التيار الإصلاحي يدفع نحو طاولة التفاوض والخارجية الإيرانية تتمسك بالحذر

يشهد ملف التفاوض المباشر بين إيران والولايات المتحدة تحولات لافتة مع تصاعد الضغوط الاقتصادية وتزايد الأصوات المطالِبة بحل سياسي يخفف عن كاهل المواطنين، فبينما يتنامى التيار الإصلاحي داخل البلاد داعيا إلى إعادة النظر في السياسات القديمة وفتح قنوات حوار جاد مع واشنطن، يتجه الخطاب الدبلوماسي الرسمي إلى مواقف أكثر جذرية مقارنة بالسنوات الماضية، في محاولة لموازنة الدعوات الشعبية للإصلاح مع هواجس الأمن والسيادة الوطنية.

 هذا التباين بين المطالب المتزايدة للانفتاح والحذر الرسمي يعكس تعقيد المشهد السياسي الإيراني، ويطرح تساؤلات حول إمكانية التوصل إلى صيغة تفاوضية جديدة تكسر الجمود وتؤسس لمسار مختلف في العلاقات بين طهران وواشنطن.

التفاوض المباشر ضرورة مُلحة

فخلال لقاء سياسي لافت جمعه بأعضاء منظمة مجاهدي الثورة الإسلامية، الأربعاء 3 سبتمبر/أيلول 2025، شدد الزعيم الإصلاحي المرفوعة عنه الإقامة الجبرية مؤخرا، مهدي كروبي، على أن التفاوض المباشر مع الولايات المتحدة بات ضرورة ملحّة لإنقاذ البلاد من أزماتها المتفاقمة، داعيا إلى مراجعة شاملة للسياسات الداخلية والخارجية التي أوصلت إيران إلى هذا الوضع.

Image

فقد استهل كروبي، رئيس البرلمانين الثالث والسادس وأحد رفاق درب روح الله الخميني، قائد الثورة الإيرانية منذ بدايات الحركة الثورية عام 1963، حديثه بانتقاد حاد لنهج إدارة الدولة، قائلا إن الشعب لم يثر ليجد نفسه محروما من الغاز في الشتاء والماء والكهرباء في الصيف نتيجة أخطاء رجال الدين والمسؤولين، مؤكدا أن استمرار النهج الحالي رغم مظاهر التدهور الاقتصادي والاجتماعي يعكس إصرارا غير مبرر على سياسات أثبتت فشلها.

كما أضاف كروبي أن الاعتراف بالأخطاء والشجاعة في الإقرار بها يمثلان الخطوة الأولى نحو الإصلاح، محذرا من أن الإصرار على الاحتكار وتجاهل إرادة الشعب هو انحراف عن أهداف الثورة والدستور، كما أشار إلى أن الثورة قامت ضد الملكية وحكم الفرد كي يتمكن الإيرانيون من تقرير مصيرهم، لكن بعض المسؤولين يتعاملون مع البلاد كما لو كانت ملكا عائليا، ويغرقون في أفكار مغلقة تبقي السلطة محصورة في دائرة ضيقة.

Image

وشدد على أن الخروج من الأزمة يتطلب العودة إلى الشعب والاعتراف بحقوقه والتخلي عن الأنانية والأوهام لدى بعض المسؤولين، محذرا من أن تجاهل المطالب الشعبية سيؤدي إلى مزيد من التدهور.

وفي سياق الحديث عن السياسة الخارجية، تبنى كروبي موقفا صريحا من العلاقة مع واشنطن، مشيرا إلى أن العديد من العقلاء والغيورين على الوطن يرون أن رفع شبح الحرب والعقوبات يستوجب تفاوضا مباشرا مع الولايات المتحدة، موضحا أن الحفاظ على وحدة الأراضي والمصالح الوطنية ورفع الضغط عن كاهل المواطنين يفرض على القيادة الإيرانية اتخاذ قرار شجاع بالانفتاح والحوار.

واختتم حديثه بتأكيد أنّ الشعب لم يقدّم التضحيات ليعيش تحت وطأة الأزمات المعيشية الناتجة عن قرارات خاطئة أو تقصير رسمي، داعيا إلى تحمل المسؤولية والبحث عن حلول عملية تعيد الثقة بين الدولة والمواطن.

حضر اللقاء عدد من الشخصيات البارزة في منظمة مجاهدي الثورة الإسلامية، بينهم بهزاد نبوي، محسن آرمين، فيض الله عرب سرخي، محمد كيانوش راد، صادق نوروزي، علي تقي زاده، حجت إسماعيلي، مهدي تحققي، حميد خزاعي وأصغر نوروزي، الأمر الذي عكس أهمية الاجتماع والتصريحات الصادرة عنه.

نداء يلحق بآخر

لم يكن كروبي الشخصيةَ الإصلاحية الوحيدة التي تحدثت عن أهمية إحداث تغييرات حقيقة في قلب النظام، ففي 11 يوليو/تموز 2025، وبعد وقف إطلاق بين إيران وإسرائيل، أصدر مير حسين موسوي، الإصلاحي الشهير والمقيم تحت الإقامة الجبرية، بيانا دعا فيه إلى ضرورة إجراء استفتاء لتشكيل جمعية تأسيسية للدستور، حيث ذكر في بيانه أنه “في خضم الجرائم الأخيرة التي ارتكبتها إسرائيل والولايات المتحدة بحق وطننا العزيز، خضع معدن شعب إيران لاختبار جديد فأضاف صفحة مشرقة إلى سجله التاريخي، لا لمجرد تلاحمه في وجه العدو، بل لقدرته على الصمود رغم ما يعتمل في النفوس من جراح عميقة، واليوم، بعد انقضاء تلك الأيام، سيكون خطأ فادحا أن يتوهم البعض أن تفاعل المجتمع تأييد لنهج حكمهم غير المجدي، فمثل هذا الوهم يُحبط الشعب ويُشجّع الغرباء على الأمل في اختراق الدرع الذي صده”.

Image

ويتابع: “بعد ما جرى، بات للشعب تطلعات على الحكومة ألا تهملها، لأن تجاهلها يبهج الأعداء، في المدى القصير، تعد خطوات عاجلة ورمزية كإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وإحداث تغيير ملموس في توجهات الإعلام الرسمي أدنى مستوى من التوقعات، وفوق ذلك، فإن الوضع المرير الذي ألم بالبلاد هو حصيلة سلسلة أخطاء جسيمة، وقد برهنت تجربة حرب الاثني عشر يوما أن الضمان الحقيقي لنجاة الوطن هو احترام حق تقرير مصير جميع المواطنين، وأن البنية الحالية للنظام لا تمثل كل الإيرانيين، الناس يتطلعون إلى مراجعة تلك الأخطاء، إن إجراء استفتاء لتشكيل جمعية تأسيسية للدستور يفتح الطريق أمام حق تقرير المصير ويُحبط أعداء البلاد عن التدخل في شؤونها”.

الإصرار الإصلاحي والتراجع الدبلوماسي

هذا وفي الوقت الذي تبنى فيه التيار الإصلاحي فكرة التفاوض المباشر مع الولايات المتحدة، تراجع دعم الخارجية الإيرانية لملف التفاوض، فقد كان عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، قد صرح خلال حديث له مع صحيفة الشرق الأوسط 26 أغسطس/آب 2025، في معرض رده على سؤال حول الاستعداد الإيراني للتفاوض، قائلا: “ما زلنا على استعداد للدخول في مفاوضات عادلة ومنصفة بشأن برنامجنا النووي، وكما يجري الآن حوار بيننا وبين الدول الأوروبية الثلاث، هناك أيضا محادثات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لإيجاد إطار تعاون جديد. أما مع الولايات المتحدة، فلدينا استعداد لمفاوضات غير مباشرة فقط، ولن نجري حوارا مباشرا”.

Image

وتابع: “وعلى الأمريكيين أن يقدّموا ضمانات بألا يشنوا هجوما عسكريا في منتصف المفاوضات كما حدث سابقا، ويجب أن نتأكد من أنهم إذا جاؤوا للتفاوض، فسيكون تفاوضا عادلا قائما على المصالح المتبادلة، فإذا كانوا يظنون أنهم سيحصلون على ما عجزوا عن تحقيقه بالقوة العسكرية على طاولة التفاوض، فلن يعقد مثل هذا الحوار أصلا، نحن لم نغادر طاولة المفاوضات قط، كنا نتفاوض حين هاجمتنا إسرائيل وانضمت إليها أمريكا، لهذا السبب لن تكون أي مفاوضات جديدة كما كانت في الماضي، وكما قلت سابقا، موقفنا بشأن عدم التفاوض المباشر مع الولايات المتحدة لم يتغير”.

بل ذهب عراقجي إلى أبعد من ذلك، حين صرح الأربعاء 3 سبتمبر/أيلول 2025، عقب عودته والرئيس الإيراني من قمة شنغهاي، قائلا: “إن طهران لا تخشى المفاوضات، وإذا لزم الأمر فهي لا تخشى الحرب أيضا”.

Image

وبالشأن نفسه، قال إسماعيل بقائي، المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، خلال مؤتمر صحفي الثلاثاء 2 سبتمبر/أيلول 2025، قائلا: “في ما يخص التعامل مع الولايات المتحدة، علينا دائما أن نضع في الاعتبار أننا كنا وسط مسار تفاوضي حين واجهنا اعتداء من الكيان الصهيوني وتواطؤا من أمريكا، لذلك لا يمكننا الحديث عن المستقبل من دون أخذ تجارب الماضي في الحسبان”.

Image

وأضاف بقائي: “خلال السنوات العشر الماضية أخلت الولايات المتحدة بالمسارات الدبلوماسية مرتين أو ثلاثا على الأقل، فقد كان الاتفاق النووي قائما، لكنها انسحبت منه عام 2017 بشكل أحادي ودون أي سبب أو ذريعة، وفي المرة الأخيرة أيضا، وأثناء سير المفاوضات، نفذ الكيان الصهيوني وبالتنسيق والتعاون مع أمريكا اعتداءاته غير القانونية على الجمهورية الإيرانية.

هذه الوقائع تؤكد أن الولايات المتحدة لم تكن حسنة النية منذ البداية، وإذا تأملنا في بيان وزير الخارجية الأمريكي نجد أن الترحيب ببدء مسار إعادة قرارات مجلس الأمن الملغاة، ودعم الدول الأوروبية لهذه الخطوة، ووصفها بأنها تأتي تنفيذا لتوجيهات الرئيس الأمريكي، كل ذلك يبين أن واشنطن وضعت منذ اللحظة الأولى لدخول الإدارة الجديدة البيت الأبيض خطة لإفشال الاتفاق النووي وفرض ضغوط غير قانونية على إيران”.

الضغط الأمريكي وموقف المفاوض الإيراني

حول الموقف التفاوض المعقد لإيران، فقد نشر موقع مثلث أونلاين، الخميس 4 سبتمبر/أيلول 2025، تحليلا أشار خلاله إلى أن التطورات الأخيرة تظهر أن واشنطن لم تكتفِ بإغلاق مسار التفاوض عمليا عبر استهداف المنشآت النووية، بل مضت إلى طرح شروط تعد في طهران وصفة لتعطيل أي حوار، فمطالب كحصر مدى الصواريخ بـ 500 كيلومتر، وقطع الصلة بمحور المقاومة، ووقف الدعم لحزب الله والحشد الشعبي، تُقرأ في إيران كإملاءات تستهدف تفريغ قدراتها الدفاعية والإقليمية من مضمونها.

وتابع أنه أمام هذا الضغط، يحرص المفاوض الإيراني على أن يميز بين إبقاء باب الدبلوماسية مفتوحا وبين تقديم تنازلات تمس السيادة، فالتصريحات الرسمية المتكررة تؤكد أن أي عودة إلى طاولة الحوار مشروطة أولا بتفسير أمريكي واضح لأسباب العدوان الأخير وضمانات مكتوبة بعدم تكراره.

Image

وحول تغير الموقف الدبلوماسي لإيران، ذكر التقرير: “يأتي هذا الموقف في سياق إدراك عميق لانعدام الثقة، فالمفاوضات السابقة جرت أصلا في أجواء ريبة، وبعد الهجوم بات الحذر عنصرا ملازما لأي مسار سياسي، ومن هنا جاءت العبارة اللافتة لعراقجي أن طريق التفاوض ضيق لكنه ليس مستحيلا، كإشارة إلى أن طهران لا تغلق الباب نهائيا لكنها ترفض الجلوس إلى طاولة لا تراعي الندية”.

يبقى الجدل حول التفاوض المباشر مع الولايات المتحدة انعكاسا لصراع أعمق حول هوية الدولة ومستقبلها السياسي، فدعوات كروبي وموسوي تعبر عن إدراك متنام بأن استمرار السياسات الحالية قد يعمّق الأزمات ويقوض ثقة الشارع بالنظام، فيما تحذر الخارجية من تكرار تجارب الخداع وانسحاب واشنطن الأحادي من الاتفاق النووي، وبين مطلب الإصلاحيين بتسوية شجاعة تنهي عزلة البلاد، وحذر الحكومة من مغامرة غير مأمونة العواقب، يقف الشعب الإيراني مترقبا قرارات قد تحدد مصير أجيال قادمة. 

إن حسم هذا المسار يتطلب موازنة دقيقة بين الواقعية السياسية وضمان الكرامة الوطنية، بعيدا عن أوهام القوة أو رهان الانتظار.