مشهد التفاوض المعقد.. بين ضغط العقوبات الأوروبية وأبواب واشنطن المغلقة

وسط مشهد إقليمي معقد من تحولات متسارعة وصراعات متشابكة، يبرز ملف التفاوض كإحدى أكثر القضايا تعقيدا وإثارة للجدل في الداخل الإيراني والخارج على السواء، فالتوازن بين متطلبات الأمن القومي وضغوط المجتمع الدولي بات تحديا وجوديا أمام الدولة، فيما يتقاطع العامل السياسي مع الاقتصادي والاجتماعي في رسم ملامح المرحلة المقبلة.

وسط هذه الأجواء المليئة بالضبابية والتوتر، تتوالى المواقف والتصريحات من مختلف الأطراف لتعكس حجم التباينات الداخلية والخارجية، وتكشف في الوقت ذاته عن إدراك عميق بأن الخيارات المطروحة، أيا كانت، ستحدد مستقبل البلاد لسنوات طويلة قادمة.

من يقبل بتسليم سلاحه؟ والأمريكيون لا يرغبون في التفاوض

عقد علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي ومستشار قائد الثورة على خامنئي، اجتماعا الثلاثاء 2 سبتمبر/أيلول 2025، استمر لساعات مع مديري ومسؤولي وسائل الإعلام في إيران، وذلك في إطار تبادل الرؤى حول الأحداث التي يشهدها البلاد، وخلال هذا اللقاء، أوضح لاريجاني أنّ التضامن الوطني قضية جوهرية، قائلا: “إن للحكومة والشعب واجبات متبادلة، وعلى السلطة أن تؤدي دورها من خلال تقديم مسارات عقلانية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية العسكرية، فيما يبذل رئيس الجمهورية والحكومة جهودا متواصلة على مدار الساعة لحل المشكلات”.

Image

وأضاف أمين المجلس الأعلى للأمن القومي أنه لا أحد في البلاد يشك في القاعدة الأساسية التي تقول: “الحفاظ على إيران والجمهورية الإسلامية هو الأساس لأي منهج سواء كان دفاعيا أو تفاوضيا”، مشيرا إلى أن الانحراف عن بعض القواعد المهمة في النظام قد يعرضه للخطر، وأوضح أن الشعار العام بالحفاظ على إيران والجمهورية الإسلامية هو الأصل صحيح، لكن العدو يطرح مطالب مثل التخلي عن القدرة الصاروخية، في حين تساءل: “أي إيراني صاحب نخوة يمكن أن يقبل اليوم بتسليم سلاحه إلى العدو؟ نحن أيضاً نعتبر أنّ المفاوضات هي السبيل إلى الحلّ في الملف النووي، لكنها مفاوضات عقلانية وواقعية.

غير أنهم من خلال طرح مسائل مثل الصواريخ، لا يريدون أن تقوم مفاوضات حقيقية، فالآن، الأمريكيون لا يريدون التفاوض، تماما كما اندلعت الحرب في وقت كنا فيه على طاولة المفاوضات”، في إشارة منه إلى استحالة المطالب الأمريكية واستبعاد فكرة المفاوضات المباشرة أو حتى على النمط الذي شوهد في الفترة التي سبقت الهجوم على إيران.

الولايات المتحدة هي من تعطل مسار التفاوض

من جانبه، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية، إسماعيل بقائي، خلال مؤتمر صحفي عقد الثلاثاء 2 سبتمبر/أيلول 2025، في معرض رده على تصريحات وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، الذي تحدث عن استعداده للتفاوض المباشر مع إيران، وذلك تزامنا مع ترحيبه بقرار الدول الأوروبية الثلاث، ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، بالشروع في تفعيل آلية العقوبات مرة أخرى ضد إيران، وعن اعتبار أوروبا أن أحد شروطها الثلاثة هو الحوار المباشر بين طهران وواشنطن، وهل إيران مستعدة لقبول هذا الشرط لتفادي عودة عقوبات مجلس الأمن؟، أجاب قائلا: “من حيث المبدأ، يجب أن نضع في الاعتبار دائما هذه الحقيقة بشأن أمريكا، وهي أننا في خضم مسار تفاوضي وجدنا أنفسنا أمام اعتداءات من الكيان الصهيوني بدعم ومشاركة أمريكية. وبالتالي، لا يمكننا التحدث عن المستقبل من دون النظر إلى تجارب الماضي”.

Image

وأضاف بقائي: “لقد عطلت أمريكا خلال السنوات العشر الماضية المسارات الدبلوماسية مع إيران ما لا يقل عن مرتين أو ثلاث مرات، فقد كان الاتفاق النووي قائما، لكنها انسحبت منه عام 2017 بشكل أحادي ومن دون أي مبرر أو ذريعة، وفي آخر مرة، وتزامنا مع سير المفاوضات، نفذ الكيان الصهيوني، بالتنسيق والتعاون مع أمريكا، هجماته غير القانونية ضد الجمهورية الإيرانية، هذه الوقائع تظهر أن أمريكا لم تكن لديها أي نية صادقة منذ البداية”.

وتابع: “إذا نظرنا إلى بيان وزير الخارجية الأميركي، نرى أنه رحب ببدء عملية إعادة تفعيل قرارات مجلس الأمن الملغاة، كما أن دعم الدول الأوروبية لهذا الإجراء، واعتباره تنفيذا لتعليمات الرئيس الأميركي، كل ذلك يبين أن واشنطن، منذ دخول الإدارة الجديدة إلى البيت الأبيض، كانت خطتها الأساسية تقويض الاتفاق النووي وفرض ضغوط غير قانونية على إيران”.

كذلك، وحول المفاوضات مع الوكالة، صرح بقائي: “حتى الآن، لم يتخذ أي قرار بخصوص استكمال جولتي المفاوضات اللتين عقدناهما مع الوكالة، ومن المؤكد أن خطوة الدول الأوروبية الثلاث ستكون لها آثارها وتداعياتها في مجالات أخرى، وقد بدأت بالظهور وستظهر لاحقا، هذه الخطوة من جانب الدول الأوروبية الثلاث بالغة عدم المسؤولية وغير منطقية، ونرى أيضا أنها من الناحية القانونية والحقوقية تفتقر لأي أساس”.

Image

وأردف: “حتى الآن عقدت جولتان من المفاوضات بحضور ممثلين من وزارة الخارجية ومنظمة الطاقة الذرية الإيرانية مع الوكالة الدولية، وكانت على مستوى نائب المدير العام للوكالة، لكنها لم تفضِ إلى نتيجة نهائية واضحة. أما دخول مفتشَين من الوكالة فكان فقط من أجل عملية تحميل الوقود في مفاعل بوشهر النووي، وهو أمر يقتضيه العرف واللوائح القائمة لضمان استمرار عمل المحطة النووية، أما حاليا فلا تجرى أي عمليات تفتيش في إيران، ولا يوجد أي مفتش حاضر على أراضيها”.

وأضاف: “إن تواصلنا مع الوكالة ما زال قائما، لأن إيران عضو في معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية وفي اتفاقية الضمانات الشاملة، وهذه الاتصالات مستمرة عبر بعثتنا في فيينا، ومع ذلك، فإن إعداد آلية للتعامل بعد التطورات الأخيرة والهجوم على المنشآت النووية الإيرانية، وفي إطار مصادقة البرلمان، لم يستكمل بعد وما زال في طور اتخاذ القرار”.

الإصلاحيون والإصرار على ورقة التفاوض

منذ اللحظات الأولى لتوالي مسعود بزشكيان منصبه كرئيس جمهورية لإيران في يوليو/تموز 2024، وقد أعطى الضوء الأخضر في ملف التفاوض، المسار نفسه الذي ظل ثابتا خلال كلمته أمام قمة منظمة شنغهاي” أعلن من هنا أن إيران لطالما كانت مستعدة لإيجاد حل دبلوماسي من أجل تسوية برنامجها النووي السلمي بطريقة سلمية”.

Image

كذلك فقد ازدادت احتمالية التفاوض المباشر بين طهران وواشنطن بعدما ترددت أنباء عن أن من بين المواضيع التي طُرحت في لقاء بزشكيان مع بوتين على هامش قمة شنغهاي كان ملف التفاوض بين إيران وأمريكا.

Image

هذا وقد ظهرت تلك النبرة بوضوح مؤخرا خلال تصريحات عبد الحسين خسرو بناه، أمين المجلس الأعلى للثورة الثقافية، الذي ألمح إلى موافقة المرشد على المبدأ، قائلا: “أصل التفاوض، حتى لو كان غير مباشر مع أمريكا، قد حظي بتأييد القيادة بعد الحرب”.

Image

ورغم أن المعسكر الأصولي يرى عدم جدوى التفاوض مع أحد، سواء مع الولايات المتحدة التي انسحبت من الاتفاق النووي العام 2018، وشاركت في ضرب إيران في حرب يونيو/حزيران 2025، أو حتى الأوروبيين، الذين فشلوا في حماية إيران من العقوبات الأمريكية، بل سعوا إلى تفعيل آلية العقوبات مرة أخرى، فإن الاصطلاحيين ورموزهم ما زالوا يؤكدون على حتمية التفاوض.

ورقة إيران الرابحة في التفاوض

وحول هذا الأمر، قال حسين نوراني‌ نجاد، نائب الأمين العام لحزب اتحاد ملت، خلال لقاء له الثلاثاء 3 سبتمبر/أيلول 2025: “نحن الإصلاحيين، الذين لطالما رحبنا بالتفاوض والدبلوماسية في التعامل مع الدول الأخرى، من الطبيعي أن نؤيد مواقف المسؤولين الإيرانيين الأخيرة بشأن الحوار مع أمريكا، فالمفاوضات أساسا تعقد مع الأطراف المختلف معها، أما الأصدقاء والحلفاء فالحوار معهم قائم دائما، إنما عندما تكون هناك خصومة وعداء وتعارض مصالح، تصبح المفاوضات أكثر أهمية”.

Image

وأضاف: “إيران الآن في حالة وقف إطلاق نار، وهي ليست في وضع مستقر، ورغم أن إيران لم تكن راغبة في الحرب، فإن الحروب التي خاضتها منذ الثورة كانت مفروضة عليها نتيجة العدوان الخارجي”، كما أكد أن إيران إذا أرادت منع خصومة الدول الأخرى وعدوانها، يجب أن تصر على خيار التفاوض والدبلوماسية.

في الوقت نفسه شدد نوراني نجاد على أن خط المفاوضين الأحمر هو المصالح الوطنية وحفظ البلاد وسلامة الشعب وبقاء البنية التحتية والقدرات، قائلا: “علينا إبعاد شبح الحرب والتوتر عن رؤوس الناس والبلاد، لم تكن إيران يوما البادئة بحرب، لكن عليها أن تمنع الآخرين من إثارة التوتر، ومن هذا المنطلق، فنحن كإصلاحيين نؤيد التفاوض، خصوصا المباشر، واستخدام كل أدوات الدبلوماسية بما فيها الدبلوماسية العامة لإبعاد شبح الحرب”.

Image

وعن الورقة الرابحة لإيران في أي مفاوضات مع أمريكا، أجاب: “اليوم وبعد حرب الـ12 يوما، فقد صار التماسك الداخلي هو الورقة الأهم، علينا أن نمكن المفاوضين الإيرانيين من تحقيق أفضل النتائج، لقد قيل سابقا أن حل الأزمات الاقتصادية يقتضي حلّ مشاكل السياسة الخارجية، وبعد أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 بات هذا الأمر أكثر وضوحا، اليوم أهم ورقة رابحة لإيران في معالجة السياسة الخارجية هي الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي”.

وختم قائلا: “أرى أن موقف لاريجاني إيجابي ومنطقي، يجب أن نعزز هذا الموقف السلمي عبر الحضور في الدبلوماسية العامة، وتمكين المجتمع المدني الإيراني من التواصل بحرية واستقلالية مع الفاعلين والأحزاب والحركات الحقوقية والرافضة للحروب في العالم، على الدولة، وخصوصا المؤسسات الأمنية، أن تنظر إلى المجتمع المدني كفرصة لإيران، لا كتهديد أو منافس”.

“يجب أن نتفاوض مع أمريكا بلا شروط مسبقة”

من جانبه، قال الناشط الإصلاحي محمد صادق جوادي ‌حصار: “كما أشار لاريجاني مؤخرا، فإن التفاوض مع أمريكا ليس هدفا بحد ذاته، بل هو وسيلة يتوصل عبرها الطرفان إلى أهدافهما، فإيران دائما سعت إلى حل مشاكلها بالحوار ولم تبدأ حربا قط إلا دفاعا عن نفسها، كما فعلت في حرب الـ12 يوما، إن أنجع وأقل تكلفة وأعقل طريقة لحل الخلافات بين إيران وأمريكا هي التفاوض المباشر، ولا أرى بديلا عنه”.

Image

كما أوضح جوادي حصار أن الأوروبيين لم يثبتوا التزامهم حتى حين انسحبت أمريكا من الاتفاق النووي، بل تراجعوا أمام ضغوط واشنطن، حيث صرح: “اليوم لن تصل أي معاهدة مع الأوروبيين إلى نتيجة ما لم تحل مشاكلنا مع أمريكا، فإذا انحلت العلاقة مع واشنطن، لن يجد الأوروبيون مشكلة مع إيران، بل سيعتبرون مصلحتهم في التعاون معها”.

وأضاف: “كما قال بزشكيان للإعلام مؤخرا، إذا لم نتحاور، فماذا نفعل؟ يجب أن نتجه نحو التفاوض، ليس لأننا نخشى الحرب، بل لأن الحرب تستنزف الموارد، فلماذا نصرف ميزانية البلاد على إعادة الإعمار بينما يمكن استخدامها في التنمية والبناء؟ منطق الحرب ثم الإعمار منطق غير عقلاني”.

Image

وأشار إلى أنه قبل عام دعا إلى الحوار مع أمريكا بلا شروط مسبقة، وأنه لازال يكرر اليوم الموقف ذاته، فقال: “المفاوضات تبنى على الأخذ والعطاء، لا على المواقف المتصلبة، إيران وأمريكا دولتان مستقلتان تحميان مصالحهما، ويمكنهما التوصل إلى تفاهمات، على الأقل في المجالات غير المتعارضة، لكن إذا أصرت أمريكا على الانحياز لإسرائيل والدول الغربية، فلن يصل الطرفان إلى نتيجة، إن المفاوضات مع أمريكا، وكما يمكن أن تكون مدمرة، يمكن أن تكون بناءة أيضا، إن سلوكنا وسلوك الطرف الآخر هو ما سيحدد مصير المفاوضات وطريقة الوصول إلى اتفاق”.