران 2026، بل عملت بصورة نشطة ومنهجية ومدروسة على إضعاف ركائزها الأساسية وتقويضها.

رواية معكوسة على حساب اتهام المقاومة

ذكرت الصحيفة أن التيار الإصلاحي الداخلي، الذي دأب لسنوات على تبني شعارات متنوعة من قبيل «التفاوض بأي ثمن» و«خفض التوتر» و«الحوار مع العالم»، وما زال يستند إلى الوصفة القديمة الفاشلة ذاتها، يعمد اليوم إلى قلب الأدوار بجرأة كاملة، فيبرئ العدو الذي ينقض تعهداته، ويحمّل خطاب المقاومة المسؤولية الأساسية.

وتابعت أن هذا التيار يتجاهل أن الولايات المتحدة، التي يريد اليوم تقديم تنازلات جديدة لها، بل يقترح اتخاذ قرارات أشد لإرضائها، انتهكت التزاماتها عشرات المرات خلال أقل من شهر، وهددت بتدمير الجمهورية الإسلامية، وأعادت فرض الحصار البحري، واستأنفت موجة جديدة من الهجمات العسكرية.

وأضافت أن هذا التيار يسعى، من خلال قلب المسؤوليات، إلى وضع النظام في قفص الاتهام، متجاهلًا الحقائق الميدانية والوثائق الرسمية، فهو يزعم أن “متشددين” داخل إيران أفسدوا التفاهم عبر تصرفات أحادية، وهي ادعاءات لا أساس لها، وتمثل الخط نفسه الذي تعمل الأبواق الإعلامية للعدو على الترويج له.

وأكدت أن الحقيقة مغايرة لذلك؛ فالولايات المتحدة أفرغت منذ البداية مبدأ «الالتزام مقابل الالتزام»، الذي شكّل أساس مذكرة التفاهم، من مضمونه. 

وأوضحت أن تجاهل الانتهاكات الأمريكية المتكررة ونقل الضغوط إلى الداخل يهدفان إلى إقناع المواطنين بأن السبيل الوحيد للخلاص هو العودة إلى طاولة المفاوضات وتقديم مزيد من التنازلات.

وبينت أن هذا النهج لا يعكس واقعية ولا حرصًا على مصالح الشعب، بل يمثل تكرارًا للتبسيط الخطير نفسه الذي أدخل البلاد مرارًا في دوامة الخضوع والضغوط.

وثيقة دامغة على منهجية الولايات المتحدة في نقض التعهدات 

Image

ذكرت الصحيفة أن مذكرة تفاهم إسلام آباد لم تُصغ منذ البداية على أساس ثقة وهمية لم تكن موجودة أصلًا، بل استندت إلى إطار واضح عنوانه «الالتزام مقابل الالتزام»، بهدف إتاحة فرصة حقيقية للدبلوماسية.

وأضافت أن البند الخامس من المذكرة أقر صراحة بمسؤولية إيران عن تحديد ترتيبات العبور الآمن للسفن عبر مضيق هرمز، لكن الولايات المتحدة انتهكت هذا البند منذ الأيام الأولى، من خلال إنشاء مسار بحري موازٍ بالقرب من عُمان، ومحاولة الالتفاف على الترتيبات التي حددتها إيران.

وتابعت أن واشنطن عملت على تقويض الحوار الإيراني العُماني بشأن إدارة المضيق، وصولًا إلى إعلانها من جانب واحد أنها «حارس مضيق هرمز»، ومطالبتها بالحصول على 20% من الشحنات.

وبينت أن رسالة إيرواني تضمنت قائمة طويلة من هذه الانتهاكات، خلال الفترة الممتدة من 18 يونيو/حزيران إلى 13 يوليو/تموز 2026، وشملت القائمة التهديدات المتكررة باستخدام القوة الصادرة عن الرئيس الأمريكي وكبار المسؤولين، واستئناف الحصار البحري، والإلغاء غير القانوني لتراخيص بيع النفط الإيراني.

وأوضحت أن القائمة شملت أيضًا الهجمات الجوية المتكررة للقيادة المركزية الأمريكية على عشرات ومئات الأهداف داخل الأراضي الإيرانية، ما أدى إلى قتل وإصابة أفراد من القوات الإيرانية، إلى جانب استمرار دعم العدوان الإسرائيلي على لبنان، الذي شهد مئات الانتهاكات وسقوط عشرات القتلى والجرحى اللبنانيين.

وأكدت أن الانتهاكات تضمنت كذلك فرض عقوبات جديدة، وعرقلة عمليات إزالة الألغام الإيرانية، وزيادة القوات العسكرية في المنطقة وتعزيزها، فضلًا عن الإعلان الرسمي الأمريكي عن انتهاء وقف إطلاق النار.

وأوضحت أن إيرواني أكد أن هذه الإجراءات المتعمدة والمدروسة والمتواصلة تمثل تهديدًا خطيرًا للسلم والأمن الدوليين، وتكشف تجاهل الولايات المتحدة الكامل لالتزاماتها القانونية الدولية، كما أن تقاعس مجلس الأمن عن اتخاذ إجراءات حاسمة وفي الوقت المناسب شجّع واشنطن على التمادي وأضعف هيبة المجلس.

وأشارت إلى أن إيران أكدت مرارًا المسؤولية الكاملة للولايات المتحدة عن هذه الأعمال العدوانية، وشددت على أنها ستدافع بحزم عن مصالحها الوطنية وسيادتها وسلامة أراضيها.

الحلقة الأخيرة في سلسلة نقض التعهدات الأمريكية 

Image

ذكرت الصحيفة أن روايات المصادر الموثوقة تشير إلى أن الجانب الأمريكي هو من بدأ بانتهاك الالتزامات في تلك الليلة، فقد كانت ثلاث ناقلات نفط أجنبية تسلك المسار الإيراني بعد طلب الإذن من طهران، ووفقًا للأحكام الصريحة لمذكرة التفاهم، وكانت إيران قد وافقت على عبورها.

وأضافت أن البحرية الأمريكية أجبرت الناقلات الثلاث على تغيير مسارها، ووجهتها إلى الممر الجنوبي خلافًا للالتزامات، ولمنع هذا الانتهاك، أطلقت وحدات من القوات البحرية التابعة للحرس الثوري عدة طلقات تحذيرية في المياه المحيطة بالناقلات.

وتابعت أن الوحدات العسكرية الأمريكية هاجمت، خلافًا لجميع التعهدات، الوحدة البحرية التابعة للحرس الثوري التي كانت تنفذ المهمة، ما أدى إلى مقتل جنود إيرانيين. 

وأوضحت أنه نتيجة لهذا العدوان الأمريكي الواضح، اضطرت البحرية التابعة للحرس الثوري إلى استهداف ناقلات النفط الثلاث المخالفة، دفاعًا عن السيادة وردًا على انتهاك الالتزامات.

وأكدت أن التحرك الأمريكي كان الحلقة الأخيرة في سلسلة الانتهاكات المتكررة لمذكرة تفاهم إسلام آباد، وخلافًا لما تروّج له الأبواق الإعلامية المعادية، فإن الجانب الإيراني لم ينتهك التزاماته بأي شكل، بل كان ما جرى دفاعًا مشروعًا عن السيادة، وليس تصرفًا أحاديًا.

وبينت أن من يحاولون اليوم، عبر مقالاتهم ومنابرهم، تحريف هذه الحقيقة وإلقاء المسؤولية على المقاومة، إنما يلعبون عمليًا لمصلحة العدو. 

وأشارت إلى أنهم يسعون، من خلال ممارسة الضغط النفسي، إلى دفع البلاد نحو التفاوض وتقديم تنازلات إضافية، تحت ذريعة تجنب الدخول في جولة جديدة من الحرب، رغم أن الحقائق الميدانية والوثائق الرسمية تروي قصة مختلفة.

وتابعت أن رسالة إيرواني والروايات الميدانية تمثلان وثائق دامغة تثبت أن نقض التعهدات بدأ من الجانب الآخر للطاولة، بينما كان الدفاع المشروع من الجانب الإيراني. 

واعتبرت أن أي رواية تخالف ذلك إما تعكس سذاجة مطلقة أو تمثل خيانة واضحة للحقيقة والمصالح الوطنية.

وأكدت أن التيار الموالي للغرب، الذي يحاول مجددًا قلب المسؤوليات لإضعاف خطاب المقاومة، ينبغي أن يدرك أن الشعب والنظام لن ينخدعا بعد الآن بهذه الروايات المعكوسة. 

واختتمت بالتأكيد أن الولايات المتحدة تتحمل المسؤولية الكاملة عن تداعيات لجوئها غير القانوني إلى القوة، وأن إيران ستواصل الدفاع بحزم عن سيادتها.

كلمات مفتاحية: