الاقتصاد الإيراني.. لماذا تتجدد أوجه القصور رغم تعدد الموارد؟

Image

نشرت صحيفة «عصر إيرانيان» الإيرانية، الأربعاء 14 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تقريرًا تناولت فيه أسباب استمرار أوجه القصور في الاقتصاد الإيراني، من الاقتصاد الريعي إلى الفساد وهجرة العقول.

Image

الاقتصاد الريعي والدولة المعتمدة على الريع

ذكرت الصحيفة أن إيران دولة تعتمد ميزانيتها، في المتوسط، بنسبة تتراوح بين 40 و50% على عائدات النفط، وهو ما يعفي الحكومة من ضغوط الضرائب والمساءلة أمام المواطنين. 

وتابعت أنه عندما تتدفق الإيرادات مباشرة من آبار النفط إلى الخزانة، لا تكون لدى الحكومة حوافز لإنشاء نظام ضريبي فعال، أو تقليص الجهاز التنفيذي، أو تقديم حسابات شفافة للمواطنين.

وأضافت أن الإيرادات النفطية تحول «العقد الاجتماعي» من صيغة «الدولة-الأمة» إلى صيغة «الدولة-المستأجر»، وتُعرف هذه الظاهرة في أدبيات الاقتصاد السياسي باسم «الدولة الريعية»، وهي لا تقتصر على إيران، بل تشمل أيضًا السعودية وفنزويلا والجزائر.

وأوضحت أن المشكلة تكمن في أن إيران، خلافًا للسعودية، تخضع للعقوبات ولا تستطيع بيع نفطها بحرية. 

وبينت أنه لذلك، عندما تنخفض الإيرادات النفطية، تلجأ الحكومة، بدلًا من إصلاح الهيكل الاقتصادي، إلى طباعة النقود والاقتراض من البنك المركزي، ما يؤدي مباشرة إلى تفاقم التضخم.

المؤسسات الموازية والاقتصاد شبه الحكومي

ذكرت الصحيفة أن جزءًا كبيرًا من الاقتصاد الإيراني انتقل، بعد الثورة، من الملكية الخاصة إلى الملكية شبه الحكومية. 

وتابعت أن مؤسسات مثل مؤسسة المستضعفين، ومؤسسة الشهيد، و«آستان قدس رضوي»، ومقر تنفيذ أمر الإمام، والشركات التابعة للمؤسسات العسكرية والأمنية، تسيطر اليوم على حصة كبيرة من اقتصاد البلاد.

وأضافت الصحيفة أن هذه المؤسسات تتمتع عادةً بالمزايا التالية:

– الإعفاءات الضريبية.

– غياب الشفافية المالية وعدم خضوع حساباتها للتدقيق العام.

– الوصول المميز إلى العملة الأجنبية المدعومة والتراخيص والأراضي.

– عدم التنافس في السوق على أساس تكافؤ الفرص، بل إقصاء المنافسين بفضل امتيازات الريع.

وأكدت أن الاقتصاد شبه الحكومي، الذي يعني الخصخصة لصالح الجهات شبه الحكومية، يُعد أحد أبرز عوائق الكفاءة الاقتصادية. وما دامت هذه المؤسسات موجودة في الاقتصاد، فلن يتمكن القطاع الخاص الحقيقي من النمو، ولن تتشكل استثمارات إنتاجية، وسيستمر الفساد المنهجي.

وأوضحت الصحيفة أن المهم هو أن هذه البنية ليست نتاجًا للعقوبات، بل نتيجة قرارات داخلية اتُخذت بعد الحرب، ولا سيما خلال عقدي التسعينيات والثمانينيات من القرن الإيراني.

السياسة الخارجية الهجومية والتكاليف الأمنية

ذكرت الصحيفة أن الجمهورية الإسلامية ترى، من جهة، أنها محاصرة من جانب القوى العالمية، بينما تتبنى، من جهة أخرى، استراتيجية «العمق الاستراتيجي» في المنطقة، من خلال دعم الجماعات المتحالفة معها في لبنان والعراق واليمن وسوريا. 

وأضافت أن معارضي النظام يرون أن المواطنين يتحملون هذه التكاليف، وأن النظام يفضل المنطقة على معيشة الشعب، في المقابل، يقول المدافعون عن النظام إن هذه النفقات تمثل نوعًا من «التأمين على الأمن القومي»، وإن عدم تحملها كان سيؤدي إلى انتقال الحرب إلى داخل الحدود الإيرانية.

وتابعت أن الواقع يشير إلى أن كلا الرأيين صحيح جزئيًا؛ فإيران كانت ستصبح أكثر عرضة للتهديدات الإسرائيلية والأمريكية من دون نفوذها الإقليمي، لكن حجم النفقات العسكرية والأمنية، الرسمية وغير الرسمية، يستنزف الموارد اللازمة لتنمية البنية التحتية الاقتصادية وتحسين الرفاه.

وأكدت أن هذا يمثل مفاضلة صعبة لم تُقدَّم بشأنها حتى الآن حسابات شفافة للمواطنين.

هجرة العقول وتراجع رأس المال الاجتماعي

ذكرت الصحيفة أن أحد المؤشرات المؤلمة على القصور هو مغادرة آلاف المتعلمين والمتخصصين البلاد سنويًا، ووفقًا لتقارير صندوق النقد الدولي والمنظمة الدولية للهجرة، تُعد إيران من بين الدول التي تسجل أعلى معدلات هجرة العقول في العالم.

وأضافت أن النظام التعليمي عندما ينجح في إعداد الكوادر البشرية، بينما يعجز الاقتصاد عن استيعابها، تكون النتيجة عكسية؛ إذ تستفيد الدول المستقبلة، وفي مقدمتها كندا والولايات المتحدة وألمانيا، من الدعم الذي أُنفق على تعليم هؤلاء الأفراد.

وأوضحت أن هذه الظاهرة تعكس في الوقت نفسه كفاءة النظام التعليمي وقصور النظام الاقتصادي والاجتماعي، كما تؤدي هجرة العقول إلى تراجع رأس المال الاجتماعي، لأن أشخاصًا كان بإمكانهم أن يكونوا عوامل للتغيير يفضلون الانسحاب من المشهد.

الفساد المؤسسي وتراجع الثقة العامة

ذكرت الصحيفة أن إيران تحتل باستمرار مراتب متأخرة في مؤشر مدركات الفساد الذي تصدره منظمة الشفافية الدولية، إذ يتراوح ترتيبها بين المركزين 140 و150 من أصل 180 دولة.

وأضافت أن هذا المؤشر يقيس التصورات بشأن الفساد فقط، لكن عند دمجه بالبيانات المحلية، مثل قضايا الاختلاس والرواتب الفلكية والاستيلاء المنظم على الأراضي، تتضح صورة فساد لا يمكن التغاضي عنه، تُفرض فيه العقوبات غالبًا على صغار المتورطين، بينما تتمتع الشبكات الأكبر بالحصانة.

وأكدت أن هذا الفساد يقوض الثقة العامة بالسلطة، بل ويجعل الإنجازات الفعلية، مثل توسيع نطاق التأمين الصحي والتطعيم الشامل، تفقد مصداقيتها في نظر المواطنين.

كلمات مفتاحية: